الثلاثاء، 23 يوليو 2013

لوحة الملك بي عنخي – بي



بسم الله الرحمن الرحيم 

 لوحة الملك بي عنخي – بي


مرفق بالمقال الجزء العلوي لهذه اللوحة فقط و لا يحتوي المنظر على بقية النصوص المرافقة للوحة و المشهد هنا هو عبارة عن تصوير لمفهوم إخضاع زعماء عصر اللامركزية الثالث .......................................................................................................................................................................................... يشير شاهد ( لوحة ) الملك بي عنخي ( أو الملك بي ) إلى حالة الوضع السياسي في مصر إبان نهاية عصر اللامركزية الثالث عندما كانت مصر مقسمة إلى عدد من الأقاليم و يحكم كل إقليم ملك أو زعيم و هو الوضع السياسي الذي حافظ عليه الملوك من ذوي الأصل الليبي خلال الأسرات من 22 إلى 24 . و الحال أن هذا الوضع السياسي لم يكن سببا في وجود شكوى من مفهوم ( الفوضى ) و ذلك على النقيض من عصري اللامركزية الأول و الثاني و الذي خرجت فيه مجموعة من الأدبيات السياسية و الفكرية التي تصف الإنحلال و الفوضى جراء اللامركزية في شكل السلطة آنذاك . فلا وجود لهذه الأدبيات السياسية خلال عصر اللامركزية الثالث ، بل على النقيض من ذلك نجد جميع نصوص تلك الفترة و هي تشيد بهذا النظام السياسي ( و هي نصوص ملكية مغرضة ) فما حدث في مصر خلال ذلك العصر هو أمر يدعو للإنتباه و الغرابة حقا ! فقد كانت جميع الأسر الملكية و مناطق السلطة المختلفة متعايشة سلميا مع بعضها البعض الأمر الذي يؤكد على حقيقة أن اللامركزية كانت هي نموذج منتقى عن وعي و إدراك مقصود لذاته بأهمية هذا الوضع السياسي فنحن هنا أمام حالة ( ملكيات سياسية متعددة ) إعترفت ببعضها البعض الأمر الذي يكشف عن وجود تأثير أجنبي في مفهوم الأيدولوجيا الملكية المصرية التي لا تتناسب و لا تتفق مع مفهوم اللامركزية . يمكن القول و بلا مبالغة أن شاهد الملك بي عنخي ( الملك بي ) – و هو من الملوك من ذوي الأصل النوبي خلال عصر الأسرة 25 - يعتبر أهم أنشودة لعصر اللامركزية الثالث فنص لوحته يقف مع النظام السياسي لمفهوم اللامركزية في مصر بل و يدافع عن هذا النظام ! فالملك بي عنخي ( الملك بي ) هنا يعترف بسلطة مختلف الملوك و الأمراء من ذوي الأصل الليبي و الذين أخضعهم لسلطته إلا أنه ترك لهم ألقابهم و إعترف بسلطتهم داخل أقاليمهم بل و نجده يتحدث عن حربه ضد الملك ( تاف نخت ) حاكم سايس خلال الأسرة 24 و الذي سعى لإنهاء عصر اللامركزية الثالث فتوجه لشن حملات عسكرية كبيرة ضد أقاربه من الملوك و الأمراء من ذوي الأصل الليبي حيث كان يهدف لتوحيد مصر سياسيا تحت سلطته و إنهاء حالة اللامركزية إلا أن بي عنخي ( بي ) وقف ضد و أجبره على التراجع و حافظ على اللامركزية خلال بداية الأسرة 25 . لاريب هنا أن ما نتحدث عنه هنا هو ضد التقاليد الملكية المصرية التقليدية المعهودة و إلا لما ظهر نص تلك اللوحة لكي يرسم صورة تاريخية مناهضة للصورة التقليدية و نلاحظ عند قمة اللوحة مشهد في منتهى الأهمية يحتوي على العناصر التالية – أنظر الصورة المرفقة بالمقال – 1 – يظهر الملك بي عنخي ( بي ) في وسط المشهد متوجها ناحية اليمين و يجلس خلفه المعبود آمون على العرش ( و هو هنا آمون رب جبل البرقل في النوبة العليا ) و هو ينظر بنفس الإتجاه و ترافقه المعبودة موت . 2 – يظهر أمام المنتصر النوبي الكوشي صفين من أربعة حكام ممثلين في وضع خشوع و تعبد أمام بيعنخي و يظهرون بالكوبرات الملكية بل و بصفة ( نسوت ) أي ملك و لهذا السبب تم نقش أسماؤهم في خانات ملكية و قد أمكن التعرف على إسم كل إقليم على حدة لهؤلاء الحكام من خلال متن اللوحة نفسه حيث لم تذكر هذه الأقاليم في المشهد العلوي للوحة نفسها . 3 – و كان هؤلاء الملوك كالتالي : نمرود ملك هيرموبوليس و هو ملك الأشمونين حيث يظهر في المشهد وهو يمسك بآلة السيستروم و يسحب بيده اليسرى حصانا من اللجام أما بقية الملوك الممثلين في الصف السفلي من اليمين إلى اليسار فهم : أوسركون الرابع ملك تل بسطة ( و هو الحاكم الأخير للأسرة 22 التي عاصرت و تزامنت مع الأسرتين 23 و 24 ) و الملك يوبوت و هو ملك ليونتوبوليس ( و هي تل المقدام في الدقهلية ) و هو آخر ملوك الأسرة 23 ( التي عاصرت الأسرتين 22 و 24 ) و الملك بيفجاو عوي باستت و هو ملك هيراكليوبوليس ( و هي إهناسيا المدينة ) 4 – كما نشاهد على يسار المشهد أربعة أمراء من أصول ليبية تزين رؤسهم الريشة الملازمة لهم و هم إثنان من حكام الأقاليم ( حاتيو عا ) و إثنان من ( زعماء أو رؤساء الما – المشاشا ) و يحمل أحدهم الإسم الليبي ( أكانوش ) و هو حاكم سمنود . هناك مجموعة من الحقائق الهامة التي ينبغي لنا أن نشير إليها و هي : 1 – إن جميع من تم تصويرهم من الحكام من ذوي الأصل الليبي هم قلة قليلة من مجموع حكام تلك الفترة ، ففي نص لوحة الملك بي عنخي ( بي ) تم ذكر أسماء أخرى كثيرة لحكام لم يتم تصويرهم في المشهد . 2 – هل الحكام الذين صوروا في هذا المشهد هم أقوى الحكام سياسيا في ذلك العصر و لهذا السبب قام الفنان بتصويرهم و تجاهل في ذات الوقت من هم أقل منهم مكانة ؟ أم أن من تجاهل الفنان تصويرهم كانوا فعليا من الخصوم المنافسين الذين لم يرضخوا لسلطة بي عنخي ( بي ) بصرف النظر عن ما ورد في نص لوحته من خضوع جميع الحكام له ؟ ... نلاحظ هنا أن تاف نخت ملك سايس في الأسرة 24 لم يتم تصويره على الإطلاق و هو أقوى المنافسين لبي عنخي ( بي ) 3 – جميع الحكام الذين تم تصويرهم في المشهد لم يتم إعتبارهم وفقا لسياق النص و معطيات المشهد الفنية من ( المتمردين ) و لا من ( الأعداء البائسين ) بل يظهرون بأرديتهم الرسمية و ألقابهم التي تدل على هويتهم الملكية 4 – نحن هنا و أمام ذلك المشهد الفني أمام حالة فريدة من نوعها في تاريخ الفن المصري القديم ألا و هي : تمثيل ثلاث ملوك ( من الأشمونين و تل المقدام و إهناسيا ) و هم في وضع خشوع و تقوى أمام ملك ( و هو الملك بيعنخي أو بي ) و هذا الملك يكتسب قداسة بفضل تصويره أمام آمون رع و موت . 5 – يكشف هذا المشهد عن أمر هام و هو : أن الإنسان في مصر كان يعيش في تقاويم و تواريخ زمنية متعددة ، فكان التعداد الزمني الرسمي لكل تقويم يختلف عن الآخر ، فتقويم تل بسطة يختلف عن نظيره في طيبة و تقويم طيبة يختلف عن تقويم إهناسيا ... إلخ و يرجع السبب في ذلك إلى تعدد الملكيات و الإبقاء على مفهوم اللامركزية من جانب الحكام المسيطرين على أقاليم البلاد 6 – أن عصر اللامركزية الثالث لم ينتهي بنهاية الأسرة 24 بل إمتد حتى بداية الأسرة 25 أي حتى عصر بي عنخي ( بي ) . و نستعين هنا بأهم فقرة من فقرات لوحة ذلك الملك حيث كشفت عن طبيعة الحكم السياسي لذلك العصر و ورد فيها ما يلي : " لقد وضعني آمون نباتا – آمون رب جبل البرقل في النوبة العليا – ملكا على هذا البلد و عندما أقول أنا لأحد : كن ملكا ، فيكون ، أو عندما أقول لأحد : لا تكن ملكا فلا يكون . و قد وضعني آمون طيبة ملكا على مصر و مثلما أقول أنا لأحد الأشخاص : أنت تتوج ، فهو يتوج ، أو أنت لا تتوج ، فهو لا يتوج فكل من كان تحت حمايتي لا يخاف خطر إحتلال مدينته ، فالآلهة يضعون ملكا و الناس يضعون ملكا أما أنا فهو الملك الذي وضعه آمون " تكشف هذه الفقرة عن بعض الأمور البالغة الأهمية و تتمثل فيما يلي : 1 – إتفاق كهنة آمون مع الملك بي عنخي ( بي ) على تتويجه في مدينة طيبة و تحديدا في معابد الكرنك و الإعتراف بشرعيته السياسية . 2 – يعتبر بيعنخي ( بي ) نفسه على أنه الملك الكبير بمعنى سياسي مقارب و مشابه لما كان موجود في بلاد الرافدين في ذلك العصر ، فالملك الآشوري و رغم هيمنته و سلطته على جميع البلاد إلا أنه يقوم بتعيين الملوك تحت سلطته و يقوم بتثبيت ألقابهم و جميع مميزاتهم ، فنلاحظ من ثنايا تلك الفقرة أن بي عنخي ( بي ) هو الذي يمنح الموافقة لأي فرد في مصر بالتتويج مما يؤكد على إهتمامه بالحفاظ على شكل السلطة اللامركزية خلال ذلك العصر . 3 – يسعى بي عنخي هنا للتأكيد على ملكيته المميزة عن جميع الملوك : فجميع الملوك إما هم موضوعين على العرش من جانب الآلهة أو متوجين من جانب الناس أما هو فهو المتوج وحده فقط من جانب الإله آمون . الخطاب هنا ذي طابع أيدولوجي يسعى بقوة لإقناع السامع أو القاريء بتقوى و ورع الملك التي كانت سببا في عطف ربه آمون عليه و وهبه الشرعية و تمييزه على من حوله . 4 – ظهور آمون رب طيبة في تلك الفقرة و تتويج الملك هناك في تلك المدينة المقدسة هو تبشير لعودة دولة الإله آمون في طيبة و التي كان يحكم الإله آمون بنفسه مثلما قام أنصاره بالترويج لهذه الفكرة خلال نهاية الأسرة 20 و طوال الأسرة 21 إلا أننا هنا نؤكد على أمر هام : من الآن فصاعدا ستصبح دولة الإله آمون في طيبة خاضعة عمليا لسلطة الملوك من ذوي الأصل النوبي في نباتا ( النوبة العليا ) و ليس في طيبة نفسها . و من هنا يمكن القول بأن البناء السياسي الجديد الذي وضعه بي عنخي ( بي ) لم يهدف للقضاء على البناء السياسي القديم بل على العكس كان يهدف لحمايته و تقويته و إدامته و إظهاره على أنه نظام سياسي إلهي مفروض من جانب آمون و ذلك هو ما يتضح لنا من خلال معطيات المشهد العلوي للوحة الملك و التي يظهر فيها جميع الحكام أمام الملك الكوشي المنتصر و معه آمون رع و الذي يشرف بنفسه على تأكيد هذا البناء السياسي . و كان ذلك الوضع التاريخي الذي تم وصفه في هذا المشهد الفني و الذي يمتد زمنيا من عام 730 ق.م و حتى عام 725 ق.م جاء كنتيجة لأسباب سياسية كانت تهدد بقاء النظام السياسي القديم و ذلك عندما حاول ( تاف نخت ) ملك سايس أن يعود لنظام الملكية المصرية التقليدي و المعروف و هو : حكومة ملكية مركزية تحت سيطرة سياسية لملك واحد لجميع الأقاليم . فقد تحالف تاف نخت مع بعض زعماء و ملوك الأقاليم في الشمال و أراد أن يتجه للوادي ( نحو الجنوب ) و صار يهدد فعليا ملوك إهناسيا و الأشمونين و لهذا السبب نقرأ في نص بي عنخي ( بي ) ما يلي : " لقد جاء أحدهم ليقول لجلالته : أنظر لقد جاء زعيم قبيلة من غرب الدلتا يسمى تاف نخت و إحتل غرب الدلتا بأكملها و هو يتجه حاليا نحو الجنوب بجيش كبير ..... أنظر إنه يحاصر الآن الأشمونين و لقد أحاط بها مثل الثعبان لقد طوقها من كل جانب و وضع كل رجل تحت إمرته ... و هنا يظهر نمرود في النص و هو ملك الأشمونين و هو يستغيث بالملك بي عنخي ( بي ) و يقول له : إني تحت ضغط كبير و لقد تخلى عني أنصاري " ينبغي لنا هنا أن نثير بعض الملاحظات و التساؤلات الهامة و تتمثل فيما يلي : 1 – هل قام الملك تاف نخت فعليا بمحاولة توحيد البلاد مثلما ورد في نص لوحة الملك بي عنخي ( بي ) ؟ 2 – هل تمكن الملك بي عنخي من إخضاع جميع حكام و ملوك و زعماء الأقاليم المصرية لسلطته كما يذكر في النص و كما صور بعضهم في مشهد الجزء العلوي للوحة بطريقة و شكل فني توحي بسيطرته على الجميع ؟ 3 – إذا كان الأمر كذلك ، فلماذا لم تظهر آثار الملك بي عنخي ( بي ) في أي إقليم شمالي حتى الآن ؟ هل كانت سيطرته كلية أم مجرد سيطرة جزئية على بعض المناطق في مصر ؟ و بعد ذلك يتناول النص فكرة إرسال الملك بي عنخي ( بي ) الجيش من النوبة العليا إلى مصر ثم يؤكد على سيطرته الفعلية على مصر العليا و هو الأمر الذي تشهد عليه الآثار ثم يتحدث النص عن مجموعة التعاليم و الإرشادات الهامة التي يوجهها الملك بي عنخي ( بي ) لقائد جيشه و هي : 1 – عدم القيام بعمليات عسكرية خلال الليل و إنما في النهار فقط 2 – لا تقوم أي معركة إلا بالإتفاق مع الخصم حول المكان و الزمان 3 – إذا إحتاج العدو إلى إمدادات إضافية ينبغي تلبية طلبه و يجب على جيش بي عنخي ( بي ) أن يتوقف عن القتال حتى تصل هذه الإمدادات ثم يتم إستئناف القتال و هنا لا يمكن أن نتغاضى عن الدلالات الأيدولوجية في خطاب بي عنخي ( بي ) و تتمثل في الإعتبارات التالية : 1 – يسعى بي عنخي ( بي ) لتصوير نفسه في مظهر الواثق تمام الثقة في إنتصاره على خصومه بفضل مؤازرة آمون رع له و أن الحرب ينبغي لها أن تسير على معايير و أسس العدل الإلهي الذي وضعه آمون و هو بهذا المعنى يريد أن يقول أنه يخوض حربا دينية مقدسة أما عن نتيجتها فهي محسومة سلفا لصالحه . 2 – لا يتحدث هذا النص عن أي خدعة إستراتيجية عسكرية تم الإعداد لها مسبقا من أجل هزيمة العدو و ذلك على النقيض من نص الملك تحتمس الثالث الذي تحدث فيه عن خدعته الإستراتيجية الماكرة في معركة مجدو أما هنا فلا حديث و لا إشارة عن حكمة الملك أو شجاعته أو تخطيطه العسكري البارع بل يتركز الحديث عن شيء واحد فقط تمثل في العبارة التالية التي وردت في النص و التي يقول فيها بي عنخي لقائد جيشه : " إترك العدو ينظم صفوف قتاله و عندما يكون مستعدا فلتهاجمه و عندها سيعرف أن الإله آمون رع هو الذي أرسلنا و أن النصر حليفنا " 3 – يظهر جميع خصوم بي عنخي ( بي ) في النص بوصفهم جاهلين بآمون رع على النقيض من ذلك يظهر هو بمظهر الورع و التقي لهذا المعبود بل و يضفي على نفسه صفات البر و الإحسان و الرحمة تجاه العدو لأن آمون يطلب منه كل ذلك و من هنا يستحق شرعية الحكم كملك أكبر له هيمنة على ملوك آخرين خاضعين لسلطته فخطاب بي عنخي ( بي ) هنا لا يسعى لإظهار الملك بوصفه الفاتح و المحرر لمصر من الملوك من ذوي الأصل الليبي و إنما يهدف لإضفاء الشرعية الدينية على حكمه السياسي . ثم نجد بي عنخي ( بي ) و هو يواصل خطبته الإرشادية لجنوده عن قواعد الحرب و يتحدث عن ما يجب أن يفعله الجيش عندما يدخل مدينة طيبة فتظهر طيبة في النص بوصف أدبي بليغ و تظهر على أنها أعظم مدينة مقدسة في العالم و يجب الحفاظ على سلامتها بأي ثمن فينبغي للجيش أن يلقي السلاح و يقوم جميع الجنود بتطهير أنفسهم في بحيرة الكرنك ثم يرتدون جميعهم ملابس الكهنة الكتانية و لذلك نجده يقول في نص لوحته : " ليس هناك معنى للقوة العسكرية أمام آمون فليس لبطل أن يملك القوة بدونه فهو يجعل الضعيف قويا بحيث يهرب الكثيرون أمام القلة و ينتصر فرد واحد على الآلاف من أعدائه " مرة أخرى نجد أنفسنا أمام أيدولوجيا سياسية و دينية جديدة في ذلك العصر و تتمثل في إبراز أمرين هامين و هما : 1 – لأول مرة يظهر في نص في الحضارة المصرية القديمة مفهوم تطهر الجيش بالكامل – بصرف النظر عن مدى مصداقية هذا الكلام – في بحيرة المعبد و على نفس طريقة الكهنة بل و يرتدي جميع الجنود ملابس الكهنة كي يدخلون المعبد مما يؤكد أن قداسة الحرب التي يخوضها بي عنخي ( بي ) لن تكتمل إلا عندما يظهر جميع جنوده بنفس صفاته المتمثلة في الورع و التقوى و ذلك هو الأمر الجديد و الذي لم نشهده قبل عصر ذلك الملك على الإطلاق . 2 – يسعى كاتب النص للتأكيد على تمصير الملك ذي الأصل النوبي قلبا و قالبا و إعلان إعتناقه التام لمظاهر الديانة المصرية القديمة و ذلك على النقيض من جميع ملوك الأسرات 22 و 23 و 24 الذين كان تمصرهم شكليا أو جزئيا و بمعنى آخر هو تمصر غير مقنع فلم يفعل أي ملك منهم ما فعله بي عنخي ( بي ) تجاه المعبود آمون رع . لقد سار الجيش المرسل من جانب بي عنخي ( بي ) عبر طيبة إلى هيراكليوبوليس ( إهناسيا ) و إصطدم هناك بتحالف لثلاثة ملوك و خمس زعماء من الما ( مشاشا ) و جميعهم من ذوي الأصل الليبي و وفقا لما ورد في النص أنهم كانوا متحالفين مع تاف نخت ملك سايس في غرب الدلتا و دار قتال على جبهتين و إنهزم جيش التحالف و إنسحب إلى مصر السفلى بينما قام نمرود ملك هيرموبوليس الذي ظهر في المشهد العلوي للوحة بي عنخي ( بي ) بالذهاب إلى مدينته هرموبوليس ( الأشمونين ) و هنا يجب أن نشير إلى أمر هام و هو : لم يدرك كاتب النص التناقض الذي وقع فيه ، فهنا تظهر مدن إهناسيا و الأشمونين متحالفة مع تاف نخت ملك سايس في غرب الدلتا و لا يمكن أن نتصور وجود مثل هذا التحالف إذا كان تاف نخت أراد أن يجردهم من سلطاتهم من أجل توحيد البلاد بأكملها تحت سلطته كما ورد في بداية النص الأمر الذي يكشف عن عدم وجود نية لتاف نخت لإخضاع بقية الأقاليم لحكمه و هو ما يناهض تماما الفكرة التي تقدم بها كاتب النص حول سبب حروب بي عنخي ضد تاف نخت الذي أراد أن يعيد النظام الملكي المصري القديم و هو نظام السلطة المركزية . و عندما سمع بي عنخي ( بي ) عن إخفاق جيشه في حسم المعركة لصالحهم فظلت الأشمونين محاصرة من قبل جيشه و لكن أن يقتحموها ، غضب الملك كثيرا و قرر أن يترك مقره في نباتا و يتجه هو بنفسه إلى مصر إلا أنه توجه أولا إلى طيبة ليحتف بعيد الأوبت العظيم الذي إستغرق ثلاثة أسابيع في عهده و هنا ندرك أيضا دلالة أيدولوجية دينية و سياسية خطيرة تتمثل فيما يلي : أن الملك عندما يقرر بنفسه الذهاب إلى مصر لكي يحسم المعركة لصالحه يتوافق ذلك مع الإحتفال بعيد آمون في الأوبت لكي يبدو الأمر كما لو كان صدفة إلا أن توجه الملك في هذا التوقيت بالذات لمدينة طيبة يكشف عن مناسبة تتويجه هناك و من خلال فعاليات و طقوس ذلك العيد و بصرف النظر عن مدى مصداقية ما سيقوم بسرده فيما يتعلق بمعركته ضد خصومه . بعد إنتهاء الإحتفالات في طيبة وصل بي عنخي ( بي ) بنفسه إلى هرموبوليس المحاصرة من جانب جيشه فألقى خطبة على جيشه لكي يؤنب فيها جميع الجنود فلو كانوا مؤمنين حقا بربهم آمون لتمكنوا من حسم المعركة لصالحهم و بشكل سريع و أخيرا يستسلم الملك نمرود ملك هرموبوليس الذي أرسل زوجته لكي تعلن إستسلامه – و هذا هو ما يفسر لنا ظهورها أمام زوجها في المشهد العلوي للوحة الملك بي عنخي ( بي ) – أنظر الصورة المرفقة بالمقال – و هنا يظهر الملك بي عنخي و هو يصادر أمواله و ممتلكاته ، ثم يتجه لتقديم قربان الشكر إلى الإله جحوتي رب الأشمونين إلا أن بي عنخي ( بي ) يغضب غضبا شديدا هذه المرة عندما قام بتفتيش إسطبل الخيول في الأشمونين فوجدها و قد ماتت من الجوع بسبب حصاره للمدينة و التساؤل هنا : كيف يقرأ بي عنخي ( بي ) هذا الحدث ؟ ......... هنا نجده يقول : " بحياتي و بحب رع لي إن موت هذه الخيول هو أسوأ عمل لي من كل الجرائم الأخرى ..... ثم يستغل هذا الحادث لكي يعلن عن رسالته الإلهية فيقول و هو يوجه خطابه لنمرود ملك الأشمونين : ألم تعلم أني في ظل آمون لا يمكن أن أخسر معركة فسببك حاصرت مدينتك و ماتت هذه الخيول فأنا الذي أنجبني الإله من الحب و قد كنت في بيضة الإله منذ الزمن الأزلي و في أعماقي تكمن بذرة الإله فأنا لا أعمل شيئا دون إرادته فهو الذي يأمرني بما أعمل " يمكن لنا هنا أن ندرك نتائج بالغة الأهمية تتمثل فيما يلي : 1 – يظهر الملك و لأول مرة في عصر اللامركزية الثالث و هو يقر و يعترف بذنبه و تلك فكرة جديدة لم نشهدها من قبل في النصوص الملكية المصرية . إن بداية الإقرار بفكرة الذنب في النص هو الموجه الأول لظهور الإرهاصات الأولى لمفهوم كتابة التاريخ في مصر ، فالتاريخ لا يفصح عن نفسه إلا عند الإعتراف بالذنب و في ثنايا هذه الفكرة تظهر الحقيقة التاريخية دون خجل 2 – إن مغزى ما ورد هنا يتمثل في تحديد خطأ نمرود ملك الأشمونين الذي لم يدرك هو الآخر عواقب الحصار الذي تسبب في موت الخيول فيظهر نمرود في النص بأنه يعلم تماما أن بي عنخي ( بي ) هو ملك مرسل من قبل الإله آمون فكيف يجرؤ على الوقوف ضده ؟ 3 – ندرك هنا أن الملوك من ذوي الأصل النوبي كانوا يقدسونالخيول و لذلك فهم كانوا يدفنون مع خيولهم المفضلة في مقابرهم و هي عادة نوبية محلية صميمة الأمر الذي يلقي ظلالا من الشك حول مفهوم التمصر الكامل للملوك النوبيين . ثم يمضي النص بعد ذلك في إبراز كيفية إستيلاء بي عنخي على كل مدينة على النحو التالي : 1 – تبدأ كل مدينة في غلق أبوابها أمام بي عنخي و جيشه 2 – تتعرض كل مدينة لحصار من جانب جيش بي عنخي لفترة زمنية معينة 3 – تسقط كل مدينة بعد الحصار في يد الملك الكوشي و الذي يظهر دائما كمنتصر 4 – يظهر الملك في جميع الحالات و بعد إنتصاره على خصومه كملك رحيم و عطوف و لا يؤذي أحدا من خصومه بل و يقوم بنفسه بتقديم قربان الشكر لآلهة المدن المغلوبة فيظهر أمامها بمظهر الملك الورع و التقي 5 – يكتفي الملك الكوشي بمصادرة ممتلكات و ثروات كل مدينة لكي يرسلها لمعابد آمون في طيبة و تحت تصرف و سلطة كهنة آمون لإحياء المفهوم القديم الخاص بدولة الإله في طيبة و التي يحكم فيها آمون بنفسه 6 – تأكيد الملك الكوشي على التبعية السياسية لدولة الإله آمون في طيبة لمقر الملك الكوشي في نباتا في النوبة العليا ثم يتقدم الملك بعد ذلك ناحية منف إلا أنه هناك يفاجأ بمفاجأة سيئة ، فتظهر منف في النص و هي تبدي مقاومة تجاه الملك و جيشه و يظهر أن المحرض الرئيسي لهذه المقاومة هو الخصم اللدود تاف نخت ملك سايس الذي يلقي هو الآخر خطبة على أهل منف لكي يشجعهم على مقاومة الحصار فيبدو النص هنا و قد تم تنظيمه على النحو التالي : 1 – إنذار الملك بي عنخي ( بي ) لمنف و أهلها . 2 – خطبة تاف نخت على أهل منف . 3 – المداولات و المشاورات العسكرية بين بي عنخي و جيشه حول إستراتيجية الحصار 4 – ظهور بي عنخي غاضبا بسبب خطبة تاف نخت على أهل منف فيشير إلى أوامر ربه آمون و يقول : " أريد أن أستولي على منف مثل المطر الذي ينهمر على مدينة " 5 – خطاب تشجيعي لبي عنخي تجاه جنوده أما عن أحداث القتال فيكتفي النص بذكرها بصورة عارضة فقد تمكن جيش بي عنخي ( بي ) من الإستيلاء على السفن التي كانت ترسو عند ميناء المدينة دون عناء ثم قتل جيش الملك عدد كبير من الناس و أحضروا العديد من الأسرى و هنا نجد أنفسنا أمام هذه الحقائق الهامة و هي : 1 – يقر و يعترف كاتب النص أن أهل منف لم يقتنعوا بخطاب بي عنخي ( بي ) الذي نظروا إليه بوصفه غازيا لمدينتهم مما إضطر جيشه لقتل و أسر العديد من الأفراد في سبيل السيطر عليها . 2 – أن القيم الثقافية في مصر لم تكن واحدة خلال عصر اللامركزية الثالث فخطاب الملك بي عنخي ( بي ) بوصفه الملك الورع التقي العطوف الرحيم المرسل من جانب آمون لم يكن ملزما لأهل الشمال الذين لم يفهموا هذا الكلام نظرا لإختلافهم الثقافي عن الجنوب و ربما كان السبب في تفاقم حدة الأنماط الثقافية في ذلك العصر هو اللامركزية السياسية التي بدأت من الأسرة 21 و أفضت إلى إنفصال ثقافي لكل مدينة عن الأخرى . 3 – برغم ما حدث يتجه الملك بي عنخي إلى بتاح منف لتقديم قربان الشكر له لكي يظهر لشعب منف أنه لا عداء بينه و بينهم و أنه يؤمن بربهم . إن الجزء الأخير لهذا النص هو عبارة عن تقرير مبايعة لأمراء الدلتا الذين يظهرون كمستسلمين و يعترفون جميعهم بسلطة الملك بي عنخي ( بي ) بل و يظهر الخصم اللدود تاف نخت في نهاية المطاف و هو يعرض السلام على الملك الكوشي و بهذا الشكل يظهر بي عنخي ( بي ) و قد نجح في تنفيذ إرادة ربه آمون فقام بنشر السلام بين الجميع و هو الهدف النهائي لكاتب النص . و ينتهي النص بزيارة مفترضة قام بها أربع ملوك و هم الذين تم تصويرهم في المشهد العلوي للوحة الملك بي عنخي ( بي ) – أنظر المنظر المرافق للمقال – ثم يصف النص أن الملك لم يسمح ثلاثة منهم بالدخول عليه و كان عليهم أن ينتظروا في الخارج أما نمرود ملك الأشمونين فهو الإستثناء الوحيد الذي سمح له الملك بتقديم نفسه و الدخول عليه و السبب في ذلك أن هؤلاء الملوك الثلاث كانوا من آكلي السمك رمز عدم الطهارة في ذلك العصر فضلا عن أنهم لك يكونوا مختونين فهنا تبرز مسألة الطهارة الملكية الدينية بشكل قوي . و هنا تكمن رسالة الملك الكوشي و هي : ظهور الملك أمام ملوك الدلتا المستسلمين ليس فقط كملك شرعي بل و كملك طاهر بالمعنى الكهنوتي بألف و لام العهد فنحن هنا أمام ملك طاهر و عادل و رحيم و عطوف و تقي و ورع و مدرك لفعالية لطقوس و أهمية القرابين . كما ندرك مرة أخرى أن أحكام الطهارة الكهنوتية كانت سارية بالفعل من النوبة في الجنوب و حتى الأشمونين في مصر الوسطى أما ما يقع شمال الأشمونين فلم يكن ملتزم ثقافيا بهذه التعاليم الكهنوتية الرسمية التي من المرجح أنها كانت من إملاء كهنة آمون في طيبة و ما يؤكد ذلك هو تطهر جيش الملك الكوشي مثلما ورد في النص في بحيرة الكرنك . و ينبغي لنا هنا أن توقف قليلا عند نص لوحة الملك الكوشي لكي نشير إلى حقيقة هامة ألا و هي : إن حجم نص بي عنخي ( بي ) هو ضعف حجم نص معركة قادش بل و يمكن القول أنه أكبر نص معروف في الحضارة المصرية القديمة على الإطلاق ، فهذا النص لا يظهر على أنه تقرير ملكي تقليدي و إنما أراد صاحبه أن يظهره كما لو كان كتاب أدبي و بالرغم من أن النص يظهر في شاهد أو لوحة كبرى و بالرغم من أن الملك الكوشي قد وقع على هذا النص و وصفه بالمرسوم ، إلا أن ما يلوح في مخيلة كاتب النص أنه كتاب أدبي بل و نجد أن جميع ما تم كتابته قد تمت صياغته على هيئة قصائد و أشعار غنائية يتم ترتيلها في مناسبات بعينها و لذا فنحن نشعر بوجود هذا الطابع الشعري الغنائي في نص الملك الكوشي عندما يفتتح النص قائلا : " هو أمر قد نطق به جلالته : إسمعوا ! أنا عملت إنجازات تفوقت على ما قام به أسلافي ..... أنا الملك الذي هو الصورة الحية لآتوم .... لقد كنت ملكا منذ أن كنت في البيضة .... أنا إبن رع .... أنا بي عنخي ( بي ) " إن الملك الكوشي هنا يظهر على شكل الملك الإله التقليدي الذي يجسد الهوية الأزلية لآتوم و لكنه يؤكد كذلك على قائد حرب رحيم و عطوف و أنه كاهن بالمعنى الفعلي للكلمة و أنه بسبب تقواه و ورعه و قوة عزمه و إيمانه بآمون أصبح تحت بركة الإله نفسه و هو بهذا الشكل يقوم بتثبيت ألوهيته التي إستحقها بسبب أعماله . تظهر عظمة هذا النص في طبيعته الأدبية التي تحتوي على تعبيرات لغوية بليغة و بصرف النظر عن المحتوى الدعائي المغرض لصاحبه ، إلا أن أهم ما يميزه هو إدراك صاحبه بأنه يستدعي الذاكرة الحضارية لمصر فهو يعطي لنفسه شرعية الحكم من خلال معايير ثقافة مصرية كانت ترى هذه الشرعية إما في شكل الملك الكاهن المتدين التقي الورع العادل أو في شكل الملك المنتصر عسكريا فبي عنخي هنا يجمع في شخصه كملك بين القائد الديني و القائد العسكري فضلا عن تأكيده بإمتهانه وظيفة الكاهن بإقتدار و مهارة فهو يعرف كيف يقيم الشعائر جيدا لجميع المعبودات و يفتخر بممارسته لهذه الطقوس . إن ملحمة الملك الكوشي لا تحدثنا فقط عن إجراءات سياسية و دينية إنما تضع هذه الإجراءات لكي يتم تنفيذها من جانب الملوك الذين سيأتون بعده ليحكمون هذا البلد فالملحمة تظهر بمثابة القانون الملزم و تلك هي الأهمية الحقيقية لهذا النص

نقد و تحليل قصة خوفو و الساحر جدي في بردية وستكار


بسم الله الرحمن الرحيم 

نقد و تحليل قصة خوفو و الساحر جدي في بردية وستكار


تحتوي بردية وستكار على مجموعة من القصص -
وفقا لرأي بعض العلماء – مجمعة بشكل عشوائي للتسلية و قد شوبه القصص الأدبي فيها
بقصص ألف ليلة و ليلة و جلسات السمر العربي . يرجع نص هذه البردية إلى نهاية عصر
اللامركزية الثاني و تحديدا الأسرة 17 و لكن هناك من يرى أن لغة النص تكشف عن وجود
كتابة كلاسيكية تنتمي لعصر الدولة الوسطى و بذلك تعتبر البردية في هذه الحالة قد
نسخت مرة أخرى من نسخة أقدم زمنيا . تتناول هذه البردية مجموعة من القصص التي
رواها أبناء الملك خوفو للملك نفسه بناءا على طلبه حيث أراد أن يقضي وقتا للتسلية
فنادى على أبنائه لكي يحكي كل واحد منهم أمامه قصة حدثت في عصر ملك من الأسلاف . و
كانت محور القصص كلها تتجه ناحية شخصية غير ملكية تتجه لقص واقعة ما لملك من الذين
حكموا مصر في السابق فعلى سبيل المثال نجد رئيس الكهنة المرتلين ( شخصية غير ملكية
) في عصر الملك نب كا ( من ملوك الأسرة الثالثة ) و هو يحكي له ما حدث في عهده حيث
قامت زوجة رئيس الكهنة المرتلين بخيانة خادم زوجها مع أحد حراس أو خدم القصر فحكى
له ذلك الكاهن كيف تمكن من تحويل تمساح من الشمع إلى تمساح حقيقي و بفضل التعاويذ
السحرية التي قام الكاهن بترتيلها أمسك التمساح بالخائن و إفترسه في بحيرة القصر
كما أمر الملك نب كا بحرق الزوجة الخائنة . في واقع الأمر أننا هنا نستشف وجود
قدرة عجائبية سحرية خارقة للكاهن المرتل أراد كاتب النص أن يؤكد عليها و ينقلها
للسامع . إن ما يهمنا في بردية وستكار هو القصة الأخيرة التي من المفترض أنها حدثت
في عصر الملك خوفو نفسه و هي قصة تنسب لكاهن مرتل آخر وصفته البردية بأنه واحد من
عامة الشعب و يفترض أنها تتم في حضور الملوك خوفو الذي سمع عن شخص أو كاهن مرتل
يدعى ( جدي ) له القدرة على الإتيان بالخوارق و الإطلاع على المستقبل و أنه قد
إستطاع بفضل قدرته السحرية أن يصل أو يربط مرة أخرى رقبة أوزة مقطوعة و هنا أراد
الملك خوفو أن أن يقوم الساحر – الكاهن المرتل جدي – بعمل نفس التجربة و لكن على
أسير إلا أن الكاهن هنا يرد على الملك طلبه و رفض أن ينفذ أعماله على البشر . 
يتجه النص بعد ذلك إلى أهم نقطة محورية و هي
سؤال الملك خوفو للساحر – الكاهن المرتل جدي – عن عدد الحجرات المقدسة في مقبرة
الإله جحوتي حيث قضى الملك وقتا طويلا لمعرفة هذا السر إلا أنه لم يفلح في الوصول
إليه أما عن السبب الفعلي لإهتمام الملك بذلك الأمر هو سعيه نحو بناء مقبرته
الملكية على نفس طراز معبد الإله جحوتي . و هنا إعتذر الساحر جدي عن تلبية طلب الملك
و أخبره بأن معرفة هذا السر لن تتحقق إلا من خلال 3 ملوك سيحكمون مصر في المستقبل
حيث ستلدهم زوجة كبير كهنة الشمس و تدعى ( رود جدت ) - بمعنى وردية الخدين – في
منطقة ساخابو و حيث سيختارها إله الشمس رع بنفسه حتى يضع بذرته المقدسة في رحمها و
من هنا يصبح هؤلاء الملوك منحدرين من صلب إله الشمس رع مباشرة . أثار هذا الأمر
أحزان الملك نفسه فيطمئنه جدي بأن ذلك لن يحدث إلا بعد أن يتولى إبنه و حفيده عرش
البلاد ثم سيأتي واحد أبناء رب الشمس رع لكي يتولى مقاليد الأمور في البلاد . لعل
التساؤل الذي يطرح نفسه في هذا الصدد : ما هو الهدف من قصة خوفو و الساحر جدي في
بردية وستكار ؟
 هناك
مجموعة من الحقائق تحول دون التسليم على الإطلاق بمضمون قصة الملك خوفو مع الساحر –
الكاهن المرتل جدي – تتمثل فيما يلي : 
1 – من الصعب جدا إثبات وجود معبد للإله
جحوتي يتشابه تخطيطيا مع التخطيط المعماري لهرم الملك خوفو و ما يحتويه من ممرات و
غرف داخلية لا في عصر الأسرة الرابعة و لا في عصر أي أسرة ملكية في الحضارة
المصرية القديمة فلا يوجد أي تخطيط لمعابد المعبود جحوتي تتشابه مع تخطيط المقبرة
الملكية لخوفو . 
2 – يظهر خوفو في القصة و هو محاط بأبنائه
الذي يحكي كل واحد منهم قصة له أي أنه متقدم في السن بل ويظهر و أنه لم يكن قد بدأ
في بناء مقبرته الملكية رغم تقدمه في السن و هو أمر لا يتفق مع معطيات الآثار حيث
أنه من المفترض أن لا يضيع أي ملك في عصر الدولة القديمة وقتا كثيرا بعد صعوده على
العرش لبناء مقبرته الملكية .
3 – لماذا ينبغي أن يكون معبد الإله جحوتي في
مدينة هليوبوليس ؟ مثلما ورد في نص البردية و كيف تمكن الساحر جدي نفسه من معرفة
أمر هذا المعبد على الرغم من أنه يقيم في مدينة ( جد سنفرو في ميدوم ) التي تبتعد
عن المعبد نفسه بحوالي 80 كم ؟ ... إن البردية هنا لا تعطي أي تفسير . 
4 – جميع أسماء الكهنة المرتلين – السحرة –
الذين ورد ذكرهم في بردية وستكار لم تكن أسماء معروفة أو شائعة خلال عصر الدولة
القديمة فأسماء مثل ( جدي ) و ( جاجا إم عنخ الذي يظهر في نص البردية في عصر الملك
سنفرو ) هي ليست من نتاج الدولة القديمة بل هي تلفيق متأخر زمنيا على شخصيات لم
يثبت وجودها حتى الآن من آثار الدولة القديمة . 
5 – ورود إسم زوجة كبير كهنة الشمس بأنها رود
جدت ( وردية الخدين ) و أنها ليست من دم ملكي و رغم ذلك سيصبح أبنائها هم من
سيتلون عرش البلاد أمر يتناقض بشكل واضح مع قواعد وراثة العرش خلال عصر الدولة
القديمة و لاسيما أن الأب نفسه – كبير كهنة الشمس – أوسر رع لا ينتمي للبيت المالك
وفقا لما ورد في نص البردية و هو ما يتناقض مرة أخرى مع ما نعرفه بأن منصب كبير
كهنة الشمس كان حكرا على أبناء الملوك حتى نهاية الأسرة الرابعة و من هنا لا يمكن
أن يتفق النص حول ذلك الأمر مع الحقائق الأثرية المعروفة . 
6 – لا يمكن أن تكون الأميرة الملكية
المعروفة بإسم ( خنت كاووس ) و التي ظهرت في نهاية الأسرة الرابعة و بداية الأسرة
الخامسة هي نفسها رود جدت التي ورد ذكرها في بردية وستكار كما تصور البعض لسبب أن
خنت كاووس كانت بنت ملك و زوجة ملك ( بنت خع إف رع ) و زوجة ( منكاوورع ) بينما
تظهر رود جدت في النص على أنها لا تنحدر من البيت المالك على الإطلاق فضلا عن عدم
وجود أي ذكر لإسم رود جدت على آثار الدولة القديمة . 
7 – يظهر في نص البردية أن الأبناء الذين
سيحكمون مصر مع بداية الأسرة الخامسة ينحدرون من أم واحدة و هم أوسر كاف و ساحورع
و نفرإير كارع أي أنهم جميعهم إخوة و ذلك أيضا لا تناسب مع معطيات الآثار و لاسيما
بعد أن كشفت حفائر دكتور طارق العوضي في أبوصير عن أن أوسر كاف و هو أول ملوك
الأسرة الخامسة كان أخا لشبسس كاف آخر ملوك الأسرة الرابعة – أنظر مقال سابق
للدارس بعنوان الفترة الإنتقالية ما بين نهاية الأسرة الرابعة و بداية الأسرة
الخامسة – أي أن ملوك  الأسرة الخامسة
ينحدرون من العائلة الملكية التي سبقتهم في الأسرة الرابعة و هو ما يهدم الفكرة
الأساسية لنص البردية . 
8 – أخبر الساحر جدي الملك خوفو عن أن إبنه و
حفيده سيحكمان البلاد ثم سيأتي أول ملوك الأسرة الخامسة و يتولى عرش البلاد و ذلك
الأمر و لاشك يتناقض تماما مع هو معروف من خلال الآثار بأن بعد حكم خوفو تولى حكم
البلاد أربع ملوك و  هم جد إف رع و خع إف
رع و منكاوورع و شبسسكاف و ليس ملكان فقط كما يقول نص البردية فضلا عن أن جدف رع و
خع إف رع اللذين صعدا على العرش كانا أخوين و لم تكن العلاقة بينهما علاقة أبوة و
بنوة كما يظهر في النص .
و لكي نتمكن من إرجاع النص لزمن محدد ينبغي
لنا أن نعمل على تفكيك و تحليل عناصره و معطياته حتى نستطيع إرجاع هذه المعطيات
لعصر دون الآخر و لذا فيمكن طرح أهم أفكار و مفاهيم النص فيما يلي : 
1 – أن مضمون النص هنا يسعى للتأكيد على
مفهوم هام و هو : أن الملكية ينبغي لها أن تنحدر من أصل أو منشأ إلهي ، فالملك
خوفو و أبنائه الذين سيحكمون من بعده لا ينحدرون من رب الشمس رع كما يبدو من ثنايا
النص أما أوائل ملوك الأسرة الخامسة فهم من صلبه و رغم أن إشارات هذه الفكرة و
إرهاصاتها الأولى تظهر في عصر الدولة القديمة إلا أنها كانت بارزة و بقوة خلال عصر
الدولة الوسطى بالتحديد حيث نادى أدب الدولة الوسطى بأن الملك ليس من الضروري أن
يكون منحدر من دم ملكي و هو ما إتضح لدينا في تنبؤات نفرتي في الدولة الوسطى بل هو
ملك إصطفاه و إختاره رب الشمس رع من بين ملايين الناس و هو ما يتفق و مضمون بردية
وستكار . 
2 – التأكيد على نفاذ مشيئة و قدر إله الشمس
رع و أنه لاراد لمشيئته أحد من البشر مهما كانت منزلته و أن رغبة الإله في نهاية
المطاف هي التي ستتحقق و سيصعد على العرش هؤلاء الملوك الذين ينحدرون من صلبه و أن
أي عقبة من شأنها أن تعطل الرغبة الإلهية ، فسوف يتغلب القدر عليها و ذلك هو ما
إتضح فعليا في نص وستكار عندما أرادت خادمة الأميرة رود جدت أن تفشي سر سيدتها لدى
أخيها الذي قام بتوبيخها بشدة ثم إتجهت بعد ذلك نحو النهر فافترسها تمساح أي أنها
عوقبت و هنا ندرك أن نفاذ الرغبة و المشيئة الإلهية كانت من المفاهيم الطاغية في
أدب الدولة الوسطى و هو ما يتفق مع محتوى هذه الفكرة في النص . 
3 – يظهر ملوك الأسرة الخامسة في بردية
وستكار و هم أسياد البلد فضلا عن وصفهم بأوصياء الإله المعينين من جانبه لكي
يقيموا الماعت و يشيدون المعابد و يقيمون الإحتفالات للآلهة و يجعلون موائد
القرابين مليئة بالطعام و الشراب و أن الملوك هنا ليسوا سوى أوصياء رع الذين يحكمون
بإرادته هذا العالم بوصفهم ممثلين له و عندما نلقي نظرة على عصر الدولة القديمة
سنجد أن الملك كان نموذجا لتجسيد الإله على الأرض كما أنه في نفس الوقت يعتبر إبنا
للإله الأكبر رع إلا أنه لم يعتبر على الإطلاق وصيا مختارا من جانب الإله فطبقا
لنموذج وستكار لا يتجسد الإله الأعلى في الملك كما كان في عصر الدولة القديمة و
إنما يتم خلقه بواسطة إمرأة يختارها رع بنفسه مما يشير فعليا لأفكار و مفاهيم
الملكية في عصر الدولة الوسطى حيث تغير شكل السلطة هنا عن ملكية الدولة القديمة . 
4 – عندما صعد ملوك الأسرة 12 على العرش جعلوا
من أنفسهم ملوكا مختارين من إله الشمس رع الذي أرسلهم للبلاد و وضع فيهم بذرتهم و
تحولت كل أم ملكية  في الدولة الوسطى لكي
تصبح زوجة رع ثم ربطوا أنفسهم و شرعيتهم بملوك الأسرة الخامسة معتبرينهم من أفضل
النماذج الملكية التي يستمدون منها الشرعية على إعتبار أن ملوك الأسرة الخامسة هم
أول من قاموا ببناء معابد شمسية و أقاموا أعياد و إحتفالات دينية متعددة في تلك
المعابد و قاموا بفصلهم من حيث الدم و النسب عن ملوك الأسرة الرابعة و لذلك فإن
هذه الفكرة السابقة نجد أنها تصلح للتطبيق على عصر الدولة الوسطى أكثر من الدولة
القديمة .
لاريب أن هناك مفاهيم و معطيات حضارية تكشف
عن عقلية المصري القديم من خلال قصة خوفو و الساحر جدي تتمثل فيما يلي : 
1 – إرتفاع مكانة الكاهن المرتل في الحضارة
المصرية القديمة بوصفه ساحرا قادرا على الإتيان بالخوارق فهو يبدو من ثنايا القصة
أنه قادر على إحياء الموتى و ذلك على النقيض من الملك الذي لا يمتلك نفس قدرته . 
2 – يظهر الكاهن المرتل في النص بوصفه واحدا
من عامة الشعب على الرغم من أن هذه الوظيفة كانت تابعة للدولة و السلطة الملكية
الأمر الذي يطرح إحتمالية إقتراب و إحتكاك الكاهن المرتل بالطبقات الشعبية في مصر
القديمة و مدى إشتهاره بينهم بقدرته السحرية على صنع المعجزات فهو يستطيع أن يعيد
رأس أوزة مفصولة و يستطيع أن يقيم ميتا من عالم الأموات و هو ما يجعل هذه البردية
ذات توجه شعبي في المقام الأول .  
3 – رؤية الشعب المصري القديم لشخص الملك
الحاكم ، فهو ( خوفو ) يجلس في قصره لا يجد ما لا يفعله و يشعر بالملل مثله مثل أي
فرد و يحتاج لأبنائه لكي يحكي كلا منهم حكاية له حتى يسلي نفسه و هي مواصفات
تتناقض تماما مع الرؤية الرسمية الملكية لذاتها سواء في معابد الدولة أو في نصوص
السير الذاتية لكبار الأفراد و هو ما يجعلنا نؤكد بأن ما ورد في وستكار كان رؤية
شعبية خاصة للملكية
4 – لم تكن صورة خوفو في المخيال الشعبي
إيجابية فهو يظهر كملك غير مبال بالقيمة الإنسانية فيأمر الساحر جدي بقطع رأس أسير
و يرفض الساحر طلبه فضلا عن ذلك يتنبأ الساحر بزوال ملكه من عائلته و إنتقال السلطة
لعائلة أخرى يختارها رب الشمس بنفسه و لا شأن بما ورد هنا في سياق النص بالحقيقة
التاريخية ، فالمخيال الشعبي الذي نشأ في عصر الدولة الوسطى تجاه ملك من الدولة
القديمة شيء و الحقيقة التاريخية المدعمة بآثار غير مغرضة شيء آخر . 
5 – أن ملوك الأسرة الخامسة في وستكار يظهرون
بسمة هامة لا يتميز بها ملوك الأسرة الرابعة ألا و هي : الإتيان بالخوارق و أن
إنجازاتهم ستتفوق على أعمال الملوك السابقين ، فالساحر جدي صاحب المعجزات و
الكرامات يعجز عن إحضار الخزائن المقدسة في هليوبوليس و التي تحتوي على تخطيط معبد
جحوتي و ذلك رغم إمتلاكه لقدرة سحرية ثم يقول لملك أن أباء رع و هم ملوك مصر في
الأسرة الخامسة هم الذين سيتمكنون من تحقيق هذه المعجزة و يحوزون على هذه الخزائن
المقدسة من هليوبوليس أي أن هؤلاء الملوك يمتكون قدرة سحرية أكبر من الكاهن المرتل
جدي نفسه و لذا فهم سيصنعون المعجزات لمصر وشعبها مما يعكس أن البردية و رغم
توجهها الشعبي إلا أن الفعل الكهنوتي و الملكي واضح فيها .  
6 – يربط ملوك الأسرة 12 أنفسهم بملوك الأسرة
الخامسة كنموذج لهم لكي يؤكدوا لأنفسهم على صفة صنع المعجزات فنص وستكار هنا
يتناول مفهوم حضاري هام ألا و هو : تفوق الخلف على إنجازات السلف و هو مبدأ ظل
مطبقا في الحضارة المصرية القديمة فعلى سبيل المثال : أحجام أهرام الأسرة الرابعة
و محاولة كل ملك أن يشيد مقبرة أكبر من الملك السابق ثم ملوك الأسرة الخامسة و
تشييد معابد الشمس التي تميزوا بها عن الملوك السابقين و عندما نتحدث عن الملك
خيتي الثالث في عصر اللامركزية الأول نجده يوصي إبنه بأن يتخذ له سلفا لكي يتفوق
عليه في إنجازاته أي أنه من حيث المبدأ كان كل ملك يزعم في نصوصه أنه تفوق على
إنجازات أسلافه و هنا بردية وستكار تبشر بما سيحققه ملوك الأسرة 5 و ملوك الأسرة
12 و كل من سيحذو حذوهم من ملوك مصر اللاحقين . 
يتبين لنا مما تقدم أن نص خوفو و الساحر جدي
كجزء بارز في بردية وستكار لم يهدف للحديث عن وقائع تاريخية فعلية وقعت في عصر
الملك خوفو أو حتى في عصر الدولة القديمة ، بل هي نتاج مفاهيم و أفكار تنتمي لفترة
زمنية متأخرة تنتمي غالبا لعصر الدولة الوسطى و أعيد نشر هذه المفاهيم في نهاية
عصر اللامركزية الثاني – الأسرة 17 – و ذلك بناءا على المعطيات الحضارية التي ورد
ذكرها في هذا النص و التي تناسب أكثر أفكار الدولة الوسطى التي تم صياغتها في قالب
شعبي مقبول من جانب الكهنة المرتلين في ذلك الزمن ، فالكاهن المرتل ذو القدرات
السحرية و كصانع الخوارق يلعب الدور الأبرز في نص وستكار .   

بعث و إعادة إحياء الماضي المجيد في عصر الأسرتين 25 و 26


بسم الله الرحمن الرحيم 

بعث و إعادة إحياء الماضي المجيد في عصر الأسرتين 25 و 26


مما لاريب فيه أن القرن السابع قبل الميلاد
كان يمثل يقظة مصرية حضارية عميقة الجذور سعت نحو إعادة إكتشاف الماضي المصري
المجيد ، فجاء ملوك الأسرتين 25 و 26 و أخذوا على عاتقهم مسئولية إحياء ماضي
الحضارة المصرية القديمة في عصورها السابقة و قد شاركهم في ذلك النخب الكهنوتية
المثقفة بل و عامة الشعب و لذلك فنحن هنا نؤكد على وجود إرتباط جديد بالماضي
التاريخي أفضى إلى بناء جديد لمفهوم الزمن في مصر . لقد أصبحت مصر واعية بعمق
زمنها الماضي بمعنى : أن المصري في ذلك العصر لم يعد ينظر لأي شكل معماري أو صورة
أيقونية فنية أو صيغة لغوية معهودة لكي يقتبسها و يضعها في المعبد أو المقبرة ، بل
أصبح ينتقي بشكل واعي النماذج التي يبحث عنها من ضمن آلاف النماذج الحضارية
القديمة ، الأمر الذي يكشف عن وجود إدراك و وعي لقيمة و أهمية النموذج الحضاري
المقتبس من الأسلاف . 
ينبغي لنا هنا أن نفرق بين حالة العودة إلى
تقليد حضاري قديم منسي و بين حالة إستمرارية التقاليد الحضارية الماضية عبر جميع
العصور ، فالحالة الثانية هنا تجعل الماضي ساريا بشكل دائم في تيار الزمن فلا يبدو
الماضي في هذه الحالة و كأنه ماضي ، أما الحالة الأولى فهي تهدف لإعادة تقليد قديم
إلى الضوء من جديد بعد نسيانه و إنقطاعه لفترة طويلة من الزمن . و لكي نعي تلك
النقطة الأخيرة يمكن لنا أن نلقي بعض الضوء على بعض الحالات الحضارية المصرية القديمة
و هي : 
1 - على سبيل المثال نجد ملوك الأسرة الثانية
عشرة و قد شيدوا معابدهم الجنائزية على نفس طراز معابد الأسرة الملكية السادسة ،
فنحن هنا أمام حالة إعادة لإحياء طراز معماري قديم يرجع لأواخر الدولة القديمة و
ذلك بعد إنقطاع هذا الشكل المعماري لفترة من الزمن . 
2 - إعتمدت الملكة حتشبسوت على نقر و تشييد
معبدها في صخر جبل الدير البحري لكي يحاكي إلى حد ما الطراز المعماري لمعبد و
مقبرة مؤسس الدولة الوسطى الملك منتوحتب الثاني مع الوضع في الإعتبار أنها قامت
بتطوير النموذج القديم لكي يتلائم مع معطيات العصر الجديد فالإقتباس هنا تجاوز
النموذج المعماري القديم بل و تفوق عليه و ذلك في إطار مبدأ حضاري آخر عرفه المصري
القديم و هو : إعادة تقليد أثر السلف و التفوق عليه 
3 – من ناحية أخرى إعتمدت الملكة حتشبسوت
كذلك على عدد كبير من نصوص التتويج الملكية التي ترجع لعصر الدولة الوسطى
فإقتبستها و نسختها على جدران معبدها حتى تضفي على نفسها شرعية الحكم الأمر الذي
يؤكد أن الكتابات القديمة كان يتم إستنساخها من جديد من عصر إلى آخر كنماذج تعكس
وجود إنتقاء واعي لما ينبغي لنا أن نقتبسه و ما يمكن الإستغناء عنه .
4 – إستخدم ملوك الأسرة 22 الأسلوب و النمط
الفني لعصر الملك أمنحتب الثالث الذي كان يعتبر من أفضل النماذج الفنية خلال عصر
الدولة الحديثة ، فهم هنا لم يرجعوا لتقاليد الفن في عصر الرعامسة الذي كان الأقرب
إليهم زمنيا ، بل عادوا لإعادة بعث التقاليد الحضارية الكبرى لفن أمنحتب الثالث . 
5 – قام كبير كهنة منف خع إم واست إبن الملك
رمسيس الثاني بصيانة و ترميم آثار الدولة القديمة في منف و هناك دلائل تكشف عن نية
هذا الأمير بإعادة بناء و تشييد مدينة منف على نفس النمط المعماري و الفني لعصر
الدولة القديمة فقد كان شغوفا بماضي منف التليد في عصر الدولة القديمة حتى تحولت
هذه الفترة عنده إلى المعيار الحقيقي للنجاح ، فماضي الدولة القديمة ينبغي بعثه من
جديد لتحقيق النجاح السياسي و الديني و الإقتصادي في عصر الرعامسة . 
6 – حيازة بعض الملوك لآثار أسلافهم و ذلك
بكتابة أسمائهم عليها ، فأثر السلف هنا هو صفة نموذجية للماضي الذي ينبغي إمتلاكه
بهدف الحصول على شرعية الحكم ، فالملك الخلف يتحد بنظيره السلف أو بمعنى أدق يتحد
بالكا الملكية الحاملة لقبس الأسلاف فيصبح هو الوريث الشرعي له الأمر الذي يعني :
أنه في بعض الأحيان لم تخلو عملية إحياء و بعث الماضي و الإستيلاء على آثار
الأسلاف من دلالات و أهداف أيدولوجية سياسية 
إن ما حدث خلال عصر الأسرتين 25 و 26 و ما
إرتبط بهذه الفترة من إحياء الماضي المصري إختلف جذريا عن ما سبق من العصور ، فقد
بلغ حجم إسترجاع و إستعادة الماضي درجة غير إعتيادية و لم يسبق لها مثيل ، لذلك
أصاب علماء المصريات عندما إعتبروا ذلك الزمن أنه عصر البعث و الإحياء ، فقد
إكتشفت مصر في ذلك الزمن ماضيها القديم و بشكل واعي جدا لدرجة أن إستعادة هذا
الماضي تحول إلى ثورة حضارية بكل ما تحمله الكلمة من معنى و هنا يمكن لنا أن نرصد
أهم الحقائق المرتبطة ببعث الماضي من خلال ما يلي : 
1 – أصبح الإنسان في مصر يختار أسماء جميلة
لنفسه مقتبسة من عصر الدولة القديمة و كان لا يتخير لنفسه أي إسم بل ينتقي أسماءا
لا تزال ذكراها حية في وجدان و ذاكرة الناس . 
2 – صار المصري القديم يظهر أيقونيا و فنيا
في مقابره و معابده بنفس رداء و زي المصري الذي عاش في عصر الدولة القديمة لدرجة
تثير اللبس أحيانا لدى عالم المصريات الذي لا يعرف إذا ماكانت المقبرة المكتشفة
ترجع للأسرة 26 أم ترجع لعصر الدولة القديمة . 
3 – إستنساخ كتابي لأمثال و مباديء و مقولات
عصر الدولتين الوسطى و الحديثة و إعادة إحياء و كتابة نصوص الأهرام التي ترجع
للدولة القديمة على جدران المقابر و التوابيت في الأسرتين 25 و 26 .
4 - إستنسخ كبار الأفراد خلال عصر الأسرتين
25 و 26 نصوص السير الذاتية التي ترجع لعصر اللامركزية الأول ( عصر الإنتقال الأول
) و هذا يعني أن الإنسان في مصر لا يعتمد على إظهار نجاحه في إبراز العطف و
الرعاية الملكية كما هو شائع في نصوص السير الذاتية لعصور الدولة القديمة و الوسطى
و الحديثة بل يعتمد على نفسه و على رعايته لذاته و على نجاحه الشخصي الذي يرجع
الفضل فيه لجهوده الذاتية و هي السمة الغالبة على نصوص السير الذاتية لعصر
اللامركزية الأول الأمر الذي يؤكد على أن نصوص السير الذاتية التي سجلت على جدران
المقابر طوال عصور الحضارة المصرية القديمة كانت خاضعة لعملية إنتقاء و لم تمضي
هكذا بشكل عشوائي . 
5 – قام المصري القديم خلال عصر الأسرتين 25
و 26 بوضع الماضي التاريخي في الزمن الأسطوري فخلط بينهما خلطا واضحا و ظهرت
الشخصيات التاريخية القديمة في ثوب أسطوري و تم رفعها إلى مصاف الآلهة أو أنصاف
الآلهة بألف و لام العهد فعلى سبيل المثال تم تأليه إيمحوتب و إعتبر إبنا للإله
بتاح و لم يتم إعتبار الآثار القديمة كلها سوى منشآت من زمن الآلهة الأوائل و هنا
نجد أن إعادة و بعث الماضي التاريخي قد تزامن مع إستحضار ماضي الآلهة و هكذا تثبتت
جميع مباني و منشآت الماضي المجيد في زمن السعادة الأسطوري الأول فلوحة الإحصاء
التي وجدت في جبانة الجيزة و ترجع زمنيا لعصر الأسرة 26 تنسب هرم خوفو للإلهة
إيزيس و لا تنسبه لملك خوفو كما أن صخرة أبي الهول هي تجسيد لشكل المعبود الخالق
الأول الذي ظهر في بدء الزمان في تلك البقعة المقدسة . 
6 – أصبحت الذاكرة الحضارية لمصر في ذلك
العصر تتجه نحو إقتباس نمط حياتي كامل من عصر الدولة القديمة لهدف هام و هو :
إعلاء كرامة الفرد ، فكلما عاد الإنسان في مصر نحو إحياء الماضي ، كلما إكتسب
مكانة إجتماعية مرموقة و كسب إحترام و تقدير و ثقة الناس و لذلك السبب إتجهت
النخبة الكهنوتية في ذلك العصر نحو بعث الماضي التليد لكي تعبر عن وجاهتها
الأرستقراطية أمام طبقات الشعب من ناحية ، و من ناحية أخرى لكي تظهر في وضع الممثل
الفعلي و الحقيقي للحضارة المصرية القديمة أمام الجاليات الأجنبية مثل الآشوريين و
الفنيقيين و اليهود و الآراميين و غيرهم من الجاليات الأجنبية الأخرى . 
هل كان بعث و إعادة إحياء الماضي المصري خلال
عصر الأسرتين 25 و 26 مقدرة حضارية فريدة بذاتها لكي تحفظ مصر لنفسها هويتها
الحضارية في مواجهة الأزمات الداخلية و الخارجية كما يرى بعض علماء المصريات ؟ أم
أن ذلك الإحياء كان مجرد إخراج جديد للماضي تمخض عن أولى فترات العصر المتأخر نحو
رغبة عاطفية مصرية كان روادها المصريون أنفسهم ؟ هل كان إحياء الماضي هو مجرد
إنكفاء على الذات لعدم القدرة على مواجهة الأزمات ؟ هل كان بعث الماضي هو الطريق
الأوحد للنجاة و الإنقاذ ؟ ....
لاريب أن إنتعاش الماضي بشكل لم يسبق له مثيل
خلال الأسرتين 25 و 26 كان شكلا تعبيريا واعيا لمفهوم الزمن الحضاري في مصر ، و
كانت أكثر المظاهر المعبرة عن ذلك الزمن الحضاري هو الأعياد الدينية لأرباب مصر ،
فقد ظهرت في ذلك العصر فكرة عبادة أسلاف الآلهة . فنحن هنا لا نتحدث فقط عن مفهوم
عبادة الأسلاف المألوف بل نتحدث عن وجود أسلاف لآلهة مصر ينبغي عباتها و تقديسها و
أسلاف الآلهة هم في واقع الأمر قد إنتقلوا للعالم الآخر و يظهرون كما لو كانوا قد
ماتوا و لهم تقاليد و طقوس جنائزية فهم يمثلون آلهة الماضي و هو الماضي البعيد جدا
و المتكامل و المنتهي بحق إلى الأبد لذلك فهو زمن أسطوري قديم تمخض عنه الزمن
الحاضر الأمر الذي يعني أن الإنسان في مصر أصبح يدرك وجود ذلك الماضي البعيد و
المنفصل عنه و الذي يسعى لإحيائه مرة أخرى و هو عندما يقوم بشعائر دينية مقدسة
لأسلاف الآلهة فهو يعي تماما أنه قد أصبح زمنيا منفصل عنهم و لكنه و من خلال
إقامته لتلك الطقوس يسعى لجعل زمنه الحاضر متواصل مع زمنهم الماضي و لهذا السبب ظهرت
خلال عصر الأسرتين 25 و 26 مفهوم قبور أسلاف الآلهة الأوائل في المعابد المصرية
التي تقام لها شعائر جنائزية من أجل تذكر و إستعادة ذلك الماضي البعيد و المنتهي
حتى يتواصل مع الزمن الحاضر . 
فعلى سبيل المثال كان المعبود آمون رب معبد
الأقصر يخرج في موكب كهنوتي خلال الأسرتين 25 و 26 لكي يعبر النيل و يتجه للبر
الغربي حيث معبد هابو الصغير الذي دفن فيه الإله الأسطوري الأول ( كم آت إف ) و
يعني إسمه الذي أتم عهده و يعتبر الصورة الأزلية الأولى لآمون عندما تجلى في هيئة
ثعبان في المياه السرمدية الأولى و قد كان آمون معبد الأقصر هنا يجسد الملك الإبن
الذي يزور سلفه القديم ( كم آت إف ) لإعادة إحيائه ، فذلك المعبود – كم آت إف – هو
إله الماضي البعيد و المنتهي بحق أما آمون الأقصر فهو إله الزمن الحاضر الذي يذهب لزيارة
إله الزمن الماضي مرة كل عشرة أيام ( العيد الأعشوري ) حتى يلتقي الحي بالميت ،
فالإله الميت هنا و المستقر في أعماق العالم الآخر يحتاج لمن يقيم له الشعائر حتى
يسترد و يواصل فعاليته في عالمه الآخر فبرغم إنفصاله عن عالم الدنيا و الزمن
الحاضر إلا أنه لا يزال يواصل فعاليته هناك طالما أن هناك من يتكفل بإعادة إحيائه
من جديد . و كانت أهم فعالية لذلك الإله هي إنبثاق الفيضان من جسده و لهذا السبب
كان يعرف بلقب ( با كمت ) أي با مصر و ( با أوزير ) . 
يتبين لنا مما تقدم إن السعي المتواصل و
الدؤوب نحو بعث الماضي خلال عصر الأسرتين 25 و 26 كان محاولة جادة من حكماء و كهنة
و كتبة مصر لتثبيت هويتها الحضارية في زمن الأزمات فكان بعث هذه الهوية أقوى ما
يكون في ذلك العصر الأمر الذي إستلزم عبادة الماضي الذي إحتوى في داخله على
الأسطورة و التاريخ فكان ماضيا أغنى مما سبق بل تحول هذا الماضي الثري لكي يتلبس
الإنسان في مصر و من هنا أصبح إنتمائه قويا لذلك الماضي التليد فتثبتت هويته
الحضارية و اكتشف ذاته من جديد .   

الملكية المصرية و نبوءات الخلاص في العصور المتأخرة


بسم الله الرحمن الرحيم 

الملكية المصرية و نبوءات الخلاص في العصور المتأخرة


تضمنت الملكية المصرية عبر تاريخها الطويل
صورة تقليدية عن الملك بوصفه إبن الإله الأكبر للدولة و الذي أنجبه و أرسله إلى
أرض مصر لينشر فيها العدالة و يحقق النظام و يقوم ببناء المعابد للمعبودات و يحتفل
بأعيادها و يمد آلهة مصر بمختلف القرابين و العطايا ، و طالما بقي هذا المفهوم
نافذ المفعول ، طالما بقيت مصر في خير و عاشت في سعادة و نعيم . و لاريب أن
النتيجة المنطقية لعدم الإلتزام بهذا البرنامج الذي وضعته الآلهة في بدء الزمان هو
إنتشار الفوضى و تعدد الأزمات بل و إنهيار العالم بأكمله ، و هو ما صورته النصوص
الأدبية المصرية عبر جميع مراحل التاريخ المصري القديم .
 ينبغي لنا هنا أن نطرح تساؤل
ذي مغزى : كيف كان وضع الملكية المصرية في العصور المتأخرة ؟ ...
لم تعد الملكية المصرية تحتفظ بنفس درجة
قداستها القديمة و المعهودة إلا شكليا فقط و ذلك يرجع في المقام الأول إلى التجارب
التاريخية السيئة التي مرت بها مصر طوال العصور المتأخرة و توالي عهود الإحتلال
الأجنبي من عصر إلى آخر الأمر الذي أفضى لوجود أزمات سياسية و إقتصادية و إجتماعية
و دينية و لذلك فإذا كانت الحالة الآنية ( الزمن الحاضر ) لا تتماشى مع النظام
الملكي المصري التقليدي المعهود ، فعندئذ تتوجه الأنظار و تنعقد الآمال نحو الملك
المنقذ و المرسل من الإله الأكبر و الذي يلتزم بتعاليم و وصايا أرباب مصر و يصبح
المطلوب منه : تغيير الأوضاع السيئة للبلاد نحو الأفضل . فعندما وصل الإسكندر
الأكبر إلى مصر إحتضن التقاليد الدينية المصرية و إتجه إلى واحة سيوة لكي يثبت
شرعيته أمام ربه آمون رع بوصفه إبنا شرعيا له و هنا يمكن لنا أن نستشف مجموعة من
الأمور الهامة المرتبطة بتقبل الإسكندر و أي أجنبي كملك مصري و هي : 
1 – بدأ الفكر الديني المصري القديم في تقبل
الحاكم الأجنبي كملك مصري شرعي في العصور المتأخرة طالما سيلتزم بإقامة البرنامج
الملكي المصري التقليدي الذي يعيد مصر إلى زمن السعادة الأسطوري الأول ، فالملكية
الإلهية لا ينبغي لها أن تنقطع أبدا عن البلاد ، كما أن ذلك الملك ذي الأصل
الأجنبي لن يظهر أمام أرباب مصر إلا في صبغة مصرية خالصة تؤكد على تقواه و ورعه و
هو يؤدي واجباته ناحيتها و هو في ذلك يبدو تماما كما و كان ملك يلتزم بنفس ما فعله
الملوك الأسلاف الأوائل فتزول عنه صفته الأجنبية و لا تبدو ظاهرة أبدا . 
2 – لم يكن الإسكندر الأكبر هو أول ملك يسعى
للتظاهر بالتمصير بل سبقه في ذلك الملك الفارسي قمبيز في بداية عصر الأسرة السابعة
و العشرين حينما قام كهنة مصر بترويج قصة – وردت عن هيرودوت - زواج أبيه قورش من
الأميرة المصرية ( نيتتيس ) بنت الملك واح إيب رع ( إيبريس ) الذي قتله الملك أحمس
الثاني ( أمازيس ) ، و كانت تلك الأميرة وفقا لهذه الأسطورة هي آخر أميرة مصرية
يجري في عروقها الدم الملكي أما أمازيس فيبدو هنا مغتصبا للعرش لأنه قتل الملك
الشرعي إيبريس و لذلك فإن زواج قورش بهذه الأميرة المصرية نتج عنه ميلاد الملك
قمبيز الذي جاء لمصر لكي يقضي على أمازيس – المغتصب للعرش - و خليفته بسماتيك
الثالث . فهنا يظهر قمبيز بوصفه ملكا شرعيا لأن أمه حاملة للدم الملكي المصري .
3 – في حالة الإسكندر الأكبر ، نجد أنه أعاد
فعالية المحرك الأسطوري السياسي لمفهوم إبن الإله الذي أرسل إبنه لمصر ليطرد منها
الفرس و يحقق الخلاص لشعب مصر و قام أهل الفكر و الدين في مصر بترويج قصة أسطورية
تتمثل في أن الإله آمون تزوج أمه في هيئة نختانبو الثاني – آخر الملوك الوطنيين
المصريين – فنختانبو هنا يظهر في الأسطورة بوصفه الملك الذي هرب من بطش الفرس و
إتجه إلى البلاط المقدوني – شمال اليونان – و تقمص الإله آمون هيئته عندما دخل على
أم الإسكندر و بهذه الطريقة يصبح للإسكندر نفسه ثلاث آباء : آمون كأب إلهي و فيليب
الثاني كأب شرعي و نختنابو كأب جسدي
و من ناحية أخرى يمكن القول بأن الملكية
المصرية إتخذت صورة أخرى منذ عصر الأسرة الثلاثين تمثل مغزاها عمليا في منشأة (
بيت الماميزي ) فقد قام الملك نختانبو الأول في عصر الأسرة الثلاثين ببناء بيت
الولادة للإله الإبن حور با غرد – حورس الطفل – في معبد دندرة و ذلك لكي يعلن عن
إنتقال الملكية فعليا إلى الإله أو بمعنى أدق لم يعد الحاكم في مصر ، بصرف النظر
عن هويته و منشأه الأصلي ، هو الملك الفعلي ، إنما هو الإله الإبن الذي يتم
الإحتفال بولادته مرة كل عام في بيت الولادة و عندما يصبح شابا يتوج على عرش مصر و
يصبح هو الملك الحقيقي لمصر الأمر الذي يكشف عن حقيقة هامة : 
فشل تجارب الملكية خلال العصورالمتأخرة و
محاولة رد هذا المنصب المقدس و الخطير لأصله و منشأه الإلهي ، فيصبح الإله بنفسه
هو من يحكم مصر و يتولى هو بنفسه إنقاذ البلاد من الأزمات طالما أقيمت له الشعائر
و الإحتفالات الدينية و لم تخلو موائد القرابين من العطايا و الهبات مما يؤكد أن
الأسطورة في مصر كانت حية و قوية للغاية في ذلك الزمن . 
و في واقع الأمر تحولت فكرة الملك المنقذ إلى
مفهوم أسطوري سياسي طاغي للغاية في عقلية المصري القديم خلال الأسرات من 28 – 30 و
ظهرت تقارير و نصوص و نبوؤات تتحدث عن قدوم زمن الملك الذي سيخلص مصر من شقائها و
بؤسها كما تناولت كذلك مفهوم العقاب الذي حاق بالملوك السيئيين الذين لم يلتزموا
بتعاليم الآلهة و لذا نقرأ في البردية رقم 215 في المكتبة الوطنية بباريس حيث تمكن
الفرس من إحتلال مصر للمرة الثانية في عصر الأسرة الثلاثين عام 343 ق.م ثم نجد أن
سبب هذه الكارثة يعزى للملك الذي كان يحكم في ذلك الوقت فلم يلتزم بما جاءت به
القوانين فنقرأ ما يلي : 
" الملك الفلاني خالف القانون فعوقب على
إثمه و عوقب إبنه على إثمه و قد تمكن الفرس من إسقاطه لأنه خرج عن القانون و عندما
نسي نختانبو الثاني العجل أبيس الذي هو ( العجل نفسه ) بتاح و رع و حور سا إيسه و
صار همه جمع المال خسر عرشه على يد الفرس أما عن الملوك الطيبين مثل الفرعون
نفريتيس فلما كانت أعماله صادقة أصبح إبنه خليفة له و لما جاء الملك هكوريس –
الأسرة 29 – و حكم البلاد رضيت عنه الآلهه و جعلت مصر في سعادة لأنه كان لا يعمل
إلا الخيرات في المعابد كلها و عندما حاد عن القانون في مرحلة متأخرة من حكمه
أسقطه من حوله من على عرشه لأنه لم يعتني لا بأربابه و لا برعيته " 
هنا يمكن لنا أن ندرك مجموعة من الأمور
الهامة حول مفهوم الملكية المصرية في العصور المتأخرة تتمثل فيما يلي : 
1 – ظهور فكرة الذنب و الإثم في تاريخ
الملكية في العصور المتأخرة و هي فكرة لم نكن نسمع عنها قبل ذلك العصر ( إلا في
حالة واحدة فقط و هي تعاليم الملك خيتي الثالث لإبنه مري كا رع ) . 
2 – يشير النص إلى أن الملك الطيب الملتزم
بقوانين المعبودات يتم مكافئته بالحكم  الطويل
و بوراثة العرش من جانب إبنه بعد وفاته أما الملك السيء فلا يحكم إلا وقتا قصيرا
ثم يتم إغتصاب العرش منه لأنه حاد عن الطريق السليم . 
3 – صارت جميع الأحداث في مصر تتم وفقا
لسياسة الملك مع المعبودات و أصبحت قراءة التاريخ في العصور المتأخرة تتجه نحو
تفسير جميع الوقائع بوصفها مشيئة إلهية نافذة و رغم وجود بوادر هذه الفكرة في
العصور السابقة إلا أنها أصبحت حاضرة بقوة أكبر مما سبق في العصور المتأخرة .
و هنا ننتقل لفقرة أخرى من نفس البردية
تتناول فيها نبوءة إقتراب زمن الملك الوطني المخلص فنقرأ على سبيل المثال ما يلي :
" و عندئذ سيأتي ملك مصري قادم من
هليوبوليس ثم سيتجه إلى إهناسيا و سينجح في السيطرة على جميع البلاد و كذلك سيصبح
حاكما على البلاد الأجنبية و سيفتح بوابات المعابد و سيقدم القرابين للآلهة و
ستقام الأعياد و ستكون مصر أسعد مما كانت عليه في السابق " . 
كما نقرأ في نص كهنوتي آخر نبوءة أخرى ترجع
لعصر الأسرات من 28 – 30 و هي عبارة عن نبوءة صادرة من معبد كبش إهناسيا ( حري شا
إف ) حيث يبدأ النص في وصف الفوضى التي أحاقت بالبلاد في ذلك العصر فنقرأ : 
" سيحدث في ذلك الزمن بأن يصبح الغني
فقيرا و ستحدث مفاسد كثيرة في مصر و الويل لمصر ، ستنتحب البلاد كلها بسبب اللعنات
التي أصابتها و ستنتحب منف و طيبة " ... ثم يتم توجيه سؤال لكبش إهناسيا
للإستفسار عن زمن ذلك الحدث فيقال له : " متى سيحدث كل هذا ؟ " 
عندئذ قال كبش إهناسيا : " عندما أكون
أنا الصل الملكي فوق رأس فرعون ستحدث هذه الأحداث إلا أنني سأحكم بنفسي مصر بعد
إنتهاء هذه الأحداث السيئة أي بعد مرور 900 سنة و عندئذ سينتهي الظلم و ستسود
القوانين في البلاد و ستحكم مصر مرة أخرى بلاد الشام و بسبب السعادة التي ستحدث في
مصر سوف لا يتمكن الإنسان من الكلام و سيكون مصير من يكره الإله هو الشقاء و العدد
القليل من الناس الذين سيكونون في مصر سيقولون : ما أجمل لو عاش آبائنا و أجدادنا
في ذلك الزمن الذي سيأتي " 
يتبين لنا من النصين السابقين حقائق هامة
تمثلت فيما يلي : 
1 – لم يكن ظهور الإسكندر و الملوك البطالمة
في رداء الملوك الوطنيين المخلصين لمصر من أزماتها أمرا جديدا بل هم إعتمدوا في
ذلك على تراث مصري تم تكوينه في فترة زمنية طويلة و كان منتشرا بين الشعب المصري
في العصور المتأخرة بفضل الجهود الكهنوتية المصرية التي سعت للتبشير بإقتراب زمن
الخلاص و قدوم الملك المنقذ . 
2 – تشير النبوءة الأخيرة بأن الآلهة بنفسها
ستتولى قيادة و حكم هذه البلاد فيظهر كبش إهناسيا حري شا إف بأنه سيحكم مصر بعد
مرور 900 عام – أي بعد إنقضاء زمن الظلم - و نلاحظ هنا من ثنايا هذه النبوءة أنها
صنعت و نسجت من جانب كهنة إهناسيا الذين بشروا بخلاص مصر الذي لن يتحقق إلا من
خلال ربهم كبش إهناسيا حري شا إف 
3 – إرتبط مفهوم الخلاص في العصور المتأخرة
بتجارب الظلم السياسية و أصبح التاريخ المصري يسير على النحو التالي : ظلم سياسي
بسبب عدم إحترام القانون – عقاب إلهي حتمي – خروج نبوءة تبشر بإقتراب و قدوم زمن
الملك المنقذ – ظهور الملك المنقذ و عودة الآلهة بنفسها لحكم مصر و إسترجاع زمن
السعادة أو العصر الذهبي الأسطوري الأول .
4 – أصبح القانون و لأول مرة في العصور
المتأخرة مستقلا إلى حد كبير عن الملك الحاكم ، فلم يعد الملك يجسد القانون الإلهي
، و إنما أصبح مضطلعا به لكي يعمل بموجبه و يلتزم به و ينفذه . 
يتبين لنا مما تقدم أن الملكية المصرية في
العصور المتأخرة إختلف وضعها عن ما كانت عليه من قبل ، فحتى نهاية عصر الدولة
الحديثة كان الإنقاذ من جميع الأزمات لا يأتي إلا من جانب الملكية ، فبمجرد صعود
الملك على العرش عمل طقوس التتويج و إقامته للإحتفالات الخاصة بالأرباب ينتهي زمن
الفوضى و تعم السعادة في البلاد ( نستثني هنا فقط أزمة العمارنة و ما تبعها من
نتائج ) فالفوضى لا تأتي إلا من البشر أما الخلاص فلا يأتي إلا من الملكية ، أما
في العصور المتأخرة فقد تغير شكل الملكية المصرية رأسا على عقب نظرا لأن الخطر
الآن أصبح يأتي من أعلى أي من الملوك السيئين الذين لا يحترمون قوانين أرباب مصر و
من هنا ندرك أن الإنسان في مصر لم يعد بحاجة إلى الملك الذي تتجسد فيه صورة الإله
حورس بل أصبح في حاجة إلى الملك الذي يلتزم بما يلي : 
1 – إستحضار ماضي الآلهة الأوائل من خلال رعاية
الحيوانات المقدسة في معابد مصر حيث كانت تجسد الصورة الأزلية الأولى لأرباب مصر
الذين حكموا البلاد في عصر السعادة الأول . 
2 – إستدامة تقدمات القرابين فلا تخلو موائد
الأرباب منها أبدا 
3 – إقامة التراتيل الدينية السحرية التي
تهدف لضرب و إعاقة ثعبان الشر الأسطوري ( عبب ) فضلا عن توجيه الطعنات و صب
اللعنات على المعبود ست الذي تشيطن و أصبح رب الأجانب و الغزاة و ذلك لكي لا تندلع
الحروب الأهلية في البلاد و لا تكون هناك أي إنتفاضات و لا يتمكن الأعداء من غزو
مصر 
4 – الإهتمام بإقامة أعياد أوزير في البلاد
كلها حتى ترجع مصر زمنيا للعصر الذي كان يحكم فيه أوزير بنفسه عندما كانت البلاد
في نظام و سلام و خير مطلق و حتى تبقى القوانين سارية المفعول و لكي يعيش الناس في
إحترام متبادل مع بعضهم البعض و يحل الرخاء من جديد .
و في إطار هذا السياق لم يعد ينتظر من
الملكية المصرية سوى إطاعة الأوامر بدقة و السعي وراء خدمة الأرباب و تقديم
الضمانات المادية لإقامة هذه الخدمات و تلك هي رسالة حكماء و كهنة مصر في العصور
المتأخرة .