الأربعاء، 25 يوليو 2012

الأهداف العملية لمناظر ( الحوت بحسو ) في المعابد المصرية القديمة - حول شعيرة إقتياد الملك للعجول الأربعة


بسم الله الرحمن الرحيم
الأهداف  العملية لمناظر ( الحوت بحسو ) في المعابد المصرية القديمة - حول شعيرة  إقتياد الملك للعجول الأربعة 




............................................................
.................يتناول  الباحث من خلال هذا المقال الأهداف العملية الدينية و السياسية لواحدة من  أهم الشعائر المصرية القديمة التى صورت و نقشت على جدران المعابد المصرية  منذ عصر الدولة القديمة و حتى العصرين البطلمي و الروماني ، و هي الشعيرة  التي عرفت بتسمية ( الحوت بحسو ) بمعنى : قيادة العجول . و لا يفوتني في  هذا الصدد إهداء هذه الدراسة لزميلتي القديرة و الأخت العزيزة الأستاذة (  مايسة مصطفى ) و التى لا تتردد في تقديم المساعدة للجميع .
 جاءت أقدم  المناظر المعبرة عن هذه الطقسة منذ عصر الدولة القديمة و بالتحديد على  جدران المعبد الجنزي للملك ( ساحورع ) من عصر الأسرة الخامسة في أبوصير . و  إستمر تصويرها بشكل متكرر و في أكثر من موضع على جدران المعابد في عصر  الدولة الحديثة إلا أن إعادة نقشها على جدران المعابد المصرية في العصرين  البطلمي و الروماني كان ذو أهمية كبرى نظرا لأن مناظر الدولتين القديمة و  الحديثة لا تقدم شروحا أو تفسيرا لمغزى تلك الشعيرة و لكن مناظر العصرين  البطلمي و الروماني تقدم الكثير في هذا الشأن .
أما عن وصف هذا المنظر فينبغي لنا أن نلاحظ مايلي :
1 – تكاد جميع المناظر المعبرة عن هذه الطقسة لا تتغير معالمها طوال جميع العصور إلا في تفاصيل طفيفة
2 – يظهر فيها الملك و هو يرتدي عادة تاج الآتف و يقود أربعة عجول صغيرة  مختلفة الألوان ( الأسود – الأبيض – المختلط – الأحمر ) و قد تم تسجيل فوق  كل عجل منها إسم اللون الذي يعبر عنه
3 – تجري وقائع هذه الشعيرة عادة  أمام معبود الخصوبة في صورة ( مين ) أو ( آمون رع ) أو ( كا موت إف – فحل  أمه ) أو ( حورس ) و في حالة فريدة تم تصويرها أمام المعبود ( أوزير )
4 – يمسك الملك بالعجول الأربعة من خلال أربعة حبال بحيث يلتف أحد طرفيها  حول الساق الأمامية لكل عجل من العجول الأربعة بينما تتجمع الأطراف الأخرى  للحبال الأربعة – و التى ينتهي كل منها برمز الحياة – و تلتف حول إحدى يدي  الملك . و في اليد الأخرى يمسك الملك بعصا يوجهها نحو أحد العجول الأربعة  فوق ظهره  و يلاحظ أن تلك العصا ينتهي طرفها الأمامي برأس تحاكي رأس الحية
ما هي الأهداف العملية الدينية و السياسية المصاحبة لهذه الشعيرة ؟
من خلال دراسة النصوص المرافقة لمناظر تلك الطقسة من العصرين البطلمي و  الروماني يتبين لنا أنها تتحدث عن ثلاثة مفاهيم تختلف عن بعضها البعض حيث  يعبر كل منها عن مضمون عملي ديني أو سياسي مستقل عن الآخر ، و لكنه ليس  غريبا عنه تماما و هي :
1 – المفهوم الأول يعبر عن مضمون طقوس زراعية  حيث تتناول النصوص ( و عددها ثلاثة ) هذا المضمون و تصف مكان إجراء الشعيرة  على أنه ( الجرن الخاص بدرس الحبوب ) – حيث تهدف هذه العملية لفصل الحبوب  عن القشر المغلف لها - فتتم عملية الدرس بواسطة العجول الأربعة . و الموضوع  الرئيسي لهذا المضمون يدور حول ( ضمان حصاد وفير ) حيث أنه في مقابل  إمتلاء مخازن الإله بالحبوب ، فإن الملك يتلقى وعدا منه بحقول مثمرة و  محصول وفير فضلا عن تكاثر الماشية
2 – المفهوم الثاني ذو صبغة جنزية ،  حيث تشير النصوص إلى أن العجول الأربعة تدوس بحوافرها فوق مقبرة المعبود (  أوزير ) لإخفائها عن عدوه ( ست ) و يوصف الملك الذي يقود هذه الطقسة بأنه (  حورس ) و قد وجد ذلك المفهوم في ستة نصوص .
3 – المفهوم الثالث يعد  تحريفا للمفهوم الثاني ، فهو يصف الملك الذي يقوم هذه الشعيرة بإعتباره  حورس الذي قام بدفن أبيه أوزير و من هنا نفهم أن المفهوم الثالث ذو مغزى  سياسي حيث يضفي الشرعية على الملك الحاكم الذي يقوم بعمل إجراءات الدفن  لأبيه أوزير طبقا لما ورد في الأسطورة الأوزيرية فاستحق عرش البلاد
هناك مجموعة من الحقائق الهامة و التى كشفت عن المغزى العميق للأهداف العملية المرافقة لهذه الشعيرة تتمثل فيما يلي :
1 – فيما يتعلق بالمفهوم الأول المرتبط بالأحداث و الطقوس الزراعية و درس  الحبوب يلاحظ أن الملك الذي يقوم بقيادة العجول الأربعة أمام معبود الخصوبة  يتم وصفه بالراعي و الفلاح العظيم و من هنا فإنه يرتبط بالمعبود ( أنوبيس )  حيث يتم تلقيبه بنفس لقبه و هو ( سيد الماشية ) . و في مقابل ذلك فإن  الإله الذي تتم أمامه الشعيرة يعد الملك بأن العجول سوف تجد طعاما وفيرا و  أن قطعان الماشية الخاصة به ستتكاثر و تنمو بأعداد كبيرة .
إن المضمون  الخاص بالمفهوم الأول ربما يعكس الأصول و المنابع الأولى لهذه الطقسة التى  كانت تجرى من جانب المصريين في عصور الترحال ( عصور ما قبل التاريخ ) و  كانت تهدف في ذلك العصر للتأكيد على خصوبة الأراضي التى كان يقوم المصريون  بزراعتها فضلا عن خصوبة و تكاثر مواشيهم في عصور ما قبل التاريخ و هو ما  ترك أثرا في العصور التاريخية بوصف الملك عند إقامته لهذه الشعيرة بلقب (  الراعي )
2 – أما فيما يتعلق بالمفهوم الثاني ، نجد أن النصوص تشير إلى  أن العجول الأربعة تسير فوق الحبوب بهدف إخفاء مقبرة المعبود أوزير الذي  تم دفنه في هليوبوليس – المركز الرئيسي لعبادة الشمس - ففي أحد تلك النصوص  يظهر الملك الذي يؤدي الشعيرة بإعتباره هو من يطأ على مقبرة من أنجبه . و  في نص آخر نقرأ " لكي تكون أرضك المقدسة خالية من كل شر و يكون مكان دفنك  خافيا عن أعدائك في هليوبوليس " مما يشير إلى دفن أوزير و إخفاء مقبرته في  هليوبوليس و أن الملك من خلال أدائه للشعيرة يجسد دور المعبود حورس
3 –  يرتدي الملك ( تاج الآتف ) عند إقامته هذه الطقسة لسبب يتعلق بالأسطورة  الأوزيرية ، فطبقا لكهنة أوزير كان المعبود ( جب ) أبو ( أوزير ) هو أول من  وضع ذلك التاج على رأسه عندما تولى عرش البلاد و زادت بعض الأساطير في ذلك  الأمر و قالت بأنه تاج رع الذي أورثه لأبناءه ثم إنتقلت وراثة التاج من  جيل إلى جيل حتى وصل للمعبود ( أوزير ) ، فلما إنتقل أوزير للعالم الآخر و  تولى ملكية البلاد هناك قال أنصاره أن ( جب ) قرر توريث التاج لإبن إبنه أى  حفيده ( حورس ) مما يعني إضفاء الشرعية الدينية و السياسية على من يرتدي  ذلك التاج . فهنا نجد الملك الذي يقوم بوضع التاج على رأسه هو ملك شرعي  بوصفه حورس الذي قام بدفن أبيه أوزير و إرتدى تاج الملكية الذي ورثه من جده  ( جب ) .
4 – بما أن هذه الشعيرة إرتبطت بتتويج الملك و إضفاء  الشرعية على حكمه و تأكيد الخصوبة الزراعية للبلاد و دفن أوزير فلا غرابة  إذا علمنا أنها كانت واحدة من ضمن الشعائر الرئيسية لإحتفالات ( الحب سد ) –  العيد اليوبيلي – و إحتفالات التتويج الملكي و عيد الإله مين و طقوس تعميد  و تطهير الملك بالمياه المقدسة و لاسيما عند كل مناسبة دينية ذات أهمية (  مثل زيارة المعبد ) و هو ما يفسر لنا تكرار تصوير هذه الشعيرة في أكثر من  موضع و مكان داخل المعبد الواحد طبقا لمناسبة الإحتفال ذاتها .
5 –  تميل أغلب الآراء إلى ربط هذه الطقسة في الواقع بعملية درس الحبوب في الجرن  بعد الحصاد . و لكن يبدو من المرجح أن الأمر لا يتعلق هنا بدرس الحبوب  نظرا لأن النصوص تشير إلى أن العجول تطأ ( و لا تقوم بالدرس ) الحبوب  بحوافرها بهدف إخفاء قبر الأب أوزير عن عدوه ست . و الواضح لنا أن النصوص  هنا تتحدث عن إخفاء الحبوب ( التى ترمز لأوزير ) في باطن الأرض ( التى تمثل  رمزيا قبر أوزير ) و هذا المعنى يختلف تماما عن درس الحبوب و التى تهدف  فقط إلى فصل الحبوب عن قشورها و ليس إخفاء الحبوب في باطن الأرض
6 –  إرتبطت هذه الشعيرة أحيانا بفصل الحصاد ، حيث يقوم الملك و بعد حصاده  للنباتات بدفن السنابل أو الحبوب مرة أخرى في باطن الأرض ثم يقود العجول  للسير عليها . أما الدافع وراء غرس حبوب حصدت للتو في باطن الأرض فهو يهدف  لضمان تكرار دورة الحياة الزراعية في البلاد مرة أخرى و حقيقة الأمر أن  مناظر الطقسة تعبر بصورة رمزية بليغة عن مفهوم إعادة دورة الحياة . فإذا  تأملنا معظم تلك المناظر نجد أن الملك يقود العجول من خلال أربعة حبال ،  بحيث يلتف طرف كل حبل منها حول الجزء السفلي من الساق الأمامية لكل عجل من  العجول الأربعة بينما يمسك الملك بالطرف الآخر لتلك الحبال حيث ينتهي هذا  الطرف الأخير بعلامة الحياة ( عنخ ) .
و هكذا فإن كل حبل من هذه  الحبال يصل بين الساق الأمامية لأحد العجول و بين علامة الحياة ( عنخ )  ليعبر بذلك عن العلاقة الرمزية بينهما . فالنصف الأسفل من الساق الأمامية  للعجل يعبر في واقع الأمر عن العلامة التصويرية الهيروغليفية ( وحم ) بمعنى  ( تكرا ر  ) أو ( إعادة ) . و هذا يعني أن طرفي هذه العلاقة ( الساق  الأمامية و علامة الحياة ) يشكلان معا تعبير :  - وحم عنخ – بمعنى تكرار (  دورة ) الحياة . و طبقا لهذا المعنى فإن إعادة بعض الحبوب إلى باطن الأرض  بعد الحصاد يعني إعادة طاقة و روح و قدرة المعبود الأب أوزير إلى باطن  الأرض لضمان إعادة بقاء فاعليته المنتجة في العالم الآخر . فهو المعبود  الذي ظل حيا في عالمه الآخر يواصل فعاليته في خصوبة و إنماء النباتات من  الأرض طبقا لأسطورته .
7 – من المعروف أن إخفاء الحبوب في التربة إنما  يهدف إلى الحفاظ عليها من التلف بإعتبارها باكورة حصاد العام و تجسيدا  رمزيا لجثمان أوزير و لذلك فهي شعيرة ذات طابع أوزيري ، كانت تقام أيضا في  طقوس الإحياء الأوزيرية في جميع المعابد المصرية و عبر جميع العصور في  أواخر شهر كهيك و هو آخر شهر من فصل الفيضان و ذلك على إعتبار أن الحبوب  عندما يتم إنباتها من جديد فهي أقوى قرينة على بعث و إحياء أوزير من جديد .  حيث يعتبر ظهور النباتات الخضراء من التربة دليلا على عودة الحياة للإله  أوزير .
8 – قام المصري القديم بإختيار أربعة عجول بألوان مختلفة لكي  يعبر عن جهات الكون الأربعة و هي الجهات التي تضم عادة أعضاء جسد الإله  المتوفى أوزير المتمثلة في الحبوب . و هي التي يتم فيما بعد تجميعها خلال  طقوس إحياء أوزير .
9 – إن هذه الشعيرة يتم إجرائها على النحو التالي :  العجول الأربعة تقوم بإخفاء و حراسة قبر أوزير ( إخفاء الحبوب في باطن  الأرض ) في نهاية فصل الإنبات و بداية فصل الجفاف ( الذي يعبر عن الموت )  ثم يتم إعادة تجميع أعضاء جسد  أوزير من أجل إحيائه ( أى تجميع تلك الحبوب و  إستنباتها ) في نهاية فصل الفيضان و بداية فصل الإنبات ( الذي يعبر عن  عودة الحياة ) و كان يتم تجميع هذه الحبوب في صناديق أربعة عرفت بإسم  صناديق ( المرت ) التى تحتوي في داخلها على أعضاء ( حبوب ) الجسد الأوزيري و  لذلك إرتبط منظر صناديق ( المرت ) الأربعة التى يتم تصوير الملك أمامها  بمنظر العجول الأربعة الذي يسبق منظر الصناديق . فهذه الصناديق تعتبر رمزيا  توابيت تحتوي في داخلها على أعضاء جثمان أوزير .
يتبين لنا مما تقدم  أن تكرار دورة الحياة الزراعية يشمل شعيرتين تكملان بعضهما البعض فهما  يجمعان بين الحصاد و إخفاء و تخزين الحبوب في باطن الأرض بواسطة العجول  الأربعة ثم تجميعها مرة أخرى بواسطة الصناديق الأربعة ثم إستنباتها من جديد  في نهاية فصل الفيضان و بداية فصل الإنبات . و هنا يمكن القول أن النصوص و  المناظر ألبست تلك الأحداث ثوبا أسطوريا رمزيا حيث تعبر الحبوب خلال تلك  الطقستين المتتابعتين عن المعبود أوزير في مراحل موته ثم دفنه ثم تجميع  أعضاء جسده ثم إحيائه مرة أخرى و كل ذلك يتم تحت إشراف الملك بوصفه المسؤول  المباشر عن قوت الشعب المصري القديم كما تتم هذه الشعيرة أمام رب الخصوبة (  آمون رع – أو – مين - أو – كا موت إف - ) كمسؤول هو الآخر عن تجديد دورة  الحياة في الكون و الطبيعة
و من هنا يمكن لنا أن نستشف الحقيقة التالية : إن شعيرة ( الحوت بحسو ) – قيادة العجول الأربعة – و أى شعيرة أخرى في الحضارة المصرية القديمة إرتبطت بأهداف عملية بحتة ، فلا معنى لإقامة شعيرة دون أن يكون لها مردود مادي و نفعي على الملكية و على الشعب المصري القديم .

هناك تعليق واحد:

  1. معلش يا دكتور ياريت لو حضرتك عندك مراجع تتحدث ةعن هذه الطقسه تساعدني بيها
    ليميلي هو
    archaeologym@yahoo.com

    ردحذف