الخميس، 26 يوليو 2012

مفهوم التوسعة الكونية و مبدأ مد الوجود في الملكية المصرية القديمة


بسم الله الرحمن الرحيم 

مفهوم التوسعة الكونية و مبدأ مد الوجود في الملكية المصرية القديمة  ............................................................
.................  يتناول هذا المقال واحدة من أهم المفاهيم الفكرية و الدينية للحضارة  الصرية القديمة فيما يتعلق برؤية الملكية المصرية القديمة لما يعرف بتوسعة  الحدود الكونية و مد الوجود و مدى تطبيقها لهذا المبدأ الفكري عمليا على ما  أنتجته عبر العصور المختلفة و لاسيما في مجالات الفن و العمارة و الحروب  العسكرية .
 تمثل هذا المفهوم في إقامة منشآت معمارية و أعمال فنية  تفوق حجما أو ثراءا مما صنعه الأسلاف . فكل ملك يسعى نحو إبراز توسعة  الحدود الدينية و الكونية لمنشأته المعمارية أو صنيعه الفني بشكل يظهر فيه  التفوق و العلو على آثار السلف . و هو ما يبرز أحد الدعائم الفكرية للمصري  القديم و المتمثلة في ( إظهار تفوق الخلف على إنجازات السلف ) و أحيانا ما  كان ذلك المبدأ يتم تطبيقه عمليا بهدف إضفاء شرعية سياسية و دينية مقدسة  على حكم الملك الحاكم .
تجلت مظاهر الترجمة العملية لتوسعة الحدود الكونية و مد الوجود من خلال عدد من التجارب التاريخية الملكية الهامة تمثلت فيما يلي :
1 - بدأ ملوك الدولة القديمة - و لاسيما ملوك الأسرة الرابعة - في تطبيق  هذا المفهوم عمليا من خلال إقامة مقابر ملكية تفوقت أحجامها على مقابر  أسلافهم – من ملوك الأسرة الثالثة – فظهرت المقبرة الهرمية بواجهاتها  الأربعة و هى تمتد نحو أركان الكون الأربعة ، فأصبحت المقبرة الملكية  الأرضية ترتبط بعالم السماء و مسيرة الشمس و مواضع النجوم و أصبحت أركانها  تجسد أركان الكون نفسه ( مثال : إسم هرم الملك خوفو : آخت خوفو – بمعنى أفق  خوفو و هي تسمية تربط المقبرة الملكية بالحدود الكونية الشمسية ) . و من  هنا نجد إرتباط قوي بين حدود المنشأة المعمارية الدينية و حدود الكون . و  كلما جاء ملك و عمل على توسعة حدوده المعمارية ، فهو يهدف لإبراز مد الوجود  الخاص بأثره الخالد .
2 - لم  يشذ ملوك الأسرة الخامسة عن تطبيق هذه  القاعدة حتى و إن أصبحت مقابرهم الملكية أصغر حجما من مقابر ملوك الأسرة  الرابعة بل قاموا بتطبيق ذلك المبدأ على نحو آخر ، تمثل في إقامة معابد  شمسية فائقة الحجم ، لم يظهر لها مثيل من قبل فيما نعلم حتى الآن ، فضلا عن  الزيادة الكمية و النوعية لمناظر و شعائر تم تصويرها على جدران تلك  المعابد لأول مرة فتفوقوا بذلك في إظهار أعمالهم – من وجهة نظرهم – على  ملوك الأسرة الرابعة . و لم تكن سياستهم المعمارية و الفنية الجديدة سوى  ترجمة لكشف ولائهم التام لمعبودهم الشمسي الأثير ( رع ) ، فعملوا على إبراز  السيطرة الكونية لربهم الخالق من خلال مناظر و شعائر المعابد الشمسية و  إستفادوا من تلك الظاهرة بتوحيد و إدماج أنفسهم به في نهاية المطاف .
3  - إن المد الوجودي و توسعة الحدود الكونية لمعابد الشمس هي أعظم قرينة  عملية تؤكد على الترجمة الفعلية لتلك القاعدة مع الوضع في الإعتبار حقيقة  هامة : لم يكن مفهوم الكون في عصر الدولة القديمة قد تخطى عالم مصر ، فإله  الشمس و ممثله الأرضي ( الملك ) لايحكم سوى مصر ، فقد كانت الأيدولوجية  الملكية في ذلك العصر تروج لصورة مصر في مصاف العالم المنظم الذي خلقه رب  الشمس و كلف ممثله الأرضي – الملك - بوضع الماعت ( النظام و الخير و  العدالة ) بدلا من الإسفت ( الفوضى و الشر و الظلم ) ، فلم تعترف الملكية  المصرية خلال عصر الدولة القديمة بأنها دولة واحدة تقع في محيط دول أخرى  متعددة و إنما هي البلد الوحيد و المنظم القائم في العالم و يحيط بها مناطق  و بلاد أخرى غير معروفة و تتسم بالفوضى و لا يسكنها سوى الأعداء  .
4 –  لما تولى الملك ( ونيس ) زمام الأمور في البلاد ، أتى بما لم يأت به  الأسلاف ، فأوجد تقليدا دينيا جديدا تمثل في تسجيل نصوص الأهرام الملكية  على جدران الحجرات الداخلية لمقبرته الملكية . فكانت هذه النصوص تهدف  لتحقيق السعادة الأبدية للملك الحاكم في عالم السماء و إندماجه برب الشمس  رع و تأكيد سيطرته الكونية الشمسية على الكون بأكمله . و من هنا ندرك أن  النصوص الدينية الملكية لعبت دورا هاما في إظهار مفهوم توسعة الحدود و مد  السيطرة الكونية للملك و ذلك كناحية تعويضية لإبتعاد الملكية عن سياسة  تشييد المعابد الشمسية الكبرى في ذلك العصر .
5 – لم يختفي هذا المفهوم  الفكري عمليا خلال عصر الإنتقال الأول برغم ضعف السلطة المركزية السياسية .  فقد قام حكام الأقاليم و كبار رجال الدولة بالتعبير صراحة عن رغبتهم في (  التوسع و التواجد ) فنقرأ على سبيل المثال نص في تعاليم ( خيتي الثالث )  الموجهة لولده ( مري كا رع ) أنه ( يريد أن يأتى بملك من الأسلاف فينظر إلى  ما صنع و يتفوق عليه و يزيد مما حققه هو ) . كما نقرأ من جانب آخر نصوصا  أخرى تعود لذات الفترة في مقابر حكام الأقاليم تتحدث عن إعادة بناء مقاصير  الأسلاف و ترميم تماثيلهم المقدسة و إعادة تصوير المناظر داخل مقابرهم و  توسعة أساساتها و مد وجودها المكاني و وضع أبواب جديدة من الحجر لها و ذلك  لإعادة إحياء منشآتهم القديمة و حتى تكون مكانتها أعلى من مكانة جميع  الأشراف و الرجال الآخرين مما يؤكد أن مبدأ التوسعة الكونية و مد الوجود  خلال ذلك العصر بدأ تطبيقه على نطاق أشمل و أوسع مما سبق فكان ذلك داعيا  لإبرازه في نصوص عصر الإنتقال الأول .
6 – عندما عرفت مصر الإستقرار  السياسي في عصر الدولة الوسطى ، زادت من إنجازاتها الفكرية و الدينية و  المعمارية و الفنية و اللغوية ، و كانت تلك الإنجازات تعبيرا صادقا عن مبدأ  التوسعة الكونية و مد الوجود في جميع المجالات التى عملوا على تطويرها  عمليا . فنجد الملك ( سنوسرت الأول ) يقول ( لقد صنعت أعمالا عظيمة و زدت  ما ورثته عن أسلافي ) . كما شيد من ناحية أخرى المقصورة البيضاء في الكرنك و  التى كشفت مناظرها و طقوسها على توسعة السيطرة الكونية للمعبود ( آمون رع )  و مد وجوده هو و ممثله الأرضي ( الملك ) على عالم مصر . و من جانب آخر شيد  المك ( سنوسرت الثالث ) مجموعة من القلاع العسكرية في بلاد النوبة تنظيم  التجارة مع النوبة العليا و حماية الحدود من الجنوب فعمل على ( توسعة رقعة  الحدود المصرية ) و أقام ( لوحات الحدود الشهيرة ) عند هذه القلاع ،  فإعتبرت حدود مصر الجنوبية منذ ذلك العصر و عند أقصى مكان شيدت فيه القلاع  المصرية من ( دعائم السماء و أقصى الحدود الكونية )
7 – أصبح هذا  المبدأ أكثر وضوحا من الناحية العملية في عصر الدولة الحديثة و لاسيما عند  قيام الإمبراطورية المصرية في آسيا  فأصبح الملك يوصف بكونه ( هو الذي يمد  حدود مصر ) ، فهو بذلك لم يحافظ فقط على ما ورثه من أسلافه و لكنه قام  بزيادة هذا الميراث . كما نجد الملك ( تحتمس الثالث ) و هو يقول ( إنني  أفعل أكثر مما فعله الملوك من قبلي و لم لا ؟ ألم يعتبره المؤرخون – طبقا  لما تركه في حوليات الكرنك – صاحب أعظم إنتصارات حربية في الشرق القديم ؟ و  من هنا أصبحت حدود مصر الخارجية تقع في إطار عالمها الداخلي  المقدس فوصلت  إلى ( أركان و حدود الكون ) على حد تعبير المصري القديم و لذلك لم تعد مصر  وحدها هي الدولة الوحيدة القائمة في العالم ، بل هي واحدة من مناطق و دول  أخرى متعددة و تحول إله الشمس رع كرب خالق لشعب مصر و الشعوب المجاورة لها و  ظهر منظر شعوب الأرض الأربعة في مقبرة الملك ( حورمحب ) في وادي الملوك ( و  هم شعوب مصر و النوبة و ليبيا و بلاد الشام ) و تم وصفهم بعبارة ( ماشية  رع )   ..... و من ناحية أخرى سعت الملكة ( حتشبسوت ) على إظهار ذلك المبدأ  عمليا من خلال وضع مسلتين عملاقتين في حرم الكرنك في أكثر الأماكن ضيقا  للمعبد ، و كانتا في ذلك الوقت من أكبر المسلات المصرية حجما مما يرجح  حقيقة هامة و هي : سعت الملكية في الحضارة المصرية القديمة لإبراز مفهوم  التوسع الكوني و المد الوجودي لإسباغ شرعية سياسية و دينية على حكم الملك و  إظهار إنجازاته و تفوقه على ما أتى به الأسلاف .
8 – أصبحت المعابد  المصرية خاضعة لذلك المفهوم في عصر الدولة الحديثة – و لاسيما معابد الكرنك  – بشكل لم يسبق له مثيل . فلم تعتبر هذه المعابد و لفترة طويلة مكتملة  النشأة و التكوين . فقد كان كل ملك يعقد العزم على أن يضيف معماريا و دينيا  و شعائريا لتلك المعابد ، كما كان عنصر إبراز الضخامة المعمارية ظاهرا  فيها  و كانت توسعة حدود الكرنك ترجمة أخرى لمبدأ التوسعة الكونية و مد  الوجود و إبراز تفوق الخلف على السلف .
9 – تمثل المقابر الصخرية  الملكية للدولة الحديثة واحد من أبرز التطبيقات الفعلية للتوسع و مد الوجود  ، فأقدم المقابر في الوادي و التى ترجع لعصر الملك ( تحتمس الأول ) لم تكن  سوى مقبرة متواضعة الحجم و قليلة الغرف و لكن بدأ الملوك اللاحقون فيما  بعد في زيادة الحجم الإجمالي للمقبرة الملكية ، فزادت الغرف و الأعمدة و  كثرت المناظر تدرجيا إلى أن بلغ التوسع ذروته في عصر الرعامسة ، حيث إمتدت  أحيانا إلى ما يزيد على مائة متر أسفل الصخور و تم زخرفتها كلها بنقوش و  ألوان زاهية و تميزت أحيانا بعض المقابر بموضوعات و مناظر دينية قد لا  نجدها في مقابر أخرى . و عندما قام الملك ( رمسيس الرابع ) بإختصار حجم  مقبرته مقارنة بحجم المقابر الملكية السابقة ، و أزال الأعمدة و كثيرا من  المناظر الدينية ، لم يتخلى عن مبدأ التوسع و مد الوجود داخل مقبرته و إنما  ترجمه عمليا على نحو مختلف ، فقام بعمل ممرات أعلى و أوسع بشكل ملحوظ من  تلك التي في مقابر الأسلاف .
10 – يتبين لنا مما تقدم أن المصري  القديم كان يضع حدودا في باديء الأمر و على سبيل التجربة لجميع منشآته  الدينية و المعمارية و الفنية ثم يقوم في فترات لاحقة بعمل تغييرات و  توسعات متعددة لكل ما تم عمله في السابق تحقيقا عمليا لمبدأ التوسع الكوني و  مد الوجود إلى أن يصل في نهاية المطاف لحد معين لا يتجاوزه فقام بوصفه  بالحد الأقصى و النهائي المقدس و الثابت و كانت هذه الحدود القصوى النهائية  تعتبر في آخر الأمر حدودا مطلقة تنتمي لحدود و بنية العالم نفسه .
11 – إن مبدأ التوسع الكوني و مد الوجود و إبراز تفوق الخلف على إنجازات السلف يعكس عددا من الحقائق الهامة تمثلت فيما يلي :
أ – أن المصري القديم كان لا يؤمن بمبدأ القناعة كنز لا يفنى و مبدأ  الرضاء بالقليل ، فقد أدرك أن التقدم الحضاري و العلمي لا يتأتى إلا من  خلال السعي الدؤوب نحو العمل المتواصل و تحدي الذات و عدم الإكتفاء بما تم  إنجازه من جانب الأسلاف و أن السلف لم يتوفق على الخلف فلم يترك له شيئا  لكي يحققه .
ب – لا يعني مبدأ التوسع و مد الوجود و التفوق على السلف  أن المصري القديم كان لا يحترم الأسلاف ، بل على النقيض تماما ، فهو  لايكتسب أية شرعية في أعماله و إنجازاته إلا إذا كان مؤديا لطقوس تقديس  السلف مقلدا لما فعلوه من سلوك و أخلاق يقتدى بها و مرمما لآثارهم القديمة .  فهو هنا يقتدي بهم سلوكيا و أخلاقيا و يحافظ على آثارهم القديمة و في ذات  الوقت يتفوق عليهم حضاريا فيزيد من ميراثه المادي و العملي ،  ولا يكتفي  بما تحقق في زمانهم .
ج – لا ينبغي أن نأخذ دائما بما قاله الملوك عن أنفسهم فنعتبره في إطار الحقائق التاريخية - من خلال التطبيق العملي لمفهوم التوسع و مد الوجود و التفوق على السلف – فهذا المفهوم كان ساريا على الأقل من الناحية النظرية بين جميع الملوك ، فالملك ( توت عنخ آمون ) وصف نفسه ( أو أغلب الظن البطانة الملكية التى كانت حوله ) أنه أتى بما لم يأت به الأسلاف ! كما ذكرت الملكة ( حتشبسوت ) في الدير البحري أنها أرسلت لرحلتها الشهيرة لبلاد بونت التي لم يصل إليها المصري القديم من قبل ! فالأمر في هذه الحالات لا يعدو كونه دعاية سياسية ملكية لا تتطابق مع الواقع التاريخي .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق