الأربعاء، 26 أكتوبر 2011

مفهوم الأيقونوجرافية المصرية المسيحية فى العصرين الرومانى و البيزنطى-الجزء الأول

بسم الله الرحمن الرحيم

( مفهوم الأيقونوجرافية المصرية المسيحية فى العصرين الرومانى و البيزنطى-الجزء الأول )

.................. إعتاد المصرى القديم أن يعبر عن طموحات عصره باللغة الفنية النابعة من تراثه و المتفاعلة مع ثقافته و المتأثرة ببيئته ، و فى ظل إنهيار الفن المحلى القديم فى مصر - عندما كان للتأثيرات الهللينيستية قوة لايستهان بها فى الحركة الثقافية فنيا و موضوعيا - أطلت المسيحية بمظاهر جديدة تسيطر و تنمو و تتفاعل مع طموحات المواطن المصرى على المستوى الشعبى । و قد عمل هذا التفاعل إحياء العناصر المحلية فى الفن المصرى و عبر عن خصوصية تلك العقيدة . و من هنا نشير إلى أن الدراسات الحديثة أظهرت أن هناك قصورا شديدا فى إدراك حقيقة الرؤية المحلية الشعبية فى الثقافة المصرية خلال العصرين الرومانى و البيزنطى حيث إستمر تجاهل أهمية التقييم السيكولوجى أو بمعنى آخر فطرية المواطن المصرى فى التعامل مع الديانة الجديدة و مرادفاتها من معتقدات و طقوس .
و لاشك أن المسيحية أسهمت بإستقرارها على الأراضى المصرية فتح المجال أمام الثقافة الشعبية ، و هو الأمر الذى أعطى للمسيحية المصرية خصوبة و خصوصية محلية قوية ، و تميزت عن غيرها من الولايات الأخرى بل و تقودها أحيانا على المستوى العقائدى . و قد هيأ هذا الأمر - بطبيعة الحال - الساحة الفنية و الثقافية فى مصر لكى تتبوأ مقام الريادة الذاتية على الأقل فى وضع المقومات الفنية لعلم الصور المسيحية المعبرة عن ثقافة و تراث المصريين و المتفقة مع رغباتهم الدينية ، حيث كان الأمر - فى بعض الأحيان - يجتاز حدود الرؤية الدينية و يعبر عن مفهوم الوطنية او القومية .
إن مفهوم الإرتباط بين الصورة المسيحية مصرية الطابع و بين أهداف الشعب المصرى و طموحاته على المستويين الدينى و السياسى ، قد أعتنى به فى مصر منذ القرن الرابع الميلادى تقريبا ، حيث كان إستمرارا طبيعيا لأهمية الصورة صاحبة الأهداف السامية المعبرة عن طموحات الشعب و المنفذة بالأسلوب الشعبى فى حرية كاملة دون أن تحجبها أى قيود عن العامة ، تلك الخصوصية فى فن التصوير تعرف حديثا فى فن التصوير بمصطلح ( الأيقونوجرافيا ) . و بوصف الدارس ممن يعرفون جيدا هذه القضية العلمية حيث أمضى و قتا طويلا فى دراسته ، فهو سيحاول فى هذا المقال توضيح مقومات ظهور الصورة ظهور مفهوم الصورة صاحبة الأهداف السامية و المعبرة عن طموحات الشعب المصرى العظيم ، و ذلك فى ضوء المتغيرات التاريخية التى واكبت ظهورها . كما يلقى هذا المقال الضوء على مفهوم ( الأيقونوجرافيا ) من خلال المعايير التالية :
1 - إختيار الموضوع الدينى المراد تصويره
2 - تحديد اللقطة التصويرية المعبرة عن ذروة الحدث الدرامى للموضوع الدينى
3 - تحديد الخلفيات الإيمانية و الروحية المباشرة و الغير مباشرة
4 - تعيين ماهية الأسلوب الفنى
أولا : الأيقونوجرافيا المصرية و المتغيرات التاريخية :
إرتبط مصطلح الأيقونوجرافيا المصرية لدى العديد من الباحثين بفترة مابعد مجمع ( خلقدونيا ) فى منتصف القرن الخامس الميلادى ، حينما أصبح للصورة وظيفة مذهبية فى ظل الصراعات الدينية الحادثة . إلا أن مفهوم الصورة التى تعتمد على تكوين إنطباع شخصى أو دينى أو سياسى ، قد إرتبطت بالفن المصرى القديم قبل تلك الفترة حيث إحتلت جزءا كبيرا التراكيب الدينية و السياسية فى تماثيل الملوك المصريين و صور المعبودات . كما أنها شكلت عنصرا شعبيا و دينيا فى الصور ذات الطابع الجنائزى فى المقابر المصرية و المتمثلة فى صور التوابيت الشخصية و الأقنعة الجصية ، و التى كانت تمثل وظيفة دينية و عقائدية ثابتة عند المصريين قبل العصرين الرومانى و البيزنطى ، و لكنها أيضا كانت ظاهرة دينية إستمرت على المستوى الشعبى حتى ظهور المسيحية ، بل و إندمجت معها فى تطور للبورتريهات الشخصية الرومانية التى تعد مرحلة انتقالية بين الأيقونوجرافيا المصرية القديمة و بين الأيقونوجرافيا ذات الطابع المسيحى فى مصر .
لقد صارت الصورة رمزا مقدسا من الناحية العقائدية و الدينية ، و بالتالى فإن الأيقونة أو الصورة المنفذة بأية طريقة نحتا كانت أو تصويرا جداريا أو زخرفة نسيج تعد نموذجا للفن الهادف أولا و لها وظيفة مستقرة و ثابتة فى مصر . و بما أن تلك الأمور المقدسة فى الفترة المبكرة من دخول المسيحية الى مصر كانت تمارس بواسطة جماعات منعزلة - عرفت بإسم ( الجماعات الغنوصية ) - تمزج فى تعاليمها بين : 1 - الرمز و الفلسفة اليونانية . 2 - الموروث الحضارى المصرى و الهللينستى . 3 - تعاليم الكتاب المقدس
و لذلك أصبحت الأيقونة بمثابة و سيط دينى تمثل شخصا أو حدثا أو لقطة تعبيرية بعينها تحمل على عاتقها مهام تثبيت رؤية أخلاقية أو مذهبية ، أو ركنا مهما من أركان العقيدة ، تلقى الضوء حوله ، مثل صور ( السيد المسيح ، الأنبياء القدماء ، القديسيين الأوائل ، السيدة العذراء ، أسطورة قديمة لها دلالات تخدم العقيدة و توضحها من خلال تفسيرها الدينى ، أوضاع فنية مبتكرة تستخدم للتعبير الجنائزى على شواهد القبور و غيرها )
ثانيا : الموروث الدينى و العنصر الموضوعى :
يمكن القول إن الإبداع المصرى الحقيقى فى علم الأيقونوجرافيا قد تركز بصورة كبيرة فى تحديد العنصر الموضوعى للعمل الفنى ، بل أن إبداعه قد يتجلى فى اختياره لموضاعات ليست معبرة عن فترة محددة بل يستمر تأثيرها و بنفس القوة . و يمكن تقسيم العلاقة المسيحية و الأيقونوجرافيا المصرية الى ثلاث مراحل تاريخية :
المرحلة الأولى :
و هنا نحن أمام مرحلة صعبة فى الفترة المبكرة لظهور المسيحية فى مصر ( منذ القرن الأول و حتى بداية القرن الرابع الميلادى ) و ذلك لأننا لانستطيع الوقوف أرض ثابتة بالنسبة لهذا الفن و ارتباطه بالمسيحية فى تلك الفترة . و قدمت الدراسات الحديثة حول تطور المسيحية فى مصر خلال تلك الفترة تصورات دينية جديدة لتعاليم العقيدة المسيحية من خلال تبنى الجماعات الغنوصية لها ، و تجلت هذه التصورات فى سمات فنية محددة سيتناولها الدارس فى الجزء الثانى ( انتهى الجزء الأول )




الأحد، 23 أكتوبر 2011

لاهوت الشمس الجديد فى عصر العمارنة

بسم الله الرحمن الرحيم

( لاهوت الشمس الجديد فى عصر العمارنة )

...................................... هل كانت المفاهيم الدينية لعقيدة الشمس فى عصر العمارنة معروفة لدى المصرى القديم قبل ذلك العصر ؟ ............ لقد كان المسار الشمسى ذو أبعاد دينية و سياسية لدى المصرى القديم فى عصر الدولة الحديثة ( انظر مقال المعنى الأسطورى لرحلة الشمس فى عصر الدولة الحديثة ) ، فإستمرارية حركة الشمس فى الكون يعنى القضاء على أعدائها الكونيين الذين يعرقلون مسيرتها مما يؤدى إلى توقف دائرة الزمن و إنهيار الكون ، و لم يكن إله الشمس ( رع ) يشارك بمفرده فى تلك الرحلة ، بل كان يشاركه عدد آخر من المعبودات ذات الصلة بالديانة الشمسية حيث كانت تتولى مهام الدفاع عن قارب الشمس فى جولتيه النهارية و الليلية ، إلا أن التصور الدينى الجديد الذى أنشئه الملك ( إخناتون ) يشير إلى أن الشمس تسير وحدها فى السماء لذلك نقرأ فى أناشيده الشمسية :
( لقد ظهرت ياأتون فى السماء و كنت وحيدا ) .................. و فى الواقع أن ذلك التصور الشمسى الجديد لم يكن يألفه المصرى القديم من قبل ، فهنا نرى الملك ( إخناتون ) و هو يقوم بإبعاد جميع الآلهة عن الرحلة الشمسية ، و لم يكتفى بهذا الحد ، بل أزال كل الصور الأسطورية القديمة من النصوص و المناظر الشمسية الجديدة ، فلم تعد هناك أم تلد إله الشمس فى جوف السماء ، و لاوجود لمرضعة تقوم بتربيته و رعايته ، و لم تعد هناك مملكة للأموات تهبط إليها الشمس فى عالم سفلى ، و مما لاشك فيه أن هذه التصورات الجديدة كانت بمثابة تجديد عقائدى لم يعهده المصرى القديم قبل عصر العمارنة ، و كانت هذه الأفكار ترتكز على أن آتون يخلق العالم كل يوم بفضل شروق الشمس و نشر أشعتها على الأرض، فنقرأ فى أناشيد العمارنة : ( البشر يستيقظون صباحا فيغسلون أجسادهم و يرتدون ملابسهم و يذهبون إلى أعمالهم و الحيوانات تقفز هنا و هناك و تصعد الطيور محلقة فى الهواء هنا و هناك و يتحرك السمك فى الماء ) ...... و نجد هنا أن المعنى اللاهوتى الشمسى يكمن فى إعتبار الحياة ( نعمة من الإله - آتون - الذى يحافظ على إنسجام و توافق جميع المخلوقات التى تخضع لنور الشمس كل يوم ) فمن يسقط عليه ضياء الشمس فهو من خلق ( آتون ) ينعم بفضله فى الحياة .
عطفا على ماسبق ، يمكن القول بأن مفهوم الظلام فى اللاهوت الشمسى الجديد لم يعد له وجود ، فالظلام هو أصل الشر و الكوارث التى تقع فى عالم الدنيا ، ( فالأسود تخرج من عرينها ، و الثعابين تنتشر فى الحقول ، و يعبث اللصوص فى جنح الظلام ) و من هنا وجه الملك نقدا غير مباشر لعقيدة ( الإله آمون ) فى أناشيده ، فلم يكن ذلك المعبود سوى تجسيد لمفهوم ( الخفاء ) ، فإسمه الدينى المركب ( آمون رع ) يعنى حرفيا : خفاء الشمس ، و لم يكن هذا التصور يتناسب مع معطيات عصر العمارنة ، فخفاء الشمس فى الظلام يعنى وقوع المصائب و انتشار الجرائم و توقف مخلوقات آتون عن النشاط و الحركة ، كما تجاهل الملك دور ( المعبود أوزير ) فى العالم الآخر ، فلم نعد نرى المتوفى ماثلا أمام المحكمة الأوزيرية و لم يصبح أوزير مسيطرا على عالم سفلى ( دات ) و لا وجود ( لحقول إيارو ) يتنعم فيها المتوفى ، و من هنا نؤكد على إنكار الملك لمفهوم دينى قديم يرى أصحابه أن الشمس تتجدد فى ظلام عالم ( الدات ) السفلى بعد غروبها ، فلم يعد المظهر الليلى للشمس هو سبب نشاطها و تجديدها الباعث على شروقها فى صباح اليوم التالى ، و لكنها - طبقا لعقيدة العمارنة - تغيب حتى تستريح حيث تظل الشمس عند الأفق الغربى فى حالة ( راحة و إستقرار ) و لايعلن الملك أى شىء عن مصيرها و كيفية إنتقالها من الأفق الغربى و حتى شروقها من الأفق الشرقى ، و لكن ينبغى لنا أن نشير إلى تجدد دينى هام : ( إن الخطاب الملكى للعمارنة لم يتحدث عن بقاء الشمس فى عالم سفلى ، و لكنها تستقر فقط فى - آخت أتون - أى فى عاصمته الدينية و السياسية الجديدة ) فمن يدفن فى رحاب العمارنة فهو فى أفق آتون ينتظر شروقها حتى يستيقظ فى عالمه الآخر .
و لايجب أن نغفل التجديد الدينى الذى نادى به الملك فيما يتعلق بمصير الموتى فى العالم الآخر و فقا لرؤية المعتقدات الشمسية الجديدة ، لقد كانت مملكة الموتى تقع فى معبد ( آتون ) فى مدينة العمارنة ، فعندما يشرق ( آتون ) فى الصباح فهو يملأ المعبد بضوئه و وجوده الدائم و من هنا يتلقى القرابين من المقدمة من الملك و زوجته و يفى بإحتياجات كل من الأحياء و الأموات و لذلك نقرأ فى نقوش مقابر كبار رجال الدولة فى العمارنة أن أرواح الموتى تستدعى من مقابرها لكى تذهب إلى المعبد فتستقبل غذائها هناك ، بينما يستمر آتون فى إمدادها بأنفاس الحياة الضرورية و لاشك أن هذا الدور الجديد للروح التى تدخل المعبد فى حرية و تقدر على تلقى كل أنواع القرابين هو و ضع خاص لفترة العمارنة . إن المعتقدات الشمسية الجديدة لعالم الموتى يكمن لنا تلخيصها بمنتهى البساطة كالتالى :
1 - ينام الموتى أثناء الليل فى قبورهم .
2 - يستسقظ المتوفى بفضل أشعة آتون داخل مقبرته فيقف على قدميه و يتعبد له .
3- يخرج المتوفى من المقبرة و يصطحب العائلة الملكية و (آتون ) إلى معبد الشمس الكبير حيث كانت توجد كل المؤن
4 - ينعم المتوفى بغذاء كامل بفضل ( آتون و الملك ) .
5 - يظل المتوفى داخل المعبد إلى أن تخرج العائلة الملكية و تعود إلى القصر الملكى و هنا يتجه المتوفى إلى بيته ( مقبرته ) .
إن عالم الموتى فى العمارنة لم يعد متميزا عن عالم الأحياء ، فكان ( آتون ) النهار يشرق على كليهما ، فما كان يفعله المتوفى خلال حياته فى ( آخت آتون ) ، سيقوم بتأديته أيضا فى حياته الأخرى ، و أن حياة الإنسان فى دنياه و آخرته تعتمد فقط على ( الضياء ) ، فالنور الشمسى هو مبدأ النجاة و وسيلة الإنقاذ الوحيدة و كان ذلك هو إكتشاف الملك فى عصر العمارنة .





الجمعة، 21 أكتوبر 2011

المعنى الأسطورى لرحلة الشمس فى عصر الدولة الحديثة

بسم الله الرحمن الرحيم

( المعنى الأسطورى لرحلة الشمس فى عصر الدولة الحديثة )

............................... صاغ كهنة طيبة فى عصر الدولة الحديثة تصورات فكرية متعددة عن مسار الشمس الكونى و سجلوا تفاصيل هذا المسار على جدران مقابر وادى الملوك ، فاتجهوا نحو تصوير إله الشمس ( رع ) فى رحلتين على متن قاربين : الأولى نهارية تبحر فى عالم سماوى و الأخرى ليلية تجرى فى عالم سفلى . و إتجه أنصار الفكر الشمسى فى طيبة إلى تمييز كل مرحلة من مراحل مسار الشمس بمعنى دينى محدد ، فكانت ولادة رع من جوف السماء فى الصباح الباكر تعنى ولادته من رحم أمه الإلهة ( نوت ) حتى يضىء الدنيا بأكملها ثم صورته المتون الشمسية فى هيئة طفل وليد يحتاج للرضاعة من قبل الإلهات المرضعات و ماأن لبث شابا ، حتى إعتلى عرش مصر فأصبح حاكما عليها الأمر الذى إستوجب الإحتفالات فى البلاد بأكملها ، فهلل و صفق له البشر و الآلهة .
كما أشارت متون هذه الرحلة إلى مواجهة كونية تتم بين ( رع ) ذاته و عدو مجسد فى هيئة ثعبان يدعى ( عبب ) يعمل على إعاقة مركب الشمس فى رحلتيها النهارية و الليلية ، فيشترك كل من الآلهة و الآلهات المصاحبة لرع فى القضاء على ذلك الثعبان ، فهو يجسد عنصرين : 1 - خطر كونى يكمن فى توقف حركة الزمن مما يعنى القضاء على الكون . 2 - ( عبب ) هو أصل الشر و الأخطاء التى يقضى عليها ( رع ) بنفسه .
تنتهى هذه الرحلة النهارية بعودة ( رع ) مرة أخرى إلى رحم أمه الإلهة ( نوت ) فيستبدل قاربه النهارى ( معنجت ) بقارب أخرى ( مسكتت ) و يتم رحلته الليلية الأخروية فى عالم سفلى و صفته النصوص بأنه عالم ماقبل الخلق حيث يهيمن فيه عنصران : الظلام و المياه الأزلية الأولى ( نون ) . إن هبوط رع إلى ذلك العالم لا يعنى سوى موته المؤقت أو بمعنى أدق كمون و توقف فعاليات الشمس عن أداء دورها فى عالم النهار و لو إلى حين حتى صباح اليوم التالى . و عندما يقتحم عالم مملكة الموتى السفلى فإنه يباشر وظيفته هناك كحاكم تماما مثلما كان يؤديها فى دنياه النهارية . و ينبغى لنا أن نشير إلى حقيقة ثابتة : إن هبوط ( رع ) إلى تلك المملكة لم يكن أمرا إعتباطيا ، بل كان يهدف إلى تجديد هيئة و دورة الشمس ذاتها فى العالم السفلى ، فالموت هو جزء من الحياة طبقا لمقتضيات العقيدة المصرية القديمة ، و هناك يظهر ( رع ) ك ( با ) بمعنى روح و يتحد و يتحد بجسده الميت الذى لم يكن سوى الإله ( أوزير ) و من هنا يعود ( أوزير ) إلى الحياة من جديد فى عالمه السفلى ، و أخيرا تنتهى الرحلة الشمسية الليلية بإنتصار الشمس على جميع أعدائها و ولادتها من جديد فى الصباح . نستشف مما سبق أن و ظيفة معبود الشمس ( رع ) من خلال رحلتيه الكونيتين تعكس دور الملك سياسيا على أرض مصر ، فالأحداث الكونية للشمس تتطابقمع الأحداث الأرضية التى يقوم بها الملك على الأرض ، فإنتصار الشمس على أعدائها يعنى عدد من الأمور الهامة و هى : 1 - إنتصار ( النظام الملكى ) على ( الفوضى المدمرة ) التى يسببها أعداء مصر .
2 - تغلب ( الخير ) على ( الشر ) ، فتتم مقاضاة الشر من خلال محاكمة أخروية أوزيرية مما يؤدى إلى إنتصار الخير ، أو بمعنى أدق ينتصر ( رع ) فينتشر ( الضياء ) فى العالم و يقضى على ( الظلام ) ، فالضياء هو ( الخير ) و الظلام هو ( الشر ) ، فيصبح العالم بأكمله بعد أن كان له قيمتين هما ( الخير و الشر ) ، ذو قيمة واحدة سائدة و هى ( الخير ) و هذا يعنى أنه أصبح قابلا للإستقرار و السكن و المعيشة .
3 - إنتصار إله الشمس بصفته ملك مصر يعنى أن الحاكم لايقول و لايفعل إلا الحق ، فتستقر ملكيته الدنيوية و الأخروية إلى الأبد و يستقر معها النظام الكونى .
4 - انتظام المسار الشمسى يؤدى إلى تأدية الملك لدوره الأخطر على الإطلاق تجاه شعب مصر و هو : ضمان التموين الغذائى للجميع ، فلا تحدث أزمات أو مجاعات .
5 - إن سلامة المسار الشمسى تؤدى إلى تسيد و هيمنة حب البشر لبعضهم البعض مما يساعد على خلق علاقات إجتماعية طيبة بين شعب مصر فلا وجود للقتل أو الكذب أو البغض
6 - أما المعنى الدينى فيكمن فى تغلب الشمس على موتها المؤقت و إعادة ولادتها من جديد مما يجعل مسارها نموذجا و هدفا لجميع المصريين ، فيتمنون لو يتحدوا بها أو يشاركوها فى رحلتها على أقل تقدير .

الاثنين، 17 أكتوبر 2011

ماهية الطقس الدينى

بسم الله الرحمن الرحيم

( ماهية الطقس الدينى )

................................ يرسم المعتقد الدينى صورا ذهنية واضحة و قوية عن ( العالم القدسى ) ، و لكن الأفكار وحدها لا تصنع دينا حتى لو كانت واضحة و قوية التأثير ، بل تشكل فى أفضل الأحوال ( فلسفة ) ، رغم عنايتها الكلية بالمسألة الدينية . إن أى معتقد دينى إذا إفتقد إلى ( نظام طقسى كامل ) ، فهو يظل مجرد ( معتقد مثالى ) و يبقى ( العالم القدسى ) صورة ذهنية باردة تعيش فى عقول أتباع هذه الفسفة لا فى قلوبهم . إننا هنا لا نتحول من ( الفلسفة ) إلى ( الدين ) إلا عندما يدفعنا ( المعتقد الدينى ) إلى ( سلوك ) و ( فعل ) ، فننتقل من ( حالة التأمل ) إلى ( حالة الحركة ) ومن هنا تظهر أهمية ( الطقس الدينى ) .
فالطقس يحرك الإنسان من ( التفكير فى العالم المقدس ) إلى ( إتخاذ موقف عملى إيجابى ) تجاه ذلك العالم ، فيقترب من ( كائن ماورائى متعالى ) لكى يسترضيه أو يسخر قوى ذلك الكائن لمصلحته أو لكى يجعله يكف غضبه عنه . فإذا كان المعتقد الدينى ( حالة ذهنية ) ، فإن الطقس ( حالة فعل ) ، و إذا كان المعتقد مجموعة من الأفكار المتعلقة بعالم المقدسات ، فإن الطقس هو مجموعة من الأفعال المتعلقة بكيفية التعامل مع ذلك العالم . و يمكن القول بأن أى صورة ذهنية لا تخرج من عالم الفكر إلى عالم الفعل هى صورة معرضة للتحجر و التلاشى و الزوال .
و لايقام الطقس الدينى إلا فى ظروف خاصة ، فينعزل الإنسان عن ( العالم الدنيوى االغير مقدس ) و يقتحم عالم آخر يتسم بطبيعة ( شديدة القداسة ) ، و عندئذ يستطيع أن ( يفتح قنوات إتصال مع ذلك المقدس المتعالى ) فيتصور أنه فى معيته و فى حضرته . و لاشك أن الطقس يعبر عن المعتقد الدينى ، فهو يكشف عن ( مغزى المعتقد نفسه ) فيعمل على توضيحه و تفسيره بالنسبة للمؤمن به . و نرى أن الطقس لا يتم إلا فى ( إطار جمعى ) يعبر عن أهداف الجماعة و من هنا لابد أن يتفق جميع أعضائها على كيفية إقامته و لا يجوز أن يخالف فرد ما من الجماعة كيفية إقامة الطقس بالصيغة المتفق عليها ، فالطقس هو ( خبرة دينية جماعية ) فى المقام الأول و الأخير .
إستنادا إلى ماتقدم يمكن القول بأن الطقس و المعتقد يتبادلان الإعتماد على بعضهما البعض ، فرغم أن الطقس يأتى كناتج لمعتقد معين يعمل على خدمته ، إلا أن الطقس نفسه مايلبث حتى يعود إلى التأثير على المعتقد فيزيد من قوته و تماسكه ، بما له من طابع جمعى يعمل على ( تغيير الحالة الذهنية و النفسية للأفراد ) . و هذا الطابع هو الذى يجدد حماس الأفراد و يعطيهم الإحساس بوحدة إيمانهم و قوة معتقداتهم . فالطقس رغم قيامه على مجموعة من الحركات و التراتيل المرتبة و المنظمة مسبقا ، و التى تم القيام بها مرارا و تكرارا ، إلا أنه يبدو جديدا كلما أكدت الجماعة على الأداء المشترك له . و لهذه الأسباب يظهر الطقس لداسى الحضارات و الأديان بإعتباره أكثر عناصر الظاهرة الدينية بروزا ، لأن الدين ليس نظاما من الأفكار بل نظاما من الأفعال و السلوكيات و المؤمن بأى دين ليس إنسانا قد أضاف إلى معارفه مجموعة من الأفكار الجديدة ، بل هو إنسان يسلك و يعمل بتوجيه من هذه الأفكار .

ماهية المعتقد الدينى

بسم الله الرحمن الرحيم

( ماهية المعتقد الدينى )

........................................... إتجهت آراء علماء الأديان و الأنثروبولوجى فى الآونة الأخيرة نحو تحديد معنى المعتقد الدينى بعد دراسة عميقة فى تاريخ الأديان الإنسانية و أدركوا أن المعتقد الدينى يتكون بعد مواجهة بين ( الإنسان ) و ( كائن علوى مقدس ) يسكن فى ( عالم ماورائى غير منظور ) ، و تتمثل هذه المواجهة فى تأمل الإنسان لما يحدث حوله من ظواهر و أحداث طبيعية و كونية و تاريخية ، و ما أن يتم هذا التأمل و الإدراك لوجود ( كائن فائق متعالى ) فى أعماق النفس الإنسانية ، يتدخل عقل الإنسان من أجل صياغة و تكوين مفاهيم من شأنها أن تضع هذه ( التجربة الداخلية ) فى ( العالم الخارجى ) و يتم تشكيل ( المقدس المطلق ) فى ذلك العالم ، و عند ظهور ذلك المقدس فى عالمنا الخارجى ، يبدأ الإنسان فى الإتجاه نحوه و تتكون الصيغ الأولى للمعتقد الدينى حول ذلك المقدس ، و هنا ندخل نحو ذلك الهيكل الكبير الذى ندعوه بإسم ( الدين ) .
و المعتقد الدينى هو شأن جمعى بالضرورة ، فهو يتشكل من خلال ( عقول الجماعة ) ، فتعمل على صياغته الأولى ، كما تعمل الأجيال اللاحقة على صقله و تطويره ، إلا أن أهل الحضارات القديمة لم يشيروا أبدا إلى هوية الأشخاص الذين أخذوا منهم معتقداتهم ، فشعوب مصر و سومر و كنعان و اليونان لم تذكر لنا شيئا عن صدور معتقداتها الدينية عن كاهن أو عراف أو متنبىء من أى نوع . و لم يفكر أهل هذه الحضارات فى البحث عن مصدر هذه المعتقدات الدينية لأنها تعكس ( حقائق أزلية ) لا يجوز مناقشتها ، فإذا كان لابد من تصور وجود بداية لهذه المعتقدات ، فهنا يتدخل ( عقل الجماعة ) و يضع هذه البدايات فى ( زمن أسطورى أزلى ) سابق لظهور الإنسان نفسه . و كما أوضحنا ، إن المعتقد الدينى ينبغى أن يكون جمعى لسببين : 1 - من غير الممكن أن يقوم كل فرد من أفراد الجماعة بصياغة و تشكيل معتقد خاص به بما يستدعى ذلك من سلوك و أفعال سوف تتضارب حتما مع مايبادر به الآخرون . 2 - أن دوام و إستمرار أى معتقد يتطلب إيمان عدد كبير من الأفراد به و إلا إندثر و فقد تأثيره حتى فى نفس صاحبه ، ومن هنا نفهم لماذا يسعى مؤسسوا الأديان و أصحاب الفلسفات الكبرى إلى التبشير بأفكارهم بين الناس و حثهم على إعتناقها ، ذلك أنهم يجدون فى هذا السعى ضمانتهم الوحيدة لحياة معتقداتهم و إستمرارها .
و هذا مايقودنا إلى إقرار حقيقة ثابتة : و هى أن ( الآلهة ) التى تظهر فى ( المعتقدات الدينية ) للحضارات المختلفة هى فى حاجة إلى البشر تماما كحاجة البشر إليها ، فآلهة الإنسان القديم كانت تستمد حياتها من الناس الذين يحملون أفكارهم عنها ، كما كان الناس يستمدون منها طاقة روحية تعينهم على الإستمرار فى الحياة ، فما تحتاجه الآلهة أولا من الناس هو الأفكار ، أى أفكار البشر عنها ، ثم تأتى العبادات و الطقوس فى المرتبة الثانية لكى تؤكد كل الأفكار و المفاهيم التى تخص هذه الآلهة التى تظهر من خلالها .
يتألف المعتقد الدينى من عدد من الأفكار الواضحة المباشرة و تعمل هذه الأفكار على رسم ( صورة ذهنية لعالم المقدسات ) و توضح الصلة بينه و بين ( عالم الإنسان ) و غالبا ماتصاغ هذه الأفكار فى شكل تراتيل و صلوات و أناشيد تعكس الصورة الحقيقية لذلك ( المقدس ) و يعمل أصحابه على نشره و ذيوعه بين الجميع حتى يجتذب أكبر عدد ممكن الأتباع . ( المقال القادم عن ماهية الطقس الدينى )

الخميس، 13 أكتوبر 2011

الملكية فى العصر العتيق - مسئولية و إنجازات

بسم الله الرحمن الرحيم


( الملكية فى العصر العتيق - مسئولية و إنجازات )

.............................. حظيت الملكية فى مصر القديمة بإهتمام علماء المصريات و صدر العديد من المراجع و المقالات العلمية التى تناولت الجوانب المختلفة للشخصية الملكية من ألقاب و أعياد ( إلخ......) و ركزت معظم الدراسات على ( قداسة شخصية الملكية ) مدفوعين فى ذلك بما شاع تصويره على الآثار من مناظر توضح الملك فى علاقاته المختلفة مع الآلهة كذلك ماجاء فى النصوص من ( تبجيل و تعظيم مفرط لشخصية الملك ) و خلص الكثير من العلماء إلى ( غلبة الشكل المقدس ) و أنه يعد نواة الملكية و جوهرها . إلا أن الدارس يختلف مع النتائج السابقة و ينحو منحى آخر فى هذا المقال و من هنا يفضل الدارس أن بقصر دراسته الموجزة على نشأة الملكية فى العصر العتيق نظرا لأهمية تلك الفترة التى تبلورت فيها كل أو معظم الأساسيات الفكرية و العملية للحضارة المصرية و لذلك أطرح على القارىء الكريم التساؤلات التالية : هل قداسة الملك منذ بدايات العصر العتيق ناجمة عن كونه يتمتع بقدرات فائقة عن البشر ؟ أم أن هذه السمات الخارقة التى نسبها إليه أتباعه كانت بهدف تحقيق مسئولياته و واجباته تجاه الرعية ؟ و كيف إستطاع ملوك مصر منذ العصر العتيق إقناع الشعب بقداستهم المزعومة ؟
تشير أسماء ملوك الأسرة ( صفر ) و بداية الأسرات إلى أن ( القوة و الهيمنة ) هما النواة التى تبلور حولها مفهوم الملكية منذ العصر العتيق ، فقد تسمى عدد من زعماء الأسرة ( صفر ) و ملوك بداية الأسرات بأسماء تحمل معانى ( القوة و القتال و الهيمنة ) مثل ( التمساح ) و ( العقرب ) و ( المحارب ) و ( الثعبان ) و ( المرعب ) ...... إلخ . كما أن اللقب الحورى إرتبط منذ البداية بصفات أشارت للملك على أنه ( قوى الساعد ) و ( الفحل القوى ) ، مما يعنى ( الملكية فى العصر العتيق كان قوامها القوة و أن القداسة عنصر يكمل الشكل ) و إستقر منذ العصر العتيق أن الملك هو شخصية مسئولية مدركة لأبعاد المهام المكلفة بها عاملة بدأب و إصرار على الإيفاء بمتطلبات المنصب .
أما بالنسبة للقوة الملكية ، فينبغى أن نشير إلى حقيقة لا مراء فيها : أن الملكية منذ نشأتها الأولى خلال عصر الأسرة ( صفر ) كان جوهرها ( القوة القادرة على تحقيق الإنجاز المذهل ) ذلك أنها مصعدة من ( بعض الصراعات الإقليمية كانت الغلبة فيها للأقوى ) و أن الشكل المقدس و الذى حظى بإهتمام زائد لا يمثل إلا ( القشرة الخارجية ) التى غلفت الملكية لإستكمال المظهر كى يتلائم مع خطورة المنصب و مسئولياته و بمعنى آخر : إذا لم يستطع الملك القيام بأعباء المنصب و إظهار قوته المتمثلة فى تحقيق الإنجازات سقطت عنه قداسته الشكلية و فقد شرعيته .
و مما لاشك فيه أن أقدم واجبات المنصب الملكى سجلت على ( حجر بالرمو ) حيث دونت رحلة هامة تخص ملوك العصر العتيق تعرف برحلة ( الشمسو حور ) أى جولة أتباع حورس - حكام الأقاليم - ، وكانت تمثل حادثة ثابتة تتم مرة كل عامين و هى عبارة عن رحلة نيلية يقوم بها الملك بصفته ( حورس ) مع أتباعه من حكام الأقاليم يتفقد خلالها أقاليم مصر المختلفة تتعلق بجباية الضرائب و الإطمئنان على إستقرار الأحوال و دقة تنفيذ القوانين بل و تزويد و إعطاء كل إقليم بما يحتاجه من مستلزمات إقتصادية و مشاريع زراعية مما يعنى أن هناك حاجة إلى إقرار الأوضاع و أن هذا كان يتم بمشاركة شخصية من الملك بإعتباره المسئول الأول عن إرساء النظم و الأمور فى مصر .
إن أول الأعياد الملكية المعروفة منذ عصر ماقبيل الأسرات و بداية العصر العتيق هو ( الحب سد ) و يترجم إصطلاحا ( العيد الثلاثينى ) و يختص بإعادة تتويج الملك بعد أن يتم فترة ثلاثين عاما فى الحكم لكى يجدد شبابه و حيويته مرة أخرى و تتضمن طقوس هذا العيد طقسة ( يرى البعض أنها شكلية و ليست فعلية ) يصارع فيها الملك ثورا قويا ليدلل على ( لياقته البدنية ) و أنه لايزال يتمتع بالقوة التى تؤهله للإستمرار فى الحكم و تحمل أعبائه و ذلك أن شباب الدولة و حيويتها يرتبط بشباب الملك و سعيه و نشاطه مما يعنى أن مصلحة البلاد هى الأساس و تأتى فى المقدمة و أن الملك رغم ماتمتع به من ( قداسة ) و ( سلطة ) فإن تواجده فى الحكم مرهون بقدرته على ( تحمل مسئوليات هذا المنصب ) .

الأربعاء، 12 أكتوبر 2011

الفترة الإنتقالية مابين نهاية الأسرة الأولى و بداية الأسرة الثانية

بسم الله الرحمن الرحيم

( الفترة الإنتقالية مابين نهاية الأسرة الأولى و بداية الأسرة الثانية )


............................ لماذا حددت وفاة الملك ( قاعا ) - آخر ملوك الأسرة الأولى - بنهاية أسرة؟ و لماذا بدأت الأسرة الثانية عندما إعتلى عرش البلاد الملك ( حوتب سخموى ) أول ملوكها ؟ ...... كشفت النتائج الخاصة بتلك الفترة عن وجود حقيقتين جديدتين : 1 - يشير حجر بالرمو إلى حدوث هبوط كبير فى معدل إرتفاع معدل الفيضان السنوى بعد نهاية الأسرة الأولى لذلك يرى البعض أن ذلك كان سببا فى وجود توترات سياسية و إقتصادية واضحة عجلت بنهاية الأسرة . 2 - لا يوجد شك فى وجود ملكين حكما مصر بعد عصر الملك ( قاعا ) أحدهما يعرف بإسم ( با ) و الآخر هو ( سنفر كا ) ، و قد عثر على إسم هذا الأخير فى جبانة النخبة شمال سقارة فى نهايات الأسرة الأولى مما يؤكد أنه تولى مقاليد الحكم بعد ( قاعا ) ، و لكن لايظهر أى من ( با ) و ( سنفر كا ) فى قوائم الملوك اللاحقة ، حيث إعتبرهم خلفائهم غير شرعيين و حذفا من السجل التاريخى ، مما يعكس وجود صراع على السلطة فى نهايات عصر الأسرة الأولى فكان ذلك إيذانا بأفولها .
........................... هل كان ذلك السببان كافيان للإنتقال من الأسرة الأولى إلى الأسرة الثانية ؟ يبدو أن أول ملوك الأسرة الثانية ( حوتب سخموى ) حاول أن يضفى الشرعية الدينية و السياسية على مركزه بالإشراف على دفن سلفه أو على الأقل بتكريم شعيرته الجنائزية حيث كشف حديثا عن أختام ( حوتب سخموى ) فى حجرات القرابين الأقرب إلى مدخل مقبرة ( قاعا ) ، الأمر الذى يعكس أمر هام : أنه أراد أن يؤكد على قيامه بدفن سلفه فاستحق العرش و فقا للتقاليد الدينية المصرية القديمة ، و لكن ذلك أصبح الآن مخالفا للواقع الأثرى ، فوجود أختام ( حوتب سخموى ) فى مقبرة ( قاعا ) ليس دليل فعلى على أنه خلفه مباشرة على العرش و إنما يدل على رغبته فى تأكيد ذلك الأمر لإسباغ شرعية على حكمه و لاسيما بعد إكتشاف وجود ملكين حكما البلاد بعد ( قاعا ) .
......................... و إذا نظرنا إلى أعمال أول ملوك الأسرة الثانية ( حوتب سخموى ) سنجد أنه خرج على التقاليد و هجر جبانة الملوك الأسلاف فى ( أبيدوس ) و إتجه إلى سقارة ( التى ستصبح بدءا من ذلك العصر أقدم جبانة ملكية فى منف ) و لاشك أن ذلك الحدث يمثل تغيرا جوهريا فى السياسة الملكية مما كان أحد الدوافع التى تستوجب تغيير الأسرة و الأدهى من ذلك أن تصميم المقبرة الملكية ( لحوتب سخوى ) فى سقارة إختلف بشكل كامل عن تصميم المقابر الملكية لملوك الأسرة الأولى فى أبيدوس و هو مااستوجبته على الأقل طبيعة طبقة الصخر المختلفة فى سقارة مقارنة بأبيدوس . هل كان إنتقال موضع الجبانة الملكية من ( أبيدوس ) إلى ( سقارة ) يعنى إنتقال مقر الحكم الملكى من ( ثني ) فى الجنوب إلى ( منف ) فى الشمال ؟ تشير الدلائل الأثرية الحديثة إلى إستقرار ملوك الأسرة الأولى فى ( ثنى ) و ليس ( منف ) و أن أول ملوك ( الأسرة الثانية ) إنتقل إلى ( منف ) كمقر حكم جديد مما كان أحد الأسباب التى أدت إلى بداية أسرة جديدة .
......................... و لاشك أن إسم الملك ( حوتب سخموى ) يحمل دلالة دينية و سياسية هامة ، فإسمه يعنى : ( هدأت أو رضيت القوتان ) و هما قوة المعبود ( حورس ) و قوة المعبود ( ست ) ، فسياسة الملك ترمى إلى إرضاء الربين ( حورس ) و ( ست ) طوال فترة حكمه ، فهل الإسم الذى إختاره يعكس وجود صراعات دينية أو سياسية وقعت قبل أن يتولى مقاليد الحكم ؟ لا يستبعد ذلك الطرح و لاسيما بعد أن ظهر على مسرح الأحداث وجود صراعات ملكية سياسية محتملة بين ( حوتب سخموى ) و ( سنفر كا ) و ( با ) ..... فربما ساند أتباع أحد المعبودين ملكا دون الآخر مما نتج عنه صراع بين كهنة ( حورس ) و كهنة ( ست ) ، إلا أن الملك ( حوتب سخموى ) أراد أن يقول أن الربين و أتباعهما رضيا عنه كملك شرعى فاختار إسمه السابق مما كان أحد الأسباب لتغير الأسرة . نستشف مما سبق أن الإنتقال من الأسرة الأولى إلى الثانية لم يكن هادئا ، بل صاحبه نزاعات ذات طابع سياسى و دينى و لذلك نرى أن هذا الإنتقال قد تم بسبب جميع الدوافع التى ذكرت سابقا .

الأسطورة و التاريخ

بسم الله الرحمن الرحيم

( الأسطورة و التاريخ )


.................................. الأسطورة هى حكاية مقدسة ، يؤمن أهل الثقافة التى أنتجتها بصحة و صدق أحداثها ، فهى تسجل ماحدث فى الماضى الذى أدى إلى الأوضاع الحالية و من هنا نرى أن هناك صلة قوية بين ( الأسطورة ) و ( التاريخ ) تتمثل فى الرغبة فى الكشف عن معرفة ( أصل الحاضر ) و لكنهما يفترقان فى ( القيمة ) الى نسبغها على ذلك الأصل । فهو ( أصل مقدس ) عند الأسطورة و ( أصل دنيوى ) يخلو من القدسية عند التاريخ ، و بتعبير آخر إن الأسطورة تنظر إلى التاريخ بإعتباره ( تجلى للمشيئة الإلهية ) ، أما التاريخ ينظر إلى الأحداث و الوقائع على أنه ( تجلى للإرادة الإنسانية ) ، و هذ يعنى أننا أمام نوعين من التاريخ : التاريخ المقدس و التاريخ الدنيوى .
و لكن يجب أن نعى جيدا أن التاريخ المقدس يقتصر على سرد كيفية ( التجلى الإلهى ) فى الزمان و المكان الدنيويين و الكشف عن فعاليات ( الكائنات الماورائية الغيبية ) فى زمن عتيق يوصف دائما ب ( الزمن الأول ) . إن كل فعل من أفعال الإنسان ، بالنسبة للفكر الأسطورى ، لا يتمتع بقيمة ذاتية حقيقية ، بمعنى أن الإنسان يظهر فى الأسطورة على أنه ( غير متحكم فى مصيره ) بل أن كل أفعاله هى ( خطة رسمتها الآلهة ) ، فالجنس البشرى محكوم عليه بالكد و المشقة لأن الآلهة قد خلقته ليحمل عبء الكدح عنها ( طبقا لما ورد فى أساطير بلاد الرافدين ) و الكتابة المصرية القديمة لم تكن سوى إختراع من الإله ( جحوتى ) ثم هبها للمصريين ( طبقا لما ورد فى أساطير العصر المتأخر فى مصر ) .
إن مفهوم التاريخ لم يظهر فى الفكر الإنسانى الحديث إلا عندما بدأ الإنسان يضع ( الأفعال البشرية ) كمحرك حقيقى للأحداث محل ( مشيئة الآلهة ) . إن التاريخ الأسطورى لا يهتم إلا بالأحداث التى تصور تدخل ( عالم الآلهة فى عالم البشر ) و هو يغفل تماما ( الأحداث الدنيوية العادية ) التى صنعها الإنسان لأنه لايرى فيها أى جدارة أو إستحقاق لكى يسجلها فى الذاكرة فإذا ماحاول الفكر الأسطورى أن يتحدث عن حادثة تاريخية و بطل تاريخى ، فإن ذلك لن يحدث إلا عن طريق و ضعهما فى ( إطار أسطورى ) حيث تعمد الأسطورة إلى نزع ( الصفة الدنيوية البشرية ) عن البطل التاريخى و وضعه فى إطار ( إلهى مقدس ) و تتحول ( الواقعة التاريخية ) بأكملها إلى ( واقعة دينية مقدسة ) .
إن الأشخاص التاريخيين و الأحداث التاريخية بشكل عام ، لا يرسخون فى ( الذاكرة الحضارية ) للمجتمع إلا لفترة و جيزة من الزمن ، لا يلبث بعدها أن يتلاشوا من من ( ذاكرة الجماعة ) و يتغير و جههم بفعل ( الأسطورة ) . إن عناية الإنسان القديم بالتاريخ المقدس و تجاهله التاريخ الدنيوى ، قد دفعه إلى تجاهل دوره تماما فى ( حركة التاريخ ) ، فهو ينسب للآلهة كل ( الإنجازات الحضارية ) التى قادت إلى عملية التقدم و الرقى ، ( فالإله ) لا ( الإنسان ) كان أول فلاح و أول راعى و أول من صنع الزبدة و الجبن و أول من طحن و خبز الخبز و أول من صنع المحراث . و نستشف من ذلك أن الإنسان القديم كان يجهل ( أصول إبتكاراته الحضارية ) و علاوة على ذلك لم يكن يعرف الكثير عن أصل و تطور و نمو المدن و المعابد التى شيدها أسلافه الأولون ، و كان يعتقد أن مدنه التى يسكنها قد بنتها الآلهة فى سالف الزمان و سكنت فيها قبل أن يسكنها البشر و بنت لأنفسها معابد تقدس فيها ، ألم يكن التصميم المعمارى لمعبد إدفو هو ( كتاب هبط من السماء إلى شمال مدينة منف ؟ ) ، فإذا كان للإنسان بعد
ذلك أن يباشر أى فعل بشرى خلاق ، فإن الفعل يسير على غرار فعل سابق مشابه قامت به الآلهة و هو إذ يشيد معبدا أو مدينة ، فإنما يفعل ذلك و فق صورة مسبقة رسمتها الكائنات العليا

الثلاثاء، 11 أكتوبر 2011

إبن آوى منذ عصور ماقبل الأسرات و حتى نهاية عصر الدولة القديمة

بسم الله الرحمن الرحيم

( إبن آوى منذ عصور ماقبل الأسرات و حتى نهاية عصر الدولة القديمة )



........................ يعتبر إبن آوى من الكلبيات البرية التى تسكن الصحراء القريبة من الوادى ، وقد إشتهر بمهاجمة الجبانات لأكل الجيف و من هنا إرتبط بعدد من الآلهة الموتى و عالم الغرب . و قد أدى وجود هذا الحيوان فى المنطقة التى على الحافة بين الصحراء و الوادى ، بين العالمين البرى و المنظم ، عالم الموتى و عالم الأحياء ، إلى إقترانه بفكرة الإنتقال من عالم إلى عالم منذ عصور ماقبل الأسرات . و يرى البعض أن المصرى القديم قدس ذلك الكائن درءا لخطره المتمثل فى الهجوم على الدفنات و أكل الجيف إلا أن ذلك لم يكن هو الدافع الوحيد لتقديس إبن آوى ، فقد لاحظ المصرى القديم منذ عصور الترحال بقدرة إبن آوى الفائقة على العدو بسرعة مذهلة فى دروب و طرق الصحراء فلا يتيه فيها أبدا و لذلك ظن المصرى القديم أن الصحراء بدروبها و ممراتها هى مملكة إبن آوى ( الخبير و العارف بكل أسرارها ) ، كما إشتهر بمقدرته على الصيد داخل الصحراء حيث إعتمدت عليه جماعات الترحال فى العصر الحجرى الحديث فى غذائها فكان يحضر لهم الحيوانات البرية المستئنسة و لذلك سيظهر فى بداية العصر العتيق على أنه المتكفل بإحضار القرابين للملك الحاكم فى عالمى الدنيا و الآخرة ............ إن أقدم الإشارات التى تدل على وجود تقديس لإبن آوى ظهر فى حضارة البدارى منذ بدايات العصر الحجرى النحاسى فى مصر ( 4000 ق.م ) ، حيث عثر علماء ماقبل التاريخ على عدد من دفنات إبن آوى المكفنة تماما كدفنات الآدميين هى و مجموعة أخرى من الحيوانات ، الأمر الذى يدل على إحتمالية وجود شعائر و طقوس وجهت لذلك الحيوان فى البدارى . و منذ بداية عصور ماقبل الأسرات ظهرت رسوم تخطيطية بسيطة تمثل حيوانات إبن آوى على فخار حضارة نقادة الأولى ( من 3900 ق.م و حتى 3600 ق.م ) المعروف بإسم الفخار ذى الخطوط البيضاء المتقاطعة ، و فى عصر نقادة الثانية ( 3600 ق.م و حتى 3200 ق.م ) يبدوا أنه قد إتخذ هيئة و سمة المعبود بشكل صريح حيث بدأت تصنع مجموعة من التمائم تصوره كمعبود و من هنا إنتشرت تمائمه على سبيل المثال لا الحصر فى المستجدة و شرق الدلتا و نقادة و ربما كانت تقام له شعائر بشكل منتظم فى تلك الفترة . و سرعان مارتبط هذا المعبود بالملكية فى نهايات عصر نقادة الثالثة - الأسرة صفر ( 3200 ق.م و حتى 3000 ق.م ) حيث ظهر ضمن ألوية المعبودات المنقوشة على مقمعتى ( العقرب ) و ( نعرمر ) ممثلا لمعبود سيعرف فى بداية الأسرات بإسم ( وب واووت ) و يعنى إسمه فاتح الطرق و صوروه على هيئة إبن آوى القائم أو الراكض و أسند له أنصاره و ظيفتين :
1 - أصبح إبن آوى الراكض و لأول مرة مرتبطا بفتح الطرق للملوك خلال المعارك العسكرية فهو ( فاتح طرق الصحراء ) لتحقيق النصر للملوك و من هنا أصبح ( وب واووت ) يرتبط دوره بالملكية الدنيوية و ليس فقط الأخروية .
2 - تمثل دوره الثانى فى وظيفته التى عرفوها عنه منذ عصور ماقبل الأسرات ، فهو العارف بدروب الصحراء ( جبانة الموتى ) ، فأصبح يفتح طرق الأبدية للمتوفى ، فمن يظل فى صحبته لايضل الطريق أبدا فى ممرات و دهاليز العالم الآخر .
و جدير بالذكر أن كبير كهنة ( وب واووت ) فى العصر العتيق كان هو ذاته ولى العهد المرشح لتولى حكم البلاد بعد وفاة أبيه و لذلك كان هو نفسه الشخص الذى يتولى الإشراف على دفن الملك فى بداية الأسرات و عندما ظهرت الإرهاصات الأولى للأسطورة الأوزيرية رسميا فى نهايات عصر الأسرة الخامسة أشارت بعض متون الأهرام إلى أن ( وب واووت ) هو إبن الملك المتوفى ( أوزير ) الذى يقوم بتحنيطه! ثم جاء كهنة أوزير فى عصر الدولة الوسطى و إعتبروا ( وب واووت ) هو ( الإبن الأول ) لأبيه ( أوزير ) متجاهلين تماما المعبود ( حورس ) !! الأمر الذى يعنى أن كهنة ( أوزير ) إستلهموا موروثات ملكية واقعية لنسج أسطورة ربهم . .................................. و لم يكتفى أتباع ( إبن آوى ) بالهيئة الأولى التى عرفت عنه فى نهايات ( الأسرة صفر ) بل نسبوا إليه هيئة أخرى إشتهر بها فى ذات الفترة و هى هيئة إبن آوى الرابض و أطلقوا عليه لقب ( خنتى إمنتيوا ) بمعنى ( أول الذين فى الغرب ) و يشير إلى أنه يقف كأول كائن عند حافة الصحراء ( = الجبانة ) لكى يستقبل المتوفى فى مملكة الغرب و يرحل به نحو العالم الآخر .
و يطمح هذا المقال إلى الكشف عن أقوى الأدوار الدينية التى نسبت ( لإبن آوى ) فى ( عصر نقادة الثالثة - الأسرة صفر ) ، فقد ظهر فى صلايات تلك الفترة و هو يحيط بقرص الشمس من جميع الجهات تارة ، و رافعا لقرص الشمس تارة أخرى الأمر الذى يعنى بداية وجود صلة و علاقة دينية بين الديانة الشمسية و عقيدة ( إبن آوى ) فى تلك الفترة فى إطار الملكية الناشئة للأسرة ( صفر ) ، فقد إعتبر من الحيوانات المدافعة عن الشمس خلال رحلتها فلا يصيبها أى ضرر عند رحيلها نحو العالم الآخر فقد رأى المصرى القديم و قوف ذلك الحيوان عند قمم و مرتفعات الجبال فاعتقد أنه يقوم بحماية الشمس عند غروبها مابين الجبال و ربط بين ذلك المشهد و قدرة إبن آوى على الحركة بسرعة مذهلة داخل الممرات و الدروب الجبلية
و لذلك إعتبروه الأفضل على الإطلاق لحماية الشمس الغاربة .
و عندما إستقرت الصيغة التقديسية لإبن آوى فى عصر نقادة الثالثة - الأسرة صفر ، أصبح مقر عبادته الرئيسى ك ( خنتيى إمنتيوا ) فى ( كوم السلطان ) فى ( أبيدوس ) بجوار الجبانة الملكية لملوك الأسرة ( صفر ) فى ( أم الجعاب ) كما إستقرت عبادته الرئيسية ك ( وب واووت ) فى ( أسيوط ) . و من خلال حفائر البعثة الألمانية فى أبيدوس ، عثر ( جونتر دراير ) على طبعتى ختم دونت عليهما أسماء ملوك الأسرة الأولى بداية من ( نعرمر ) - آخر ملوك الأسرة صفر و حتى الملك ( قاعا ) - آخر ملوك الأسرة الأولى ، و هى تعتبر أقدم قائمة لأسماء ملكية معروفة لدينا حتى الآن و ظهر عليها إسم كل ملك و بجواره صورة المعبود ( حورس ) رب الملكية الأول و ( خنتى إمنتيوا ) الأمر الذى يعكس حقيقة هامة : أنالملك فى عالم الدنيا هو تجسيد ( حورس ) السماء على الأرض و عند وفاته فهو يتقمص هيئة ( خنتى إمنتيوا ) فى العالم الآخر و لم يكن فى تلك الفترة أى وجود رسمى مؤكد للمعبود ( أوزير ) كرب للعالم الآخر فذلك الدور لن ينسب إليه إلا بعد إتحاده ب ( خنتى إمنتيوا ) فى نهايات الدولة القديمة
و نظرا لأهمية ( خنتى إمنتيوا ) و إرتباطه الوثيق بالملكية فقد ورد إسمه 25 مرة فى نصوص الأهرام فى نهايات عصر الدولة القديمة حيث أماطت اللثام عن أدوار و وظائف دينية مختلفة له ، فقد تحدثت الفقرة رقم ( 674 ) عن جلوس الملك على عرش ( خنتى إمنتيوا ) فى العالم الآخر ( كن طاهرا أيها الملك و اجلس على رأس أولئك الذين هم أعظم منك و اجلس على عرش خنتى إمنتيوا ) ، كما أشارت الفقرة رقم ( 556 ) إلى نهوض الملك من رقدته بفضل توحده بإبن آوى ( قدماك هما قدما إبن آوى ، فانهض و ذراعاك هما ذراعا إبن آوى ، فانهض ) و عندما يتوحد الملك بذراعى و قدمى إبن آوى فإنه لايموت أبدا و يظل دائما فى حالة حركة و نشاط . و عندما إتحدت الملكية بالمذهب الأوزيرى و بدأ الملوك يصورون أنفسهم فى شكل المعبود ( أوزير ) فى معابدهم فى نهايات الأسرة الخامسة ، بدأ كهنته يجدون الصلات بين ربهم و ( خنتى إمنتيوا ) فانتحل لنفسه كل سماته و ألقابه و أ دواره و من هنا ظهرت بعد الفقؤات فى متون الأهرام التى تشير صراحة إلى إندماج ( أوزير ) ب ( خنتى إمنتيوا ) حتى أصبح خنتى إمنتيوا يلحق و يوصف كلقب ( لأوزير ) و من هنا أصبح يعرف بإسم ( أوزير خنتى إمنتيوا ) بمعنى أن المعبود الذى يقف فى طليعة مملكة الغرب هو ( أوزير ) و لذلك السبب بدأ كهنة ( خنتى إمنتيوا ) البحث عن بديل آخر لمعبودهم بعد أن أدركوا قوة الديانة الأوزيرية و من هنا ظهر و لأول مرة المعبود ( إنبو - أو - أنوبيس ) فى نهايات عصر الأسرة الخامسة و الذى لم يكن سوى صورة ( خنتى إمنتيوا ) القديمة فكان بديلا له فأعطوه نفس شكله القديم ( ابن آوى الرابض ) و حتى لايصيبه مصير ( خنتى إمنتيوا ) نسبوا إليه وظيفة المحنط لجسد المعبود ( أوزير ) فقام بتطهير أحشائه فى أبيدوس و عندئذ صعد ( أوزير ) نحو السماء طبقا لما ورد فى الفقرة رقم ( 509 ) من متون الأهرام ، و من هنا يضمن أتباع ( أنوبيس ) أن لايلقى نفس مصير ( خنتى إمنتيوا ) بربطه بالديانة الأوزيرية .

الاثنين، 10 أكتوبر 2011

حول مفهوم موت المعبود - ست - منذ بداية عصر الدولة القديمة و حتى نهاية عصر الدولة الحديثة

بسم الله الرحمن الرحيم


( حول مفهوم موت المعبود - ست - منذ بداية عصر الدولة القديمة و حتى نهاية عصر الدولة الحديثة )

........................................ هل آمن المصرى القديم بفكرة القضاء على المعبود ( ست ) و تمكن قدر الموت منه ؟ ......... حفظت لنا الأدبيات المصرية القديمة صورة خاصة عن المعبود ( ست ) فاعتبرته منذ نهايات عصر الدولة القديمة ( قاتل ) أخيه ( أوزير ) و من هنا تم إعتباره لدى شريحة كبيرة من المجتمع المصرى القديم رمزا للبأس و الشدة و الجبروت ، كما نظر إليه البعض فى عصر الدولة الحديثة ( طبقا لبردية شيستر بيتى ) على أنه قام بتهديد المعبودات المتعاطفة مع ( حورس ) ضمن مجمع الأرباب بالقتل ، كما ورد فى نصوص الفصل رقم ( 175 ) من كتاب الموتى إشارة مشابهة مفادها أن المعبود ( آتوم ) قد قام بحبس ( ست ) حتى لايثير الفزع بين الأرباب .
و بالرغم من ذلك فلقد تمتع ( ست ) بالحظوة و الرضاء لدى ( رع ) بإعتباره الرب ( الأوحد ؟ ) الذى يستطيع بحربته الضخمة و هو يقف على مقدمة المركب الليلية لرب الشمس أن يقهر عدو الشمس الفوضوى ( أبو فيس ) طبقا لما ظهر فى مصادر الدولة الحديثة و على أية حال فقد كان يوصف دائما بأنه الأقوى بين أرباب التاسوع و على الصعيد الكونى كان هو رب العواصف و الرعد و البرق و كان وجوده ضروريا لمعادلة و توازن قوى و معطيات البيئة المصرية أو بمعنى آخر ، إذا كان ( أوزير ) هو الطبيعة الخيرة لأرض مصر المتمثلة فى و فاء النيل و الفيضان الهادىء الطبيعى و طين الأرض المخصب ، فإن ( ست ) فى نفس المعادلة يمثل الجانب الآخر المقابل من شراسة و غضبة قوى هذه الطبيعة .
و نحاول هنا قدر الإمكان أن نفهم ماورد فى الأساطير المصرية القديمة حول مفهوم عقاب ( ست ) و القضاء عليه حتى الموت . فهل كان الفكر الدينى فى مصر القديمة يؤمن بالموت الفعلى لذلك المعبود ؟ ................ لقد كان هناك إصرار شديد فى العديد من المصادر المصرية القديمة - بدءا من عصر الدولة القديمة و حتى نهاية عصر الدولة الحديثة - على إستبعاد قدر الموت لرقبة المعبود ( ست ) ، و ربما كانت نصوص الأهرام هى الأكثر صراحة فى التعبير عن ذلك الأمر ، حيث ينص إحداها صراحة كأمنية على لسان الملك يرجو بها تفادى قدر الموت قائلا ( لقد هربت من يوم موتى مثلما هرب ست من يوم موته ) و بالرغم من ظهور ( ست ) فى بعض المناظر المعبرة عن شعائر ( الحب سد ) و هو مقطوع الرأس حيث يتم تثبيتها عند موطىء قدم الملك ، إلا أن مثل تلك الحالات تعبر عن ( ممارسات طقسية ) أكثر منها تعبيرا عن ( عقاب فعلى ) و ينطبق نفس الأمر على حالات أخرى مماثلة حيث لم يكن هنا ( ست ) بذاته من يقع عليه العقاب ممثلا فى هيئته التجسيدية المقدسة ، و إنما هى رموزه الحيوانية التى تحل محله ، فنجد على سبيل المثال فى نصوص الأهرام أن حورس يقوم بذبح عدو ( أوزير ) و سفك دمه و مع ذلك فإن من يقع عليه العقاب هو البدائل الشعائرية الطقسية مثل الثيران و الغزلان و الوعول ، فهى تذبح عوضا عنه . فلم يعتقد المصرى القديم بتغيب ( ست ) عن دنيا الأحياء حتى نهاية عصر الدولة الحديثة ، فلقد كان هناك إحتياج شديد لفعالياته و قدراته كما رأينا بالتحديد فى مصادر الدولة الحديثة و لعلنا نتذكر جميعا أن الرعامسة قد تشبهوا صراحة بذلك المعبود فى ميدان القتال فمن له قدرة القضاء على ثعبان الفوضى( أبو فيس ) الذى يعرقل مركب الشمس يصبح فاعلا فى القضاء على أعداء مصر فى ميدان القتال و لذلك فإن جميع النصوص التى أشارت إلى عقاب و موت ( ست ) تخرج عن ( فعلية التنفيذ ) إلى ( شكلية و رمزية الطقوس و الشعائر ) .

مفهوم الأسطورة فى الحضارات البشرية القديمة

بسم الله الرحمن الرحيم

( مفهوم الأسطورة فى الحضارات البشرية القديمة )

................................... إعتبرت الأسطورة واحدة من أهم ظواهر الحضارات الإنسانية على الإطلاق ، و نظر إليها البعض - عن سوء فهم - على أنها حكاية خرافية مختلقة لا تعكس حقائق تاريخية و تشير إلى طفولية الفكر البشرى فى مرحلة من مراحل وجوده التاريخى فى الأرض و لذلك سيتناول الدارس مفهوم الأسطورة محاولا أن يرد اعتبار الإنسان القديم الذى قام بتأليفها فى فترات تاريخية ماضية لحاجته إليها ، فكانت تعبر عن افكاره الإجتماعية و معتقداته الدينية و علومه الدنيوية و أهدافه السياسية و لذلك و بعد أن قضى الباحث وقتا طويلا فى دراسة علم الميثولوجى يمكن له أن يبدأ بتعريف مبدئى للأسطورة و هو ( حكاية دينية مقدسة تلعب الكائنات الماورائية - الآلهة - أدوارها الرئيسية و لايكون ظهور الإنسان على مسرح أحداثها إلا ثانويا ) و لكن السؤال الذى يطرح نفسه : كيف نتعرف على الأسطورة ؟ و ماهى سماتها الرئيسية ؟ ........... إن معظم الدراسات الميثولوجية لا تتفق على تعريف واضح و محدد للأسطورة ، كما أنها لا تنفذ إلى أعماقها لكى تستشف ملامحها العامة و من وجهة نظر الباحث تكمن طبيعة هذه الإشكالية عند القدماء أنفسهم ، فلم يقوموا أبدا بتحديد واضح لهذا المصطلح و لم يعملوا على تمييز النص الأسطورى عن غيره من النصوص الأخرى ذات الطبيعة المختلفة ، و لكن سيتقدم الدارس بطرح رؤيته لهذه المسألة ، كما تشكلت لديه بعد تفرغ طويل لدراسة علم الميثولوجى كاشفا عن سمات رئيسية فى الأسطورة و هى : 1 - من حيث الشكل ، الأسطورة هى قصة تحكمها مبادىء السرد القصصى من حبكة و عقدة و شخصيات و ابطال و ما إليها و غالبا مايجرى صياغتها فى قالب شعرى يساعد على ترتيلها فى مناسبات دينية محددة . 2 - يحافظ النص الأسطورى على ثباته عبر فترة طويلة من الزمن و تتناقل الأجيال الأسطورة طالما حافظت على طاقها الإيحائية بالنسبة للجماعة ، فالأسطورة الأوزيرية - على سبيل المثال - ظهرت بداياتها الأولى فى نهاية عصر الدولة القديمة و استمرت حتى نهاية الحضارة المصرية القديمة ، غير أن خاصية الثبات الأسطورى لاتعنى الجمود أو التحجر ، لأن الفكر الأسطورى يتابع على الدوام خلق أساطير جديدة من الأسطورة القديمة طالما كانت هناك حاجة إجتماعية او سياسية أو دينية تبرر ذلك التغيير ، فأسطورة أوزير كانت معطياتها تتعدل و تتطور من عصر لآخر . 3 - لا يوجد مؤلف للأسطورة ، لأنها ليست نتاج إبداع فردى ، بل هى ظاهرة جمعية يخلقها الخيال المشترك للجماعة ، فهى تعبر عن تأملاتهم و أهدافهم و توجهاتهم و عواطفهم . 4 - يلعب الآلهة و أنصاف الآلهة الأدوار الرئيسية فى الأسطورة ، فإذا ظهر الإنسان على مسرح الأحداث كان ظهوره مكملا لا رئيسيا . 5 - تتميز موضوعات الأسطورة بقضايا تهم الإنسان القديم فهى تبحث فى كيفية نشأة العالم و معنى الحياة و سر الوجود و قضية الموت و العالم الآخر . 6 - تقع أحداث الأسطورة فى زمن مقدس هو غير الزمن الحالى و مع ذلك فإن مضامينها أكثر مصداقية - بالنسبة لمن يؤمن بها - من مضامين الروايات التاريخية فقد يشكك هذا المؤمن بأية رواية تاريخية و يعطى لنفسه الحق فى تصديقها او تكذيبها لكن الشك لايتطرق اليه ابدا ( إذا كان مصريا ) بأن الكون كان فى البداية مجرد مياه أزلية قديمة لا حراك و لاحياة فيها و أن هذه المياه إنحسرت فظهرت الربوة الأولى التى تجلى عليها الإله الأول . 7 - إن رسالة الأسطورة غير مرتبطة بزمن معين ، بل هى رسالة سرمدية خالدة فهى لا تقص عن ماجرى فى الماضى و انتهى بل تحكى عن امر ماثل إلى الأبد لا يتحول إلى ماض فأسطورة هلاك البشرية عند المصرى القديم لم تكن مجرد عقاب وقع فى الزمن الماضى على البشر الذين سخروا من إله الشمس ( رع ) ، بل إن ذلك العقاب الإلهى ممكن حدوثه مرة أخرى فهو نذير دائم بسطوة القدر و تحذير من الغضب الإلهى تجاه البشر إن عادوا لمثل هذه الممارسات مرة أخرى كما أن فعل خلق الكون الذى تم فى الزمان الأول لم يقع مرة واحدة و انتهى بل أن هذا الفعل يقوم به الإله الأول على الدوام عند بداية كل سنة جديدة او عند بداية كل فيضان جديد أو عند شروق الشمس يوميا . 8 - تتمتع الأسطورة بقدسية و سلطة عظيمة على عقول الناس و نفوسهم فمما لاشك فيه أن السطوة التى تمتعت بها الأسطورة فى الماضى ، لا يضاهيها سوى سطوة العلم العلم فى العصر الحديث فنحن نؤمن اليوم بوجود الجراثيم و بقدرتها على تسبيب المرض و بأن الكون مؤلف من مليارات المجرات . و ذلك لأن العلم قال لنا ذلك اما فى الماضى فقد آمن الإنسان القديم بكل العوالم التى نقلتها له الأسطورة مثلما نؤمن اليوم بما ينقله لنا العلم و العلماء فقد كان الكفر بمضامين الأسطورة هو الكفر بكل القيم التى تشد الفرد إلى جماعته و ثقافته و فقدانا للتوجه السليم فى الحياة .

شعيرة الإلهة الأم فى مصر فى عصور ماقبل التاريخ

بسم الله الرحمن الرحيم

( شعيرة الإلهة الأم فى مصر فى عصور ماقبل التاريخ )

.............................. ظهرت عقيدة الإلهة الأم فى مناطق مختلفة من العالم القديم منذ العصر الحجرى القديم الأعلى و لاسيما فى أوروبا حيث نشأت هناك أقدم شعائر دينية معروفة وجهت لإله أنثى تصور فكرة ( أم كبرى ) و إعتبرت أم للطبيعة و المخلوقات ، فكان لها دور كإلهة خصوبة و سيدة للحيوانات و سيدة عالم النبات بل و أم للقبيلة إلى جانب دورها الجنزى كأم تعيد ميلاد المتوفى . و لم تكن عقيدة ( الإلهة الأم ) غائبة عن مصر حيث تؤرخ أقدم التماثيل الخاصة بهذه العقيدة بالعصر الحجرى النحاسى ( حوالى 4200 قبل الميلاد ) و إن وجدت بعض الإشارات تؤكد معرفة شعيرة الأمومة فى مصر منذ نهايات العصر الحجرى القديم الأعلى فى منطقة ( القرطة ) فى ( كوم امبو ) و تؤرخ بحوالى 13000 قبل الميلاد حيث وضع إنسان القرطة أولى النقوش التخطيطية البسيطة التى صورت ملامح انثوية لمعبودة أم تشابهت فنيا مع نظيرتها الأوروبية التى ترجع لنفس العصر مما يعكس ان مصر لم تكن غائبة عن مشهد بدايات عقيدة الإلهة الأم فى العصر الحجرى القديم الأعلى . جدير بالذكر أن هذه العقيدة إنتشرت فى وادى النيل و الدلتا فى عصور ماقبل الأسرات بداية من حضارة نقادة الأولى ( حوالى 3900 قبل الميلاد ) و ارتبطت أغلب الظن بإعادة ميلاد المتوفى حيث يدفع إلى ذلك الظن الإعتبارات التالية : 1 - العثور على تماثيل الإلهة الأم فى دفنات . 2 - يرى البعض أن عادة دفن المتوفى فى وضع القرفصاء هو وضع يشبه الجنين فى بطن أمه ؟ . 3 - العثور على أوانى فى هيئة ثديين أو ذات ثديين متدليين بما يشير إلى إرضاع المتوفى فى العالم الآخر .................... إلا أن الألهة الأم فى مصر كان لها دور عقائدى مغاير عن الدور الذى لعبته فى مناطق أخرى من العالم القديم ، فهى لم ترتبط بالأرض أو لم تكن محتضنة للموت كما ظهرت فى جهات أخرى بهذه الوظيفة فى عصور ماقبل التاريخ ، و سبب ذلك يرجع إلى سيطرة شعيرة الشمس فى مصر التى جعلت ( نوت ) هى الإلهة الأم التى تلد قرص الشمس ( رع ) كل يوم ، و من هنا إرتبطت إلهة السماء بالشعائر الجنزية كربة حامية للمتوفى تقوم بإعادة ميلاده مرة أخرى بينما لعب ( جب ) دور إله الأرض الذكر و ذلك على العكس تماما من كثير من ميثولوجيات العالم القديم حيث كانت الأنثى هى دائما ربة الأرض .................... و رغم أن الإلهة فى مصر لم تكن هى الخالق للحياة إلا أنها كانت أما إلهية تنجب المعبودات ، إلهة أم للملك ( فى العصور التاريخية ) ، إلهة أم للمتوفى ، إلهة راعية للحمل و الولادة بل و حارسة للحياة الجنسية . و فى واقع الأمر أن إنسان ذلك العصر الذى كان يبحث عن إستمرارية وجوده ، نظر إلى ( أم ) تعيد ولادته من جديد و من هنا و وضع تمثالها فى المقبرة ، إلا اننا نؤكد على حقيقة هامة : هذه الأم لم تكن أما له فى العالم الآخر فقط و إنما لعبت نفس الدور فى عالمه الأول فلا يستبعد أنها ضمنت إستمرار الخصوبة البشرية من خلال الرمزية الأنثوية التى جعلته يشكل بعض أوانيه فى هيئة ثدى أنثوى . كما كان وجودها مصورة على فخار حضارة نقادة الثانية ( تبدأ حوالى 3600 قبل الميلاد ) بجوار صورة الزعيم أمرا مثيرا للتساؤل لدى علماء ماقبل التاريخ حيث رجح البعض منهم الطرح القائل بأنها لعبت دورا بالنسبة لقائد الجماعة فى تؤيده و تقوده فى كل أفعاله و إنجازاته و ربما كانت أما له ، و مما لاشك فيه أن الفنان المصرى القديم فى عصور ماقبل الأسرات قام بنحت تماثيل لهذه المعبودة ظهرت معظمها فى هيئة راقصات ! و لم يكتفى بذلك الوضع فقط فى مجال النحت بل صورها فى نفس الوضع كمناظر على فخار حضارتى نقادة الأولى و الثانية ( بداية من 3900 و حتى 3200 قبل الميلاد ) و يرى الدارس أن تماثل و مناظر الراقصات على الفخار إرتبطت أيضا بالطور الجنزى و إعادة ميلاد المتوفى للأسباب الآتية : 1 - العثور على التماثيل فى دفنات . 2 - ظهرت هذه الراقصات و هى ترفع ذراعيها لأعلى بما يشبه هيئة قرنى البقرة ، و ربما بما يمثل عضو التأنيث رمزا لإعادة الميلاد . 3 - تمثيل نصف الجسد السفلى جامدا و ملونا باللون الأبيض ( لون العظام ) و النصف العلوى متحركا ( رفع الذراعين لأعلى ) و ملونا باللون الأحمر ( لون الحياة ) ، و كأن الحياة تخرج من الموت . 4 - ربما يشير و ضع الذراعين لأعلى إلى مساعدة المتوفى فى الصعود نحو السماء .


الجمعة، 7 أكتوبر 2011

الجزء الرابع و الأخير لمقال - حور إم آخت منذ عصر الدولة القديمة و حتى نهاية عصر الدولة الحديثة

بسم الله الرحمن الرحيم

( الجزء الرابع و الأخير لمقال - حور إم آخت منذ عصر الدولة القديمة و حتى نهاية عصر الدولة الحديثة )

................................... إنتهينا فى الجزء الثالث لهذا المقال عند أمر هام وهو : إعطاء صبغة دينية شمسية مباشرة و قوية على صخرة الجيزة بعد إندماج ( حور إم آخت ) مع ( رع حور آختى ) فى كيان التمثال فى عصر الأسرة الثامنة عشرة و إقامة عبادة شمسية واضحة و منتظمة فى الموقع تتمثل فى إقامة معبد شمسى جديد فى الناحية الشمالية الشرقية من الصخرة ( معبد أمنحتب الثانى ) مما زاد من أهمية المكان دينيا و سياسيا الأمر الذى دفع بعض ملوك الأسرة الثامنة عشرة للتقرب تجاه صخرة الجيزة بإعتبارها معبود شمسى يظهر بأكثر من إسم و لقب و وظيفة ، فكشفوا عن ورعهم و تقواهم تجاه ذلك الكيان الشمسى بإقامة لوحات عبادة ، إلا أن البعض يرى أن ذلك الورع لم يبرأ من أهداف سياسية تمثلت فى إضفاء الشرعية على بعضهم ممن كانت تعوزه و لاسيما الملك ( تحتمس الرابع ) الذى أقام لوحته الشهيرة بين قدمى التمثال التى تحكى قصة صعوده على عرش مصر بحلمه المعروف الذى تجلى فيه ذلك الكيان الشمسى واعدا إياه ملكية البلاد إن أزال الرمال التى تغطى جسده بالكامل، إلا أننا لا يجب أن نأخذ بما ورد فى تلك اللوحة على أنه حقيقة تاريخية و ذلك يرجع إلى وجود وثائق أخرى مؤكدة ترجع إلى بدايات الأسرة الثامنة عشرة تكشف عن وجود عمليات إزالة للرمال بشكل متكرر من حول أبى الهول قبل عصر ( تحتمس الرابع ) كما أن وجود معبد شمسى ( معبد أمنحتب الثانى ) أمام الصخرة و إقامة شعائر دينية منتظمة فى المكان قبل عصر ذلك الملك تكشف عن صعوبة تصديق ماورد فى نص اللوحة فلم يكن الموقع مهملا من الملوك الذين تبوءوا العرش قبل تلك الفترة مما يعنى أن الأمر لايعدو كونه دعاية سياسية دينية نسجت لأجل الملك ( تحتمس الرابع ) . و لم يكتفى أتباع الشمس فى هليوبوليس بما أضفوه على التمثال من تركيبة عقائدية متطورة جدا فى بدايات عصر الدولة الحديثة ، فأطلقوا على التمثال لقب ( حور إم آخت خبرى رع آتوم ) . و لم تكن صيغة ( خبرى رع آتوم ) سوى تجليات الشمس المختلفة فى الصباح الباكر و الظهيرة و عند الغروب التى ظهرت فى نصوص الأهرام منذ عصر الدولة القديمة مما يشير إلى إستيعاب ( حور إم آخت ) فى شخصه كل أشكال المعبود الشمسى . و فى عصر الملك ( تحتمس الرابع ) إتجه التيار الشمسى إلى تأكيد مفهوم أزلية و قدم الصخرة فمنحوه لقب ( شسب عنخ إن آتوم ) بمعنى ( الصورة الحية لآتوم ) و لم يكن المعبود آتوم سوى الكيان الأزلى الأول الذى ظهر على الربوة الأولى فى بدء الزمان طبقا لتعاليم هليوبوليس ، الأمر الذى يعنى أن الصخرة هى الشكل الأول لآتوم عندما تجلى على التل الأزلى فى بدء الخليقة .............................. و فى عصر الرعامسة ظهرت و لأول مرة معبد أو مقصورة ( لم يعرف موقعه بالتحديد ) مكرس لعبادة الإله ( أوزير ) بجوار صخرة الجيزة ، فمما لاشك فيه أن دور المعبود ( أوزير ) قد ظهر و تعاظم فى جبانة الجيزة فى ذلك العصر . و رغب كهنة الموقع فى خلق نوع من الوحدة الدينية بين المعبودين ( حور إم آخت ) و ( أوزير ) فاعتبروا ( حور إم آخت ) إبنا ( لأوزبر ) و من هنا أكدت نصوص الرعامسة على فكرة وجود قبر للمعبود ( أوزير ) فى الجبانة فأصبح ( حور إم آخت ) حاميا لقبر أبيه ( أوزير ) و هو مفهوم دينى جديد لم يكن قد ظهر من قبل و استمر هذا الإتجاه خلال العصر المتأخر بل و زادت نصوص الرعامسة فى و صف موقع المقبرة الأوزيرية بإعتبارها موجودة تحت الصخرة ، و لذلك نستشف مما سبق أن الحماية التى يضفيها حور إم آخت لأبيه أوزير كانت بغرض إخفاء مكان دفنه عن أعدائه و لكن مع الوضع فى الإعتبار أن هذه النصوص لم تشير إلى لقب أو وظيفة ( الحارس ) لأبى الهول ، فيجب أن نبقى حذرين فى طرح مفهوم ( الحراسة ) على التمثال لوجود فارق بين فكرتى ( الحماية ) و ( الحراسة ) فى الحضارة المصرية القديمة ، فليس كل من يقوم بوظيفة الحماية يعتبر حارس للإعتبارات التالية : 1 - لم تتصف صخرة الجيزة بلقب ( الحارس ) لا فى نصوص الدولة الحديثة و لا فى نصوص العصر المتأخر . 2 - لا تظهر الآلهة الحارسة إلا و هى تمسك فى يديها أداة قتالية و هو مالايتفق مع وضع و هيئة التمثال . 3 - جميع الآلهة التى وصفت بها صخرة الجيزة : ( حور إم آخت ) - ( رع حور آختى ) - ( حورون ) - ( خبرى رع آتوم ) - ( شسب عنخ ان آتوم ) لم ينسب اليها وظائف الحراسة فى الحضارة المصرية القديمة

الخميس، 6 أكتوبر 2011

الجزء الثالث لمقال - حور إم آخت فى الجيزة منذ عصر الدولة القديمة و حتى نهاية عصر الدولة الحديثة

بسم الله الرحمن الرحيم

( الجزء الثالث لمقال - حور إم آخت فى الجيزة منذ عصر الدولة القديمة و حتى نهاية عصر الدولة الحديثة )

............................ حاول الدارس من خلال المعطيات الأثرية السالف ذكرها فى الجزئين الأول و الثانى من هذا المقال أن يرصد التغيرات الدينية الطارئة على تمثال أبى الهول بداية من عصر الدولة القديمة و حتى عصر الدولة الحديثة منتهيا إلى نتائج هامة و هى : 1 - تحول صخرة الجيزة من رمز ملكى الى معبود شمسى ( حور إم آخت ) . 2 - و جود طقم كهنوتى جديد فى بدايات عصر الدولة الحديثة دفع الملوك إلى تقديس صخرة الجيزة و الإشراف على شعائر المكان . 3 - بداية وجود إرتباط دينى طقسى بين التمثال و المعبد الواقع أمامه فى بدايات عصر الدولة الحديثة و لاسيما بعد تحول التمثال الى رمز شمسى .......................... و عندما إتحد الأسد الملكى بحورس الشمسى فى هذه الصيغة الدينية الجديدة بدأت تظهر هيئة حور إم آخت على اللوحات الملكية فى بدايات عصر الدولة الحديثة بطريقة تخالف الصورة الواقعية للتمثال و هى : الصقر ذو الجسد المغطى بالريش مصحوبا بإسم ( حور إم آخت ) ، و هو مالاعلاقة له بالواقع . و لاريب أن كهنة الشمس فى هليوبوليس هم الذين اعادوا إحياء و تجديد التيار الدينى الشمسى فى بدايات عصر الدولة الحديثة و اختاروا صخرة الجيزة لتحقيق غرضهم فما كان من ملوك الأسرة الثامنة عشرة إلا أن زعموا بنوتهم لهذا المعبود كما عبروا عن ذلك صراحة فى لوحاتهم الملكية و يرى البعض أن الملك ( أمنحتب الثانى ) و ضع تمثاله الملكى بين قدمى أبى الهول لكى يؤكد على الدور الدينى الجديد لأبى الهول بوصفه حاميا للملك و هو مالم يظهر قبل ذلك العصر ثم جاء الملك ( تحتمس الرابع ) و استبدل التمثال بلوحته الشهيرة الموضوعة فى نفس المكان .............. و فى واقع الأمر أن اللوحات الملكية التى وضعها ملوك الأسرة الثامنة عشرة فى هذا المكان كانت على درجة عالية جدا من الأهمية لأنها أماطت اللثام عن وجود إرتباط دينى قوى بين المعبود الكنعانى ( حورون ) و ( حور إم آخت ) مما دفع بعض علماء المصريات أن يتسائلوا عن سبب وجود ( حورون ) فى جبانة الجيزة بل وإتحاده ب (حور إم آخت ) ؟ مما لاشك فيه أن المعبود الكنعانى ( حورون ) إستقر فى البلاد و لأول مرة فى الإقليم المنفى و لاغرابة فى ذلك فلقد دخل مصر عدد كبير من الجاليات الكنعانية و السورية مع حروب ( تحوتمس الثالث ) و ( أمنحوتب الثانى ) واستقروا بصفة خاصة حول منف واصطحب هؤلاء معبودهم معهم ، و مالبث هذا الإله الكنعانى أن تشبه بالإله المصرى ( حور إم آخت ) و من هنا يمكن القول أن ( حورون ) إندمج مع ( حور إم آخت ) حتى فقد كل سماته الخاصة به و استعار صفات ( حور إم آخت ) لدرجة أنه يصعب علينا تبين سمات و وظائف ذلك المعبود الكنعانى لأنه فقد شخصيته الأصلية منذ البداية و لايظهر إلا فى سمات ( حور إم آخت ) ، و لم يكن ذلك سوى تأثير مصرى آخر من كهنة الشمس و كهنة منف لإعطاء صبعة مصرية قوية لذلك المعبود الأجنبى فلا تقبل عبادته إلا فى هيئة و صفات مصرية ............. إلا أنه و منذ عصر ( تحتمس الثالث ) سعى أنصار المعبود الشمسى فى هليوبوليس نحو إدماج ( حور إم آخت ) مع معبود شمسى آخر قديم و هو ( رع حور آختى ) حيث ورد ذكره فى نصوص الأهرام منذ عصر الدولة القديمة و لذلك أصبح إسم ( رع حور آختى ) فى ذلك الموقع يشير دائما إلى أبى الهول إلا أننا يجب أن نذكر بأمر هام و هو : أن هذا الإندماج لايشير إلى إلهين منفصلين و لكن يشكل كينونة إلهية واحدة ، فما هى الدوافع التى جعلت أتباع الشمس فى عصر ( تحتمس الثالث ) أن يقدموا على هذه الخطوة ؟ ...................... تتمثل أهمية ( رع حور آختى ) فى مغزى إسمه الذى يعنى : ( رع ) هو صقر الأفقين الشرقى و الغربى مما يعكس حركة إله الشمس ( رع ) فى هيئة ( الصقر ) من الأفق الشرقى و حتى الأفق الغربى محققا بذلك دورة شمسية كاملة و من هنا يصبح ( حور إم آخت ) بنفس الوظيفة و نفس القدرة و لايكتفى فقط بمفهوم ( الصقر الشمسى الساكن فى الأفق ) و إنما هو أيضا الصقر المتحرك منذ الصباح الباكر و حتى الغروب . ( انتهى الجزء الثالث و يليه الجزء الرابع إن شاء الله قريبا )

الجزء الثانى لمقال - حور إم آخت فى الجيزة منذ عصر الدولة القديمة و حتى نهاية عصر الدولة الحديثة

بسم الله الرحمن الرحيم

( الجزء الثانى لمقال - حور إم آخت فى الجيزة منذ عصر الدولة القديمة و حتى نهاية عصر الدولة الحديثة )

............................. إنتهى الجزء الأول لهذا المقال عند حقيقة هامة : و هى أن صخرة الجيزة طوال عصر الدولة القديمة لم تكن موضع عبادة ، و مع تعثر مصر خلال عصر الإنتقال الأول تعرضت الجبانة لنهب و إعتداء صريح الأمر الذى ساعد على نشأة صورة شعبية سلبية تجاه جبانة الجيزة و ملوكها الذين دفنوا و خاصة ( خوفو ) و ( خع إف رع ) ، حيث تجلت هذه الصورة السلبية بوضوح فى أدبيات عصر الدولة الو سطى و عصر الإنتقال الثانى فيما يعرف بقصة ( خوفو و السحرة ) - بردية و ستكار - مما حدى بملوك الدولة الوسطى أن يتجاهلوا تماما تلك الجبانة فلم يعملوا على ترميم أى منشأة دينية فيها ( راجع مقال جبانة الجيزة منذ نهاية عصر الدولة القديمة و حتى نهاية عصر الإنتقال الثانى ) ، فكان من الطبيعى أن لاتلقى صخرة الجيزة أى إهتمام بإعتبارها جزء من سياق جبانة ملكية عديمة الأهمية حتى نهاية عصر الإنتقال الثانى . إلا أن الأمور تغيرت نسبيا خلال عصر الدولة الحديثة تجاه تمثال أبى الهول فأصبح و لأول مرة محل عبادة من جانب بعض ملوك الأسرة الثامنورة ة عشرة الأمر الذى أفضى بشيوع هذه العبادة عصر تلو الآخر فصارت سمة مميزة فى الجيزة فى تلك الحقبة . و من هنا إكتسب تمثال أبو الهول لقب ( حور إم آخت ) لأول مرة و بالتحديد فى عصر الملك ( أمنحتب الأول ) بمعنى : ( حورس فى الأفق ) و البعض يرى أن تلك الخطوة تمت بتأثير كهنة الشمس فى هليوبوليس فى بدايات عصر الدولة الحديثة الذين أرادوا أن يضفوا على التمثال صبغة دينية شمسية لاتربطه من قريب أو بعيد بأى صلة ملكية سابقة و من خلال هذا السياق العقائدى الجديد كان لابد من تناسي أو تجاهل ماكان يمثله التمثال فى عصر الدولة القديمة حيث لم تعد الرؤية القديمة مناسبة أيدولوجيا لكهنة هليوبوليس فى بدايات عصر الدولة الحديثة و لاسيما و أن الأدبيات الشعبية كما رأينا لم تحمل صورة إيجابية تجاه ملوك الجيزة مما نتج عنه عدم وجود اى إشارة لإسم المؤسس لهذا التمثال خلال عصر الدولة الحديثة . و عندما نذكر لقب ( حور إم آخت ) ، فمن الواضح اننا أمام معبود شمسى ، فحورس الذى ورد ذكره كلقب لأبى الهول هو أحد المعبودات الشمسية الشهيرة التى ظهرت فى نصوص الأهرام ( و لكن مع توخى الحذر فى عدم ربط حورس الشمسى المذكور فى نصوص الأهرام بتمثال ابى الهول خلال عصر الدولة القديمة ) و لم يكن هذا المعبود سوى الصقر حورس الذى يدفع قرص الشمس فى الأفق ، فهو القوة الحقيقية المختبأة وراء كوكب الشمس و لذلك أصبح هناك ربط و لأول مرة بين شكل حورس الشمسى و صورة الأسد الملكى داخل جبانة الجيزة فى بدايات عصر الدولة الحديثة و بناءا على ذلك كان لزاما على ملوك تلك الفترة ان يتقربوا لهذه العبادة الشمسية المبتكرة دون الإهتمام بأى أثر ملكى آخر داخل جبانة الجيزة ، فكانوا يقومون بين الحين و الآخر بإزالة الرمال من الصخرة و إقامة اللوحات الملكية المتعددة امام الصخرة التى تؤكد الورع الملكى تجاه ذلك المعبود . و مما لاشك فيه أن اللوحات الملكية التى صور فيها هذا المعبود كشفت عن شكل فنى ل ( حور إم آخت ) لا يتوافق مع شكله الواقعى الموجود فى الجبانة ، فلم يظهر ابو الهول فى تلك اللوحات بارز من الصخر كما هو كائن ، و لكن ظهر على قاعدة كبيرة مزخرفة بالسرخ ( واجهة القصر الملكى ) و مزودة بباب أو سلم يسمح بالصعود أعلاه ..................... و لايتعلق الأمر هنا بترجمة الواقع كما هو و كما نراه ، و لكن بالأحرى تأويله بما يتوافق مع التقاليد الدينية الجديدة و هى : أبو الهول لكونه تمثال الإله ( حور إم آخت ) فلابد أن يستقر على قاعدة او بمعنى أدق يستقر على واجهة القصر الملكى تماما مثل المعبود ( حور القديم ) راعى و مؤسس الملكية الأولى الذى كان يقف دائما على السرخ . و بسبب ظهور ذلك المنظر ظن عدد كبير من الأثريين بوجود قاعدة مبنية تحت أبى الهول فذهبوا يبحثون عنها بإقامة حفائر منتظمة فى الموقع غير مدركين الفارق بين الصورة الدينية كما تظهر فنيا و الشكل الواقعى كما هو فعليا - انتهى الجزء الثانى و يليه الجزء الثالث قريبا إن شاء الله

الثلاثاء، 4 أكتوبر 2011

حور إم آخت فى الجيزة منذ عصر الدولة القديمة و حتى نهاية عصر الدولة الحديثة - الجزء الأول

بسم الله الرحمن الرحيم


( حور إم آخت فى الجيزة منذ عصر الدولة القديمة و حتى نهاية عصر الدولة الحديثة - الجزء الأول )

............................. طرأت الحاجة لكتابة هذا المقال لكى نقوم بتصحيح بعض الأفكار الدينية الخاطئة فيما يتعلق بالمفاهيم الفكرية لصخرة ابى الهول عبر العصور و من هنا أقوم بإهداء هذا المقال لأستاذنا القدير ( عمرو الراجح ) أطال الله فى عمره و وفقه و سدد خطاه । لم تترك لنا و ثائق عصر الدولة القديمة معلومات توضح لنا كيف كان ينظر المصرى القديم لأبى الهول عموما و أبى الهول الجيزة على وجه الخصوص ، حيث أن أقدم الشواهد المؤكدة التى كشفت المغزى الدينى لذلك الأثر تعود لعصر الدولة الحديثة و هو الأمر الذى لم ينتبه إليه عدد كبير من دارسى المصريات فى بادىء الأمر مما أدى إلى سوء فهم و خلط بين المغزى الدينى لأبى الهول فى عصر الدولة الحديثة و المعنى التاريخى المحدد سلفا فى عصر الدولة القديمة ، و لاريب أن الدراسة المتعمقة لمجموع مناظر أبى الهول عبر التاريخ المصرى توضح أنه و قبل كل شىء تجسيد للملك فى شكل أسد ، و لذلك يوجد مجال للإعتقاد بأنهم عندما نحتوا صخرة الجيزة فى شكل أبى الهول ، صوروا فيه صورة الملك ( خع إف رع ) - و لامجال هنا لمناقشة النظرية التى نادى بها ( شتادلمان ) عام 2000 عندما طرح فكرة نحت الصخرة فى عصر الملك ( خوفو ) نظرا للنقد الشديد الذى تعرضت له مما أدى إلى بطلانها - إلا أن أقدم تصوير فنى معروف للأسد الرابض يرجع لعصر الأسرة الأولى حيث ظهرت صورة الأسد ذى الرأسين المتدابرين على البطاقات العاجية لتلك الأسرة مما يرجح ان تلك هى أقدم إشارة لفكرة ( الآقر ) حامى بوابة الأفق و عندما نتحدث عن صخرة الجيزة فإن الملك ( خع إف رع ) إستبدل صورة الأسد الكامل برأس آدمية و جسم أسد لكى ينسب لنفسه الدور الدينى للآقر - حامى بوابة الأفق - فهذا هو التفسير الذى نرتضيه للدور الذى قام به أبو الهول على أيام الأسرة الرابعة ، دون تجاوز المعلومات المتاحة لدينا حتى الآن و يبدو من قبيل التخمين أننا نرجع لهذا العصر عبادة لأبى الهول حيث إعتبره البعض معبودا شمسيا تلقى عبادة منتظمة فى ذلك البناء الشهير الذى يقال عنه ( معبد أبى الهول ) أو ( معبد حور إم آخت ) ...... إلا أنه توجد مجموعة من الحقائق تحول دون التسليم المطلق لهذه الرؤية و هى : 1 - لم يرد لقب ( حور إم آخت ) فى آثار الجيزة التى تنتمى لعصر الأسرة الرابعة مما يجعل فكرة الربط بين ابى الهول و ذلك اللقب ضرب من ضروب الإجتهاد الخاطىء . 2 - لا يوجد اى نص كتابى من مقابر الأفراد فى الجيزة يدل على وجود كهنة لإقامة الطقوس لأبى الهول مما يعنى أن الصخرة موضع النقاش لم تكن محل عبادة طوال عصر الدولة القديمة ، فلم يكن ذلك هو الغرض من نحتها فى البداية . 3 - لم يثبت لدينا حتى الآن وجود علاقة دينية مباشرة بين البناء الذى يقال عنه معبد ( حور إم آخت ) و صخرة أبى الهول فى عصر الدولة القديمة بالرغم من تجاورهما مكانيا . 4 - لم يكن المصرى القديم يعتاد على نحت تمثال فى الهواء الطلق و بهذه الضخامة لكى تقام له شعائر دينية و تقدمات قرابين على الأقل خلال عصر الدولة القديمة ، فتماثيل المعبودات كانت توضع فى أماكن مغلقة و مظلمة داخل المعبد مما يؤكد أن هناك تحول دينى طرأ على معنى التمثال فى العصور اللاحقة . 5 - إذا قبلنا الطرح القائل بأن صخرة أبى الهول هى تجسيد للآقر ، فلاوجود لأى برهان على عبادة الآقر طوال عصر الدولة القديمة فلم يكن له أى طقم كهنوتى معروف ................. وعلى الرغم من عدم وجود ربط دينى بين صخرة أبى الهول و المعبد الواقع أمامه إلا أنه لاينبغى لنا أن ننكر وجود عبادة شمسية محتملة فى ذلك المعبد فى عصر الأسرة الرابعة نظرا للإعتبارات التالية : 1 - يحتوى المعبد على قدسى أقداس أحدهما يقع تجاه الشرق و الآخر يقع قبالة الغرب . 2 - وجود فناء مفتوح محاط بعدد من الأعمدة حيث كانت الأفنية المفتوحة هى سمة المعابد و الطقوس الشمسية . 3 - عدد الأعمدة التى تحيط بالفناء المفتوح يبلغ 24 عمود مما يرجح أن هذه الأعمدة تعبر عن عدد ساعات النهار و الليل الأمر الذى قد يربطها بعبادة شمسية منتظمة فى عصر الأسرة الرابعة ........... نستنتج مما سبق أن ذلك البناء هو أقدم معبد شمسى محتمل يرجع لعصر الأسرة الرابعة و لكن لاوجود لأى دليل يربط العبادة الشمسية بالعبادة الملكية فى تلك المنشأة الأمر الذى يعنى أن صخرة الجيزة كانت منفصلة دينيا فى بادىء الأمر عن تلك المنشأة المعمارية مما يشير إلى أن التمثال لم ينحت لكى يمثل إلها موجودا فى نسقه العقائدى طزال عصر الدولة القديمة


الأحد، 2 أكتوبر 2011

علاقات الهكسوس الخارجية و الداخلية خلال عصر الإنتقال الثانى

بسم الله الرحمن الرحيم


( علاقات الهكسوس الخارجية و الداخلية خلال عصر الإنتقال الثانى )


......... لم يعد ثمة مجال للفكرة القديمة التى جعلت عصر الدولة الوسطى ينتهى بأفول الأسرة الثانية عشرة ، و خاصة بعد إكتشاف آثار ملوك الأسرتين الثالثة عشرة و الرابعة عشرة فى أرجاء مصر كلها ، مما يعكس وجود سلطة مركزية ( و لو شكلية ؟ ) فى تلك الفترة . و من هنا فإن علماء المصريات ( ومنهم العالمة دوروتيا أرنولد ) يتفقون على تحديد نهاية عصر الدولة الوسطى و بداية عصر الإنتقال الثانى ببدايات عصر الأسرة الخامسة عشرة ، وهى الفترة التى تبدأ بوجود الهكسوس فى مصر . و إذا قبلنا الإتجاه العلمى الجديد للمدرستين الألمانية و الإنجليزية بأن الهكسوس جاءوا إلى مصر على شكل جماعات متفرقة على مراحل و ليس على شكل غزوة جماعية منظمة فإنه يصعب تحديد الزمن الذى بدأ فيه توافدهم نحو مصر لأن ذلك الحدث قد إستغرق مرحلة زمنية غير محددة ، إلا انه ربما أمكن تحديد تاريخ إرتقاء زعمائهم السلطة فى شرق الدلتا ( مقر إستيطانهم الرئيسى ) و لو بشىء من التقريب فى ضوء الأثر الشهير المعروف بإسم ( لوحة الأربعمائة ) الذى عثر عليه ( مارييت ) عام 1863 فى تانيس - صان الحجر - حيث يميل العلماء ( من خلال المعطيات التاريخية لهذه اللوحة ) إلى أن سيادة زعماء الهكسوس فى شرق الدلتا تكون قد بدأت بالتقريب حوالى 1720 قبل الميلاد . كما لم يعد هناك مجال للتصديق بأن للهكسوس إمبراطورية مترامية الأطراف كان مركزها فى مصر و شملت معظم أرجاء الشرق القديم بما فى ذلك جزيرة كريت ، و قد كانت هذه الفكرة تعتمد أساسا على وجود آثار تخص أسماء حكام الهكسوس موزعة فى أنحاء متفرقة من غرب آسيا لا سيما الملك ( خيان ) - ثالث ملوك الأسرة الخامسة عشرة - خاصة و أن هذه الآثار من النوع الخفيف سهل الإنتقال و لذلك فإن الرأى يميل الآن إلى أنها إنتشرت نتيجة للصلات التجارية الخارجية فحسب . و يكمن أن نضيف إلى ذلك أن الحكام الهكسوس وثقوا علاقاتهم الخارجية بصفة خاصة بسوريا حيث لا يستبعد أنهم عقدوا محالفات سياسية مع بعض امرائها و ربما شمل حكم زعماء الهكسوس جزءا من جنوب فلسطين حيث عثر على عشرات من جعارينهم كما أنهم تحصنوا فى إحدى المدن هناك و هى شاروحين ( تل فرعة حاليا ) حينما طاردهم الملك ( أحمس ) إلى خارج البلاد و لاشك أن الأمر الذى ساعد على توثيق الروابط بينهم و بين فلسطين و سوريا انهم إنحدروا من هناك بالفعل و لذلك كانت صلاتهم بهذه المنطقة أقدم بكثير من تبوئهم مركز السلطة فى شرق الدلتا . إن وجود آثار زعماء الهكسوس خارج مصر و فى مناطق متعددة يعنى أن البلاد لم تقطع صلاتها الخارجية فى عصر الإنتقال الثانى و أن ملوك الهكسوس انتهجوا نفس النهج الذى سار عليه من قبل ملوك عصر الدولة الوسطى خاصة و أن آثارهم قد إنتشرت فى ( النوبة ) و ( بلاد الشام ) و ( الأناضول ) و ( بلاد الرافدين ) و ( جزيرة كريت ) ، الأمر الذى يعكس وجود نشاط تجارى قوى بين الهكسوس و هذه المناطق خلال عصر الإنتقال الثانى . إلا أن هذا المقال لا ينبغى له أن يغفل طبيعة العلاقات بين الهكسوس و حكام الأقاليم داخل مصر ، فعلى الرغم من المقاومة التى أبداها المصريون ضد الهكسوس - فى بادىء الأمر فقط - فإن الحكام الأجانب تمكنوا فيما يبدوا من بسط نفوذهم على مصر كلها على الأقل فى عهد ملوكهم الستة الذين تتألف منهم الأسرة الخامسة عشرة حيث إنتشرت آثارهم موزعة بين الدلتا و الصعيد و النوبة . إلا أنه بعد أن كسر الهكسوس من حدة المقاومة المصرية يبدوا و أنهم لم يحكموا البلاد كلها لاسيما فى مصر الوسطى و العليا حكما مباشرا قائما على قوة السلاح نظرا لأن ظواهر الأمور تشير إلى انهم جعلوا من انفسهم طبقة ارستقراطية حاكمة إستقرت فى العاصمة ( حوت وعرت - تل الضبعة فى الشرقية ) و اعتمدت فى حكم مصر على معاهدات سياسية مع أمراء مصر الوسطى و العليا و دعموا هذه المحالفات بالزواج السياسى مما يعكس وجود تعايش سلمى بينهم و بين الزعماء المصريين و ذلك قبل ان تتبدل الأوضاع و ينقلب عليهم زعماء ( طيبة ) فى النصف الثانى لعصر الإنتقال الثانى بعد أن آنسوا فى أنفسهم البأس الكافى لطردهم من شرق الدلتا و جنوب فلسطين

أصل المعبود آمون و نشأة الكرنك الأولى


بسم الله الرحمن الرحيم

( أصل المعبود آمون و نشأة الكرنك الأولى )

................................ عكف عدد لابأس به من علماء المصريات على دراسة التخطيط المعمارى لمعابد الكرنك ، الأمر الذى أثار لدى كثير منهم التساؤلين التاليين : متى وضعت اللبنة الأولى لهذه المنشأة الدينية ؟ .... و ماهو أصل المعبود ( آمون ) ؟ .... قدم عالم المصريات الألمانى ( كورت زيته ) نظريته الشهيرة عن أصل و منشأ المعبود ( آمون ) فى أوائل القرن الماضى مرجحا منشأ ( آمون ) من مدينة ( هرموبوليس = الأشمونين ) و أنه كان أحد أفراد الثامون الذى تم عبادته فى عصر الدولة القديمة ، ثم و ضع الطرح القائل بإنتقال آمون من ( الأشمونين ) إلى ( طيبة ) عن طريق مجموعة من البحارة فى عصر الإنتقال الأول الذين كانوا يعتبرونه آنذاك إله المراكبية المسيطر على حركة الرياح و الهواء و من هنا إستقرت عبادته فى المكان الذى يعرف حاليا ب ( فناء الدولة الوسطى ) داخل الكرنك . إلا أن نظرية ( زيته ) لم تصمد طويلا أمام النقد العلمى للأسباب الآتية : 1 - لم يثبت اثريا حتى الآن أن مذهب ثامون الأشمونين قد تم تأليفه فى عصر الدولة القديمة فوجود ( آمون الأشمونين ) هو أمر غير مؤكد فى عصر الدولة القديمة . 2 - لم يقدم ( زيته ) سبب مقنع لإختيار البحارة لمنطقة طيبة بالتحديد لإستقرار ( آمون الأشمونين) فيها دونا عن اى مدينة صعيدية أخرى ؟ 3 - إن صفة ( آمون ) كرب للرياح و المسيطر على إتجاهات التيارات الهوائية لم تنسب له إلا فى عصر الدولة الحديثة من جانب أتباعه مما يعنى أن ذلك لم يكن سبب عبادته فى بادىء الأمر ........................ و من جهة أخرى نجد بعض فقرات متون الأهرام تذكر إسم المعبود ( آمون ) على إستحياء و لمرات قليلة جدا ، فمن الواضح أنه كان إلها مرتبط بالملكية بشكل ثانوي مما يعكس أن وجوده التاريخى فى عصر الدولة القديمة كان ضئيل الشأن . و لكن لاتشير أى فقرة من تلك النصوص إلى مقر عبادته الأولى . و يعتقد البعض من الدارسين أن منشأ المعبود ( آمون ) كان من مدينة طيبة نفسها منذ البداية و أنه لم يكن دخيلا عليها و يرتكزون فى ذلك على القائمة الملكية لمعبد الكرنك فى قاعة ( الآخ منو ) التى كان قد شيدها الملك ( تحتمس الثالث ) حيث سجلت هذه القائمة أسماء الملوك الذين حكموا مصر و أحاطوا المعبود ( آمون ) بكل مظاهر التوقير و التبجيل اللازم و قد كان ثانى الأسماء التى ذكرت فى هذه القائمة هى إسم الملك ( سنفرو ) ، أما الإسم السابق عليه فقد وجد مهشما مما فتح باب التأويل لإحتمالية أن يكون أول إسم ملكى فى القائمة للملك ( زوسر ؟ ) ، ولهذا السبب رجح بعض الباحثين أن أولى الشعائر قد أقيمت فى الكرنك لعبادة ( آمون ) منذ عصر الأسرة الثالثة . و لكن هذا الطرح يتجاهل الإشكالية التى تتعلق بمدى جدارة قائمة الكرنك الملكية لأن تكون مصدر تاريخي ؟ هل قوائم الملوك التى دونت فى المعابد تصلح لإستنباط بيانات تاريخية ؟ ألم تنسج هذه القوائم لأغراض دينية و سياسية محضة ؟ هل قوائم الملوك المدونة فى المعابد يمكن إعتبارها آثار محايدة تنطق بالحقيقة و لا تضليل فيها ؟ هل كان ( آمون ) إلها محليا فى الكرنك منذ عصر الأسرة الثالثة ؟ .............. إن أقدم أثر مؤكد يتحدث عن إقامة معبد لآمون فى الكرنك جاء من نص منقوش على لوحة و ضعها الملك ( إنتف الثانى ) أمام مقبرته فى القرنة على البر الغربى لمدينة ( طيبة ) . ومن الثابت أن هذا الملك ترجع فترة حكمه إلى النصف الأول لعصر الأسرة الحادية عشرة ، و لاريب أن هذه النواة التى وضعها ( إنتف ) قد أزيلت من مكانها فى عصر الملك ( سنوسرت الأول ) - ثانى ملوك الأسرة الثانية عشرة - الذى أقام بدلا منها معبدا مشيدا من الحجر الجيرى و الذى يعرف حاليا بفناء الدولة الوسطى فى الكرنك . جدير بالذكر أن حفائر البعثة الفرنسية فى فناء الدولة الوسطى كشفت عن أثر هام : وجود كتل من الطوب اللبن تشكل سور كان موضوعا حول معبد ( سنوسرت الأول ) تتطابقت أبعادها هندسيا مع القوالب اللبنية التى كانت تشكل أسوار الدولة القديمة ، الأمر الذى يعنى وجود نواة أولى صغيرة للكرنك ترجع لعصر الدولة القديمة على أقل تقدير ، و أن هذه النواة أزيلت فى عصر الملك ( انتف الثانى ) مع بدايات الأسرة الحادية عشرة خاصة إذا و ضعنا فى الإعتبار أن معابد الآلهة ذات الشأن المتواضع فى أقاليم مصر كانت تشيد بأكملها من الطوب اللبن فى عصر الدولة القديمة فكانت إزالتها أمرا يسيرا فى عصر الدولة الوسطى حيث أعاد ملوك تلك الفترة تشييد هذه المعابد من الحجر الجيرى بعدما علا شأن معبوداتها . و من هنا نرى أن الكرنك كانت نشأته الأولى تعود لعصر الدولة القديمة و مايؤكد ذلك هو تمثال الملك ( بيبى الأول ) - الأسرة السادسة - الذى عثر عليه عالم المصريات الفرنسى ( فرانسوا دوما ) فى معبد دندرة حيث نقش على ظهر التمثال مجموعة من الألقاب الملكية و منها (ملك مصر العليا و السفلى محبوب آمون رع رب طيبة ) و قد كان هذا الكشف على درجة عالية من الأهمية لأنه أماط اللثام على حقيقتين : 1 - أن معبد آمون كان قائما فى طيبة منذ عصر الأسرة السادسة على أقل تقدير . 2 - أن إتحاد ( آمون ) ب ( رع ) تم لأول مرة فى عصر الأسرة السادسة و لم يستحدث فى عصر الدولة الوسطى كما كان سائدا قبل ذلك فى الأوساط العلمية

طيبة أم منف ... أيهما عاصمة مصر منذ بداية عصر الدولة الحديثة و حتى عصر الملك امنحتب الثالث .... ؟

بسم الله الرحمن الرحيم

( طيبة أم منف ... أيهما عاصمة مصر منذ بداية عصر الدولة الحديثة و حتى عصر الملك امنحتب الثالث .... ؟ )


................... تقدم مجموعة كبيرة من المؤلفات فكرة ان طيبة كانت هى العاصمة الفعلية للبلاد منذ بدايات الأسرة الثامنة عشرة و حتى عصر الملك امنحتب الثالث ، و على ذلك ، يتم تفسير بعض الأحداث التاريخية بوجهة خاصة : فإذا كان ( امنحتب الثالث ) قد أمر بتشييد قصر ( ملقطة ) الملكى على البر الغربى لمدينة طيبة ، فقد فعل ذلك لكى يتحرر بعض الشىء من سطوة كهنة آمون بأن يبتعد عن مركز نفوذهم؟ و لنتذكر أن قصر ( ملقطة ) قد نظر اليه البعض لفترة طويلة على أنه المقر الرسمى الدائم لأمنحتب الثالث ! و إذا إتجه أمنحتب الرابع ( إخناتون ) ناحية الشمال ليؤسس ( آخت آتون = تل العمارنة ) ، فمن الواضح أنه كان يرمى إلى زيادة المسافة بين عقيدته الجديدة و السياسة الآمونية المنبوذة !! ........... إلا أن هناك مجموعة من الأمور المثبتة أثريا تحول دون التسليم بالنتيجة السابقة وهى : 1 - تتفق جميع المصادر على أن تعريف واضح و محدد لمفهوم العاصمة حيث يرتبط مكان وجودها بمقر السلطات الإدارية الكبرى للدولة ، و هو ماتوفر لمنف أكثر من نظيرتها طيبة فى ذلك العصر . 2 - بالرغم من عدم وجود نص واضح و مباشر يعلن بوضوح إستقرار الملوك الدائم فى منف ، إلا أن الشواهد الأثرية التى تنتمى لذلك العصر تشير إلى ولادتهم و تنشئتهم فى الصغر فى قصور منف الملكية . 3 - أكدت السيرة الذاتية لكبار رجال الدولة فى طيبة المنقوشة على جدران مقابرهم على ذهاب الملوك إلى مدينة طيبة مرتين فى السنة ، المرة الأولى بمناسبة عيد ( الأوبت ) ، و الثانية فى عيد ( الوادى ) ، بما يعكس أن الملوك كانوا لا ينتقلون إلى طيبة إلا فى مناسبات دينية هامة قصيرة الأجل . 4 - ظهرت فى تلك الفترة الجعارين التذكارية التى سجلت عليها أهم أعمال الملوك و أنشطتهم ، و كانت توضح المآثر الرياضية و فنون الصيد التى كان يقوم بها بعض الملوك . و من هنا نجد جميع نصوص هذه الجعارين تشير إلى إنتقال الملك من قصره و حتى منطقة الصيد فى ( ليلة واحدة ) ، الأمر الذى يعنى انهم لم ينتقلوا من طيبة بكل تأكيد و إلا إستغرقت الرحلة أكثر من ليلة واحدة ................ و لكن ينبغى لنا أن نوضح أمر هام : إن محاولة إعطاء منف حقها من التكريم الذى فقدته فى مؤلفات الكثير من المتخصصين ، لا يقلل شيئا من الأهمية الحقيقية لمدينة طيبة ، فالأعياد و الطقوس الدينية التى كانت تقام فيها ، تفوقت فى شهرتها على نظائرها فى اى مدينة أخرى و لاشك أن الهالة التى كانت تحيط ب( آمون ) طيبة و الهيبة التى أضفاها أنصاره على المدينة ذاتها لعبتا دورا دينيا لا يستهان به ، فالأيدولوجية الآمونية أضفت على طيبة قدر كبير من الإشعاع الدينى البارز مما جعل النظام الملكى يستمد منه مادته الأسطورية ، ألم يقدم كتابى ( الإيمى دوات ) و ( إبتهالات رع ) وعدا للملوك بآخرة طيبة لهم ؟ ألم تقام طقوس فى ( آخ منو معبد الكرنك ) تهدف إلى ( عبادة الملوك الأسلاف ) و إحيائهم عن طريق ( آمون طيبة ) للأبد ؟ و هل إستطاع أتباع المعبود ( بتاح ) فى منف أن ينسبوا لربهم ما نسبه أنصار ( آمون ) لمعبودهم ؟ ألم يكن ذلك سببا كافيا لهؤلاء الملوك لكى يدفنوا فى طيبة ؟ و لذلك ظلت طيبة هى مقر الدفن الفعلى لملوك الدولة الحديثة بينما ظلت منف مقر الإقامة الملكية الدائم قبل عصر العمارنة

شكوك حول بردية وستكار

بسم الله الرحمن الرحيم

شكوك حول بردية وستكار

( شكوك حول بردية وستكار )................................. من الواضح أن بردية وستكار هى قصة يفترض أنها تتم فى حضور الملك ( خوفو ) وهى تحكى أن ( خوفو ) سمع عن ساحر يدعى ( جدى ) له القدرة على الإتيان بالخوارق و الإطلاع على المستقبل و أنه قد إستطاع بسحره أن يربط رقبة أوزة قام هو بقطعها ، إلا أنه رفض أن يقيم هذه التجربة على بشر عندما طلب منه الملك ذلك . ثم تنتقل القصة إلى أهم فقراتها التى تتحدث عن طلب الملك ( خوفو ) الذى وجهه إلى ( جدى ) حول رغبته فى بناء مقبرة ملكية تشابه فى تصميمها المعمارى مقبرة أو معبد الإله ( جحوتى ) ، و انه يريد الوصول إلى حقيقة تخطيطها المعمارى ، و هنا يعتذر الساحر للملك بأن ذلك الطلب لن يتحقق إلا فى عصر ثلاث ملوك ستلدهم إمرأة تدعى ( رود جدت ) هى زوجة كبير كهنة الشمس ( رع ) و انهم سينحدرون من صلب إله الشمس نفسه الذى سيتقمص شخصية زوج ( رود جدت ) و يضع بذرته الإلهية فى رحمها و هنا يقلق ( خوفو ) فيسارع ( جدى ) لكى يطمئنه بأن ذلك لن يحدث بعد وفاته و إنما سيتولى إبن ( خوفو ) العرش ثم يأتى حفيده كحاكم ثم ييتولى زمام الملكية واحد من أبناء إله الشمس ( رع ) . و ينبغى لنا أن نشير إلى مجموعة من الحقائق تحول دون التسليم المطلق لما ورد فى بردية وستكار وهى : 1 - لم تسجل هذه البردية فى عصر الدولة القديمة فأسلوبها اللغوى يشير إلى كتابتها فى عصر الدولة الوسطى إلا أن أقدم نسخة معروفة ترجع لنهاية عصر الإنتقال الثانى ( الأسرة السابعة عشرة ) مما يعنى أنها نقلت من نسخة أقدم زمنيا و ذلك يدل على ضرورة توخى الحذر فى قبول ماورد فيها من إشارات لاترقى لأن تكون حقائق تاريخية. 2 - أكدت حفائر دكتور ( طارق العوضى ) فى أبو صير أن ملوك الأسرة الخامسة كانوا منحدرين من ملوك الأسرة الرابعة و أن ألملك ( شبسسكاف ) - آخر ملوك الأسرة الرابعة كان أخا للملك ( اوسركاف ) - أول ملوك الأسرة الخامسة مما يعنى وجود تواصل عائلى بين الأسرتين الرابعة و الخامسة وهو مايناقض الفكرة التى ورد ذكرها فى بردية وستكار . 3 - لم تظهر أى ملكة فى الأسرة الرابعة أو الخامسة بإسم ( رود جدت ) على الآثار المصرية ، و هى التى أشارت لها البردية كأم لأول ثلاث ملوك من الأسرة الخامسة ، فالملكة المعروفة لدينا من خلال وثائق تلك الفترة هى ( خنت كاوس ) المدفونة فى الجيزة بجوار هرم ( منكاورع ) و لايمكن أن تكون هى ( رود جدت ) التى ورد إسمها فى بردية وستكار ، ف(خنت كاوس ) كانت بنت ملك و زوجة ملك و أم لملكين حكما مصر بينما ( رود جدت ) لم تنحدر من أصل ملكى مثلما تشير البردية . 4 - كبير كهنة الشمس طوال عصر الأسرة الرابعة هو إبن الملك و هو ماأكدته ألقاب الأمراء الملكيين المسجلة على آثارهم و ذلك يخالف ماورد ذكره فى بردية وستكار التى تشير إلى كبير كهنة الشمس بوصفه شخص من منشأ غير ملكى . 5 - جميع أسماء السحرة ( و حتى الساحر جدى ) الذين أشارت إليهم البردية لم تكن سوى أسماء شائعة فى عصر الدولة الوسطى و الحديثة و لم تظهر أبدا مثل هذه الأسماء خلال عصر الدولة القديمة . 6 - يظهر ( خوفو ) فى القصة محاطا بأبنائه حيث يقص كل إبن منهم على ابيه حكاية وقعت فى عصر سالف الأمر الذى يعنى أن ( خوفو ) كان متقدما فى السن و قبل أن يشيد مقبرته الهرمية مما جعل القلق يستولى عليه فكان ذلك هو الدافع وراء بحثه عن تصميم مقبرة الإله ( جحوتى ) لكى يجعل مقبرته مماثلة فى تصميمها لمقبرة ذلك المعبود و هو أمر يتناقض مع هو معروف من وثائق ذلك العصر التى تظهر بوضوح أن الملك فى عصر الدولة القديمة يبدأ فى تشييد هرمه فى العام الأول من حكمه و لا ينتظر كل ذلك الوقت الذى أشارت له البردية . 7 - كل ماورد فى القصة من أفكار حضارية هى من نبت عصر الدولة الوسطى التى أكدت نصوصها على أن إله الشمس ( رع ) يختار الملك و هو فى بطن أمه كإبن له من بين ملايين الناس و انه ليس من الضرورى ان يكون ذلك الملك منحدر من عائلة ملكية مما يعكس أن هذه القصة لاتشير من قريب و لا بعيد لأى أحداث تاريخية و قعت فى عصر الدولة القديمة

هل كان أوزير أبا لحورس أم حورس إبنا لأوزير ؟

بسم الله الرحمن الرحيم

هل كان أوزير أبا لحورس أم حورس إبنا لأوزير ؟

- حول مغزى الأسطورة الأوزيرية فى عصر الدولة القديمة )................................................................ حظيت الأسطورة الأوزيرية بلا شك بأهمية كبيرة فى المعتقدات الدينية و الجنزية فى مصر القديمة ، الأمر الذى دلل عليه ورود مقتطفات منها فى العديد من النصوص الدينية و الإشارة و التلميح لبعض أحداثها فى الطقوس الدينية و الجنائزية و التعاويذ السحرية و غيرها منذ عصر الدولة القديمة و على مر العصور التاريخية । و يفضل الدارس أن يقصر تناوله لهذا الموضوع على عصر الدولة القديمة فى محاولة للإجابة على التساؤل عن كيفية نشأة هذه الأسطورة ؟ ................ و هنا يجب إلقاء بعض الضوء على مكانة شخوصها الرئيسية فى فترة ماقبل الأسرات و بعد بدايات العصر العتيق و الدولة القديمة للوقوف على الأوضاع السائدة فى تلك العصور و رصد التغيرات الواقعة من عصر إلى آخر । و نبدأ بالإله حورس و هو أقدم الآلهة فى الظهور على الإطلاق ، فهو إله السماء منذ البداية فى عصور ماقبل الأسرات و انتشرت عبادته فى مصر منذ نهاية عصر نقادة الثانية مما يعنى انه كان مهيمنا على مناطق واسعة جغرافيا . و فى عصر الأسرة ( صفر ) إتخذه زعماء تلك الفترة كمعبود لهم اثناء زحفهم نحو الشمال لتوحيد مصر و من هنا أصبح إلها للملكية ، فأطلق على الملك ( حورس فلان ) ، و الذى مثل أقدم الألقاب الملكية التى سجلت واجهة القصر الملكى ( السرخ ) . أما عن الإله ( ست ) فيرجع ظهوره أيضا إلى عصر ماقبل الأسرات حيث كان يجسد المعبود المسيطر على العواصف و الرياح و الأمطار و سرعان ماارتبط بالملكية فى عصر الأسرة صفر و ذلك عندما انتسب اليه الملك ( العقرب ) فقام بتصويره على رأس مقمعته الشهيرة ( راجع مقال الملك العقرب واحد لا إثنين ) و ربما كان ذلك الملك هو أول من قام بمحاولة توفيق بين أنصار المعبودين آنذاك . أما عن المعبود أوزير ، فعلى الرغم من نسبة بعض الشواهد الأثرية المبكرة إليه إلا أنه لم يرد إسمه صراحة فى نصوص دينية كاملة إلا فى نهاية عصر الأسرة الخامسة وهى نصوص الأهرام من عصر الملك ( أوناس ) فذكر فيها كأحد أفراد تاسوع آلهة هليوبوليس كإبن للإلهين ( نوت ) و ( جب ) ، كما ظهر أيضا كإله للفيضان و الزراعة و الخصوبة و لانبالغ إذا ذهبنا أن ذلك المعبود لم يرتبط بالملكية إلا فى عصر الأسرة الخامسة ، فلا وجود لأى ألقاب كهنوتية لذلك الإله تدل على عبادته طوال الأربع الأسرات الأولى ، و عندما تم قبوله من جانب كهنة هليوبوليس فى التاسوع الشمسى أصبح سيدا للموتى ، و جمع لنفسه صفات آلهة الموتى كلهم ( خنتى إمنتيو ) و ( سوكر ) و ( عنجتى ) . و فى محاولة لتتبع الأحداث التى جمعت الشخوص الرئيسية للأسطورة الأوزيرية خلال عصر الدولة القديمة يمكننا أن نستنتج مايلى : 1 - لم يكن هناك أى صراع دينى أو سياسى فى بادىء الأمر بين المعبودين ( حورس ) و ( ست ) منذ عصور ماقبل الأسرات و حتى النصف الثانى لعصر الأسرة الثانية ، و قد يبرهن على ذلك و جود آثار تدل على وجودهما سويا فى نفس أماكن العبادة ، بل و وجود كهنة يشتركون فى إقامة الطقوس لكلا المعبودين . 2 - بالرغم من الإرتباط الوثيق بين ( حورس ) و الملكية منذ عصر الأسرة ( صفر ) إلا أن الملوك لم يهملوا عبادة ( ست ) فى نفس الفترة حيث كانت تضاهى العبادة الحورية و لاتقل عنها أهمية مما جعل الزوجة الملكية فى العصر العتيق تكتسب لقب ( التى ترى حور و ست ) اى التى ترى زوجها الملك الذى يجمع فى شخصه ( حورس ) و ( ست ) . 3 - زادت قوة أتباع الإله ( ست ) فى النصف الثانى لعصر الأسرة الثانية على الأقل فى منف مركز الحكم ، الأمر الذى جعل الملك ( بر إيب سن ) - الملك قبل الأخير فى الأسرة الثانية - أن يضع ( ست ) بدلا من ( حورس ) على واجهة القصر الملكى ، و كانت تلك هى أول إشارة تارخية تكشف عن وجود صراع دينى و سياسى بين أنصار المعبودين . 4 - و فى عصر الملك ( خع سخموى ) ، حدث إتفاق بين أتباع كل من الإلهين حيث قام هذا الملك بوضع رمزا ( حورس ) و ( ست ) على واجهة القصر الملكى دلالة على تساويهما فى السيادة على الملكية ، ثم عادت السيادة الكاملة لحورس مرة أخرى فى عهد الملك ( زوسر ) مع بدايات الأسرة الثالثة . 5 - تزامن الصراع بين أتباع الإلهين ( حورس ) و ( ست ) تكوين و نشأة التاسوع الشمسى فى هليوبوليس ، حيث وضع كهنة الشمس إله خالق و أسموه ( آتوم ) ، و قاموا بتوحيده مع إله الشمس ( رع ) وهى الصيغةالتركيبية التى ظهرت بوضوح فى نهاية عصر الأسرة الخامسة ، و من المعروف أن ( آتوم ) إله تلفيقى نسجه كهنة هليوبوليس فى التاسوع فى عصر الأسرة الخامسة و لم يكن له أى و جود يدل عليه أثريا قبل تلك الفترة . 6 - أدى التوافق بين أتباع حورس فى الشمال و كهنة هليوبوليس - كنتيجة لإرتباط حورس إله السماء و الضياء بالعقيدة الشمسية - إلى محاولة ربط حورس بقرابة مع تاسوع هليوبوليس بما يحقق منفعة مادية و معنوية لأتباعه . و فى ذات الوقت ضم كهنة هليوبوليس الإله ( ست ) الى التاسوع الشمسى وهو الإله المنافس لحورس كأحد أفراد الجيل الرابع ليكون مع الإلهة ( نفتيس ) زوجا من الآلهة فى مقابل ( أوزير ) و ( إيزيس ) . 7 - لم يكن المعبود ( أوزير ) واحدا من آلهة التاسوع الشمسى حتى نهاية عصر الأسرة الرابعة على أقل تقدير ، حيث لم يذكر أوزير كأحد أفراد التاسوع نظرا لوجود تيار دينى شمسى معارض لإنضمامه لمجمع هليوبوليس ، وعندما زادت قوة نفوذ كهنة أوزير و تغلغلوا بعقيدتهم مابين كبار رجال الدولة و البيت المالك قبل كهنة الشمس بدخوله التاسوع فى عصر الأسرة الخامسة و وضعوه بدلا من المعبود ( جحوتى ) الذى كان الزوج الأول للإلهة ( إيزيس ) طبقا لما ورد فى نصوص الأهرام . 8 - دعمت شرعية الإله ( حورس ) كإله للملكية بنسبته إلى ( أوزير ) أحد أفراد التاسوع كإبن و وريث شرعى و أعطوه لقب ( حورس ابن ايزيس و حورس ابن اوزير ) على عكس المعبود ( ست ) الذى لم ينصهر فى التاسوع كأخيه ( اوزير ) و لم تظهر حميميته مع زوجته ( نفتيس ) التى أصبحت علاقتها بأوزير هى و أختها ( إيزيس ) قويةو واضحة حيث تشير نصوص الأهرام إلى حماية الأختين لجسد أخيهما ( أوزير ) بعد مقتله . 9 - نسجت فى مدينة هليوبوليس أهم المراكز الدينية فى الدلتا فى ذلك الوقت أيضا قصة مقتل أوزير على يد أخيه ( ست ) و حق ( حورس ) فى الأخذ بالثأر لمقتل أبيه ، و من هنا أطلق عليه أتباعه لقب ( حورس المنتقم لأبيه ) ، زيادة فى تدعيم موقف ( حورس ) و القضاء على أدنى فرصة لأتباع ( ست ) للنهوض مرة أخرى ................................................. و لذلك نستشف أن الأسطورة الأوزيرية لم يكن لها وجود فى البداية و لم تبتكر إلا لاحقا بعد إحتدام الصراع بين أتباع كلا من الإلهين ( حورس ) و ( ست ) تارة فى النصف الثانى لعصر الأسرة الثانية و تارة أخر فى عصر الأسرة الخامسة و رغبة كل من الطرفين فى تدعيم موقفه السياسى أمام الآخر عن طريق الحق الإلهى و بمعنى آخر إعطاء الأولوية للبعد ( التاريخى ) و ( السياسى ) على البعد ( الدينى ) فى تفسير نشأة الأسطورة . ومن هذا المنطلق يمكن القول بأن علاقة (حورس ) إله الملكية بالمعبود ( أوزير ) كانت ثانوية بالنسبة لتنافسه السياسى مع الإله ( ست ) ، فلم تكن تربطه أدنى صلة قرابة بأوزير فى بادىء الأمر ، و إنما نسجت قصة بنوته لأوزير و رغبة الإنتقام من عمه ( ست ) لتجعل منه وريثا شرعيا لعرش ابيه ( حورس الملكية ) ، وبالتالى تدعيم مكانته أمام أتباع الإله ( ست ) فى الهيمنة على عرش مصر .


تقلد ضباط الجيش للمناصب الكهنوتية و الإدارية فى عصر الرعامسة

بسم الله الرحمن الرحيم

( تقلد ضباط الجيش للمناصب الكهنوتية و الإدارية فى عصر الرعامسة )........................................................................... أصبح توظيف الضباط فى المعابد ، سواء فى المناصب الكهنوتية أو المناصب الإدارية ، تطبيقا شائعا ، ظهرت آثاره الخطيرة فى أواخر الأسرة العشرين . فقد ظهرت عائلات يرتبط فيها العسكريون و الكهنة برباط الدم ، و أصبح ذلك الأمر ظاهرة مميزة للمجتمع المصرى فى عصر الرعامسة . و كانت تقوم بين هذه العائلات المختلفة روابط قوية عن طريق التزاوج بين أعضائها . و بالتالى فقد نشأت طبقة جديدة قوية تتمتع بسيطرة حاكمة . و مما لاشك فيه أن ذلك يعود إلى السياسة التى انتهجها آخر ملوك الأسرة الثامنة عشرة - الملك حور محب - عندما قرر تعيين الصفوة الممتازة من رجال الجيش فى مناصب كهنوتية طبقا لما ورد فى نص مرسوم التتويج المسجل على ظهر تمثاله المعروض حاليا فى متحف تورينو بإيطاليا . و من هنا يمكن القول أن ملوك أواخر الأسرة العشرين ( نهاية عصر الرعامسة ) كانو يواجهون طبقة كهنوتية ذات طبيعة تختلف تماما عن تلك التى كانت موجودة قبل عصر العمارنة فكهنة ( آمون ) قبل عصر العمارنة لم ينحدروا من أصل عسكرى ، أما الطبقة الكهنوتية الناشئة فى عصر الرعامسة فكانت ذات أصول عسكرية واضحة . و فى وقت مبكر جدا من حكم الملك ( رمسيس الثانى ) أصبح ( نب-ونن-إف ) الكاهن الأعلى لآمون فى طيبة بعد قيام الملك بعمل إستشارة لوحى ( آمون ) . و فى واقع الأمر أن ذلك الرجل لم يتم إختياره من بين مجموعة كهنة آمون فى طيبة ، بل و قد لاحظنا أن ( نب-ونن-إف ) كان يتبع إسمه بلقب عسكرى وهو ( قائد الجيش ) . و عندما نصل الى نهاية عصر الأسرة التاسعة عشرة نجد ( روم - روى ) الذى شغل منصب الكاهن الأكبر لآمون ، يحمل اللقب العسكرى ( قائد جيش آمون ) كما كان يحمل لقب ( المشرف على كهنة جميع الآلهة فى مصر العليا و السفلى ) الأمر الذى يعكس أن كبير كهنة آمون أصبح يتمتع بحق السلطة الدينية و العسكرية فى عصر الرعامسة . و لذلك يمكن لنا أن نستشف حقيقتين تاريخيتين : الحقيقة التاريخية الأولى ، هى التوسع فى توظيف الضباط فى المناصب الخالية بالمعابد ككهنة ، بعد أزمة العمارنة ، كما يدل على ذلك نص تتويج ( حور محب ) . و إذا وضعنا مبدأ الوراثة فى الإعتبار ، يمكننا أن نقول بإطمئنان أن ذرياتهم كانوا يتوارثون هذه المناصب . أما الحقيقة التاريخية الثانية فهى إختفاء طبقة كهنة آمون التقليدية فى طيبة ، و التى كانت قائمة قبل فترة العمارنة كنتيجة مباشرة لأحداث ذلك العصر ، و الإنتصار النهائى للطبقة العسكرية فى كفاحها الطويل للوصول للسلطة . و لايفوتنا أن نذكر فى هذا الصدد أمر هام و هو أن ضباط الجيش قبل عصر العمارنة كانت لديهم خلفية ثقافية واضحة ، فقد كانوا على أعلى مستوى من الثقافة و المعرفة و لذلك السبب لم يكن غريبا على الملك ( حور محب ) أن يستعين بهم فى كبرى المناصب الدينية فقد كانوا على دراية تامة بالديانة المصرية القديمة و طقوسها التى تعلموها بفضل تنشئتهم الثقافية المرتفعة منذ الصغر

جبانة الجيزة منذ نهاية عصر الدولة القديمة و حتى نهاية عصر الإنتقال الثانى

بسم الله الرحمن الرحيم

( جبانة الجيزة منذ نهاية عصر الدولة القديمة و حتى نهاية عصر الإنتقال الثانى )


......مما لاشك فيه أن الجيزة لم تعد جبانة ملكية بعد عصر الملك ( منكاورع ) حتى و إن إستمر كبار رجال الدولة و ا لكهنة المكلفون بإقامة الطقوس الجنزية لصالح ملوكها يدفنون فيها خلال عصر الأسرتين الخامسة و السادسة ، و مع انهيار السلطة الملكية و بداية عصر الإنتقال الأول تعرضت هذه الجبانة للنهب و الإعتداء ، فهناك مقابر تؤرخ بعصر الدولة القديمة أعيد إستخدامها فى عصر الإنتقال الأول ، و انتشرت المدافن الفقيرة فى الجبانة حيث لم يتردد أصحاب هذه المدافن فى نزع كتل حجرية من مقابر أقدم زمنيا ، كما شيد البعض الآخر مقابر فقيرة فى مقتنياتها فوق مقابر أخرى تنتمى للدولة القديمة إستخدم فيها كذلك عناصر من تلك المدافن القديمة ، ولم يتوقف الأمر عند ذلك الحد ، بل أن الشواهد الأثرية ترجح سرقة المقابر الملكية نفسها خلال عصر الإنتقال الأول و كذلك إنتزاع بعض أحجار الكساء الهرمى و سرقة المعابد الهرمية و تماثيل الملوك ...... و لا ينبغى أن نتجاهل حقيقة أن الوقائع السالف ذكرها جاءت كنتاج طبيعى لبداية هجر الموقع من جانب الكهنة الجنزيين مع نهاية عصر الأسرة السادسة ، الأمر الذى يعنى أن الدولة لم تعد قادرة دينيا على إتمام مفهوم ( عبادة الأسلاف ) و ذلك لعجزها الإقتصادى الواضح المتمثل فى عدم سيطرتها على مواردها الإقتصادية فى تلك الفترة । و لم تشهد جبانة الجيزة أى تغيير إيجابى خلال عصر الدولة الوسطى ، بل أصبحت جبانة ( ميتة ) فلم نعثر فيها على أى شواهد مادية تشير لإعادة إستخدامها كموضع دفن عند إعادة توحيد مصر و إستباب الأمن فى البلاد مما يشير إلى أنها لم تكن مسرحا لأى عبادة دينية فى ذلك العصر । ومن جانب آخر يرى البعض من الدارسين أن ملوك الدولة الوسطى ساهموا فى تدمير الجبانة بعدما قاموا بإستخدام منشآت الجيزة كمحاجر و كمصدر غنى بالأحجار الجاهزة للبناء ، و خاصة بعدما عثرنا على بعض أحجار من هرمى و معبدى الملكين ( خوفو ) و ( خع إف رع ) فى حشو هرم الملك ( أمنمحات الأول ) فى اللشت ، مما يعكس قلة ورع و تقوى من جانب ملوك الأسرة الثانية عشرة تجاه أسلافهم المدفونين فى الجيزة ، حيث إتجهوا إلى جبانة دهشور و أعادوا الإهتمام بها فرمموا المعبد الجنزى للهرم الشمالى للملك ( سنفرو ) و أقاموا أهرامات أو أضرحة تذكارية بجوار هرمه ، و لاغرابة فى ذلك ، فهم عندما بحثوا عن ملك يجعلونه القدوة و المثل الطيب الذى يستمدون منه شرعيتهم ، لم يكن هذا الملك هو ( خوفو ) أو ( خع إف رع ) ، بل إتجهت الأنظار إلى ملك كان لايزال يتمتع بسمعة طيبة بين الشعب و هو الملك ( سنفرو ) و خاصة إذا ماوضعنا فى الإعتبار أن الصورة الشعبية التى نسجت حول ملوك الجيزة - و بالتحديد خوفو - فى عصرى الإنتقال الأول و الدولة الوسطى كانت سلبية الى حد كبير ، وهو مانعكس بشكل واضح فى بردية و ستكار التى يظهر فيها الملك ( خوفو ) غير مبالى بقيمة الإنسان و ذلك عندما رفض الساحر ( جدى ) بأدب طلب الملك الذى كان يريد قطع رأس أسير من أجل إظهار قدرات ( جدى ) السحرية ، كما أن البردية ذاتها توضح أن نسل الملك خوفو سينقطع و يتلاشى و أن الملوك الذين سيحكمون مصر فيما بعد منحدرون من نسل إله الشمس ( رع ) مباشرة و جدير بالذكر اننا تناولنا حقائق هذه البردية فى مقالة سابقة ( راجع شكوك حول بردية وستكار ) । و عندما تعثرت مصر مرة أخرى فى عصر الإنتقال الثانى تدهورت جبانة الجيزة أكثر مما سبق و من جهة أخرى نجد أدبيات عصر الإنتقال الثانى إستمرت فى نشر الفكرة الشعبية القديمة حول ( خوفو ) مما زاد من تجاهل المصريين تجاه الجبانة




ملامح الحكم الدينى فى أواخر عصر الدولة الحديثة

بسم الله الرحمن الرحيم

( ملامح الحكم الدينى فى أواخر عصر الدولة الحديثة ).......................................................................................................................منذ بداية الأسرة عشرين ، بدا واضحا أن عادة العرافة أو إستيحاء الإله و طلب مشورته قد دخلت عليها تغييرات عميقة ، فقد أصبح الفلاحون و العمال و سكان القرى المجاورة فى جبانة طيبة ، و خاصة مستوطنة دير المدينة ، يتقدمون إلى الآلهة الرئيسية فى المناطق المجاورة ، بما فيهم المعبود ( آمون ) ، لطلب مشورتهم و نصائحهم و قرارتهم الشرعية فيما يعرض لهم من هموم و متاعب . و هكذا ارتبط الإله إرتباطا و ثيقا بحياة الناس العاديين . و من الثابت أن معابد آمون المحلية فى قرى جبانة طيبة ، كان الناس يلتجئون إليها للحصول على نبوءات الإله. و مما لاشك فيه أن إنتشار عرافة آمون على هذا المستوى بين الشعب العامل و الفلاحين ، بعد أن كانت مقتصرة فقط على الملوك داخل المعبد قبل عصر الرعامسة ، كان معاصرا لزيادة قوة و نفوذ كهنة آمون فى النصف الثانى لعصر الدولة الحديثة . و كانت ثروات و مؤسسات ( معابد آمون ) منذ الأسرة عشرين ، كانت تتألف أساسا من الأراضى الزراعية و القرى و ترسانات السفن و إمتلاك العبيد ، مما يدل على مدى القوة التى بلغها كبار كهنة آمون فى ذلك الوقت ، و نرى من جانبنا أن ذلك النفوذ الدينى و السياسى لهؤلاء الكهنة كان أشد وطئا على السلطة الملكية منذ النصف الثانى لعصر الأسرة التاسعة عشرة ، حيث نرى فى نهاية تلك الأسرة الكاهن الأعلى لآمون ( روم - روى ) مصورا على جدران الكرنك فى نفس حجم صورة الملك ، و الأهم من ذلك ، ان الضرائب صارت تجبى بواسطة السلطات التنفيذية لمعبد آمون مباشرة ، ودون أى رقابة فعلية من جانب السلطة الملكية على جباية تلك الضرائب مثلما كان يحدث قبل النصف الثانى لعصر الدولة الحديثة ، و لذلك عندما إستقلت سلطة المعبد عن السلطة المركزية أصبح معبد ( آمون ) بمثابة دولة داخل الدولة و قبل العام التاسع عشر من حكم الملك ( رمسيس الحادى عشر )- آخر ملوك الأسرة عشرين - وقعت ( حرب ) أو ( إخماد ثورة ) إستطاع أثناءها ( أمنحتب ) كبير كهنة آمون أن يجند جيشا خاصا يقف فى وجه الجنرال ( بانحسى ) نائب الملك فى كوش ، الذى أتى على رأس قواته لقمع الفتنة التى أثارها ( أمنحتب ) ضد الملك ( رمسيس الحادى عشر ) الأمر الذى يعكس ضعف السلطة الملكية فى مواجهة مثل ذلك التمرد الخطير و إحتياجها لتدخل القائد النوبى لحسم الأمور . و ليس من قبيل الصدف أن أساس الحكومة الثيوقراطية التى نشأت فى طيبة فى أواخر الأسرة عشرين ، قد إرتبط من الناحية التاريخية بسقوط الإمبراطورية المصرية من جانب ، و إنحلال السلطة المركزية من جانب آخر . و عندما قام الملك رمسيس الحادى عشر بوضع ( حريحور ) على رياسة كهنة آمون بدلا من ( أمنحوتب ) ، لم تتحسن الأحوال السياسية للبلاد ، فقد كان ( حريحور ) ضابط فى الجيش محترف ، وقد عمل هذا الرجل على تأسيس حكم الكهنة الصريح فى طيبة بإسم ( آمون ) و كان يحمل ألقاب ( كبير كهنة آمون و نائب الملك فى كوش و الوزير علاوة على قيادته للجيش ) و سعى إلى وضع لقبه الكهنوتى داخل خرطوش ملكى فى معبد خونسو بالكرنك كما أنه كان يستخدم كل ألقاب الملك التقليدية . و يرى البعض أن هذا النظام الثيوقراطى كان يهدف الى تحقيق أهداف سياسية ، وكان بمثابة قناع يخفى الحكم المطلق لطبقة كهنة آمون .

الصراع بين العسكريين و كهنة طيبة قبل عصر العمارنة

بسم الله الرحمن الرحيم

-الصراع بين العسكريين و كهنة طيبة قبل عصر العمارنة- ........................................................................................................................من المسلم به لدى كثير من المؤرخين ، حدوث صراع بين كبار كهنة الإله آمون و بين بعض ملوك النصف الأول لعصر الأسرة الثامنة عشرة أى قبل عصر العمارنة . غير أننا لانسلم بهذه الفكرة الشائعة ، و نرى أنها لاتستقيم و لاتتناسب مع الروح التى كانت سائدة فى عصر هذه الأسرة ، فالأمر يستقيم أكثر عندما نعي أن ذلك الصراع لم يكن بين ملوك طيبة و كهنة آمون قبل عصر العمارنة ، بل كان صراعا بين كهنة آمون و ضباط الجيش المصرى ، حيث ترجح البراهين الحالية أن بوادر ظهور و تطور الطبقة العسكرية الجديدة ، إنما يرجع الى بدايات عصر الأسرة الثامنة عشرة ، بعد أن أصبحت لتلك الطبقة مصالح إقتصادية و سياسية جديدة يحتمل تعارضها مع مصالح الطبقات الأخرى ، و خاصة كهنة آمون . و مما لاشك فيه أن ضباط الجيش المصرى اعتبروا قيام الإمبراطورية المصرية قد تكون بفضلهم و مجهوداتهم العسكرية فى حين رأى كهنة آمون أن تلك الإنتصارات لم تكن لتتحقق لولا تأييد و مؤازرة ربهم لحملات الملوك العسكرية مما جعل هناك خصومة أيدولوجية بين الجانبين تخفى وراءها الصراع الحقيقى بينهما ، و الذى يتمثل فى الحصول على الحظوة لدى ملوك تلك الفترة ، و التمتع بالمراكز الرئيسية فى إدارة الدولة و المعابد ، مما كان يعنى السيطرة على الحياة الإقتصادية و السياسية و الدينية فى مصر و هو الصراع الذى انتهى لصالح طبقة العسكريين بوصول الضابط ( حور محب ) الى عرش البلاد بعد أزمة العمارنة و كذلك فى بداية عصر الرعامسة . ومن هنا نرى أنه ينبغى لنا أن نشير الى أن تحول الملك ( إخناتون ) للديانة الآتونية الشمسية إنما يعود لأسباب أخرى ليس لها صلة بمفهوم الخصومة بين الملك و أسلافه وبين أنصار المعبود آمون و إنما ينبغى لنا أن نبحث عن دوافع أخرى لهذا التحول تجاه الديانة الآتونية على حساب عقيدة آمون بعيدا عن مناقشة فكرة الإتجاه المتزايد لنفوذ هؤلاء الكهنة و الذى كان يمثل تهديد للبيت المالك ، و البراهين التى تدعم هذه الحقيقة هى 1- كل واردات معابد آمون لم تكن منفصلة عن إدارة القصر الملكى قبل عصر العمارنة و انما كانت تخضع لرقابة كبار ضباط الجيش المصرى 2- لم يكن لكهنة آمون حق التصرف الحر فى هذه المخصصات إلا فى حدود ماأقرته السلطة الملكية تجاههم 3- لم تكن واردات و هبات معابد آمون تتعدى خمسة بالمائة من خزينة القصر الملكى قبل عصر العمارنة 4- لم يكن لكبير كهنة آمون الحق فى تفسير وحى الإله آمون فى حضور الملك داخل المعبد و انما كان ذلك حكرا على السلطة الملكية و فى حالة غيابه يحل محله كبير كهنة آمون الذى يفسر و حى المعبود بما لايتعارض مع الرغبة الملكية