السبت، 30 يونيو 2012

طبيعة الدور الملكي فى نصوص و فن العمارنة


بسم الله الرحمن الرحيم 

‎( طبيعة الدور الملكي فى نصوص و فن العمارنة ) ..........................................................................................
.......................  كان الإتجاه بمذهب البلاد الرئيسي إلى عقيدة الشمس وحدها و الإنتماء إلى  المعبود الأوحد ( آتون ) ، هو الإطار العام الذي تحددت من خلاله ملامح  عقيدة الملكية و اكتسب الملك ( إخناتون ) على أساسها مركزا متميزا عبرت عنه  النصوص و المناظر الملكية و غير الملكية فى وضوح كبير . فمن الملاحظ أن  هناك تركيز واضح فى نصوص و مناظر العمارنة على إبراز دور الملك كوسيط وحيد  بين المعبود الأوحد آتون و بين أفراد الشعب فى مجتمع العمارنة ولاشك أن ذلك  قد جاء على نحو متميز
 و لعل التساؤل الذي يطرح نفسه فى هذا الصدد : ما هى علاقة الملك بربه آتون فى عصر العمارنة ؟ ...........................
أكدت النصوص الملكية و نصوص كبار رجال الدولة على أن إخناتون هو إبن آتون  الوحيد من جسده . فعلى سبيل المثال نقرأ عبارة مثل ( إبنك الوحيد الذي خرج  من جسدك ) ، و فى سياق آخر ( أنت أنجبت جلالته كما تنجب نفسك كل يوم دون  توقف ، أنت كونته من أشعتك بنفسك ) . و لم يقتصر تأكيد بنوة الملك لآتون  على النصوص وحدها بل أن المناظر و الأعمال الفنية أسهمت بدور فعال فى هذا  الصدد . و لم يلجأ الملك فى ذلك إلى الطريقة التقليدية التى تتمثل فى مناظر  الولادة الملكية التى كانت معروفة فى النصف الأول من الأسرة الثامنة عشرة و  كان أقربها إلى عهده مناظر ولادة أبيه أمنحتب الثالث فى الأقصر إذ أن مثل  هذه المناظر لم تكن تتلائم طبيعة العقيدة الآتونية التى مالت إلى ( التجريد  ) فى إطار ديانة ( التوحيد ) ، بدلا من ( التجسيد ) فى ظل ( التعددية ) .
و لكن الملك لجأ إلى أسلوب فنى فريد للتعبير عن خصوصية العلاقة بينه و بين  أبيه ، فحرص على تصوير الحقائق التالية                         1 - أن  آتون هو الذي منحه الحياة تولاه بالرعاية و الحضانة فى نفس الوقت . فقرص  الشمس الذي يجسد آتون تنبعث أشعته فى هيئة أذرع بشرية تنتهى فى العادة إلى  الإبن إخناتون دون غيرهم من الناس و هى تقدم لهم الحياة
2 – فى بعض  هذه المناظر لا تكتفى أيدي آتون بتقديم الحياة إلى أنف الملك و الملكة ، بل  تمتد أيضا إلى جسد الملك و زوجته لتحيط بخاصرة كل منهما و كأنها تحيط  بالإبن إخناتون و زوجته بالرعاية ، على نفس النحو الذي كان المسئولون عن  الحضانة ( رجالا و نساءا ) يقومون به ، فيحيطون الأمراء و الأميرات  بالذراعين تعبيرا عن معنى الرعاية فى فترة الحضانة .
3 – يمكن القول  بوجه عام أن فكرة الحضانة كانت ترتبط دون شك بالأذرع المنبعثة من آتون ،  فقد عبرت نصوص العمارنة عن تأثير هذه الأشعة على نمو النباتات و غيرها من  الكائنات بلفظ ( منع ) و هو الإسم الذي ظهر قديما فى نصوص الأهرام معبرا عن  بحيرة غذاء أسطورية لازمة لحضانة الملك فى العالم الآخر ، كما إشتقت  منه (  لفظ منع ) ألقاب المرضعات القائمين على الحضانة مثل ( منعت ) و ( منعي )
يتبين لنا مما تقدم أن هذه المناظر تؤكد من ناحية على أن إخناتون هو إبن  آتون كما تؤكد على أن آتون هو الذي يمده مع زوجته على الدوام بالحياة و  يشملهما بالرعاية و الإنماء .
و على الجانب الآخر ، حرصت مناظر و نصوص  العمارنة على إبراز العلاقة بين الملك و بقية الناس فى مجتمع العمارنة بحيث  يظهر الملك فى هذه العلاقة كمصدر مباشر و وحيد يستمد منه طوائف الشعب و  الموظفون أسباب معيشتهم . فهو الذي يتولى بنفسه تعيينهم فى وظائفهم و  يمنحهم مساكنهم و كذلك مقابرهم و يجود عليهم بالعطايا و الهدايا . أى أن  أسباب الحياة و مصدر الرزق بالنسبة لهم يرتبط دائما بشخص الملك فقط
و  من هنا نلاحظ تلك الحقيقة الفكرية الهامة و هى : أن عصر العمارنة أقام  مستويين متتاليين لعلاقة العطاء يلتقي طرفاها الأعلى ( آتون ) و الأدنى (  الشعب ) فى الأوسط ( الملك و الملكة ) و ذلك ما يمكن إدرامه لأول وهلة فى  أى منظر يجمع أطراف هذه العلاقة الثلاثية لاسيما فى مناظر الهبة أو المنحة  الملكية ، و هى التى تجسد علاقة العطاء حيث يظهر بوضوح فى قمة المناظر من  أعلى آتون بأشعته التى تصل بالحياة و الرعاية الى الملك و الملكة فى الشرفة  الملكية ( أى فى المستوى الأوسط من المنظر ) . بينما يقوم الملك و الملكة  بدورهما بإلقاء الهدايا و العطايا و كلمات المديح للموظف الواقف فى المستوى  الأدنى من المنظر
إن مثل هذه العلاقة النمطية فى عصر إخناتون تعكس  بوضوح دور الملك كوسيط وحيد بين عالم المعبود الأوحد و بين عالم البشر على  نحو متميز و بطريقة ملحة و متكررة و لو أن دور الملك كوسيط بين عالم  المعبودات و عالم البشر ليس جديدا فى حد ذاته ، بل أنه كان على الأرجح هو  الدور الأساسي الذي تتعلل به نظرية الحكم الملكي فى مصر القديمة إلا أن بيت  القصيد هنا هو التأكيد و التكرار و الإلحاح على تصوير هذه الفكرة
و  من الواضح أن حرص العصور السابقة لعصر العمارنة على تسجيل ولادة الملك من  أصل إلهي و رضاعته من المعبودات و تغذيته على يد آلهة تجسد طاقات و قدرات  إلهية ، كانت تهدف فى النهاية إلى التأكيد على أن الملك قد إكتسب من خلال  كل ذلك ما يؤهله لممارسة دور الوساطة بين المعبودات و البشر نظرا لإكتسابه  خصائص و طاقات المعبودات من خلال الرضاعة و التغذية فضلا عن أصله الإلهى .
يجدر التنويه هنا إلى أن تلك الطاقات و القدرات التى تمنحها الآلهة للملك  الحاكم عرفت فى النصوص المصرية القديمة بإسم ( كاوات ) ، فالكاوات الإلهية  يتم منحها من المعبودات الى الملك فيصبح مكتسبا لذات الكاوات . و لذلك فقد  حرصت مناظر الولادة الملكية قبل عصر العمارنة على تصوير حضانة الملك و  تغذيته على يد الآلهة التى تجسد الكاوات الإلهية ، لتؤكد على إكتسابه هذه  الخصائص و الصفات ( التى تجسدها تلك الكاوات ) لكي يصبح من بعدها ذا قدرة  فعالة فى العطاء و فى تجسيد الخصوبة و النماء .
و هنا ينبغي لنا أن  ندرك حقيقة بالغة الأهمية و هى : أن الآلهة التى تتولى مسئولية حضانة الملك  و تغذيته كانت فى العادة هى كاوات المعبود رع و التى تتجسد فى صورة كائنات  مذكرة و كائنات مؤنثة يصل عددها فى العادة إلى أربعة عشرة ، و تتخذ عادة  هيئة معبود النيل ( حعبي ) بإعتبارها الهيئة المناسبة لتجسيد الخصوبة و  النماء و أن أقدم ظهور لهذه المعبودات يرجع لعصر الأسرة الخامسة حيث ظهرت  فى معابد الشمس فى أبوغراب و فى المعبد الجنزى للملك ساحورع فى أبوصير
و فى هذا الضوء ، يمكن فهم الدور الذي مارسه اخناتون فى العمارنة كوسيط بين آتون و بين الناس من خلال الحقائق التالية :
1 – لوحظ أن صلوات أفراد الشعب و الموظفين فى العمارنة تتجه لأول مرة فى  التاريخ المصري إلى ( كا ) آتون و ( كا ) إخناتون و أحيانا ( كا ) الأم  الملكية تى
2 – تسجل نصوص العمارنة فيما لايقل عن عن أربعة عشرة مرة خطاب أفراد الشعب لإخناتون بقولهم ( أنت حعبي )
3 – تبين لنا مما سبق أن هناك إرتباط بين كاوات المعبود رع بهيئة معبود  النيل حعبي و إرتباط ظهور هذه الكاوات من خلال تلك الهيئة للمرة الأولى  خلال عصر إزدهار ديانة الشمس فى الأسرة الخامسة
4 – إن عودة ظهور هذه  العلاقة مرة أخرى فى عصر العمارنة أمر له دلالته الخاصة لاسيما أن هذا  الإمتزاج بين ( الكا ) و بين ( حعبي ) يتجسد الآن فى شخص ( الملك ) نفسه . و  هو الأمر الذي لا يقتصر تأكيده على النصوص وحدها بل أنه يجد تأكيدا أكبر  من خلال أعمال الفن ( النحت و النقش ) فى عصر العمارنة و بالتحديد من خلال  الشكل الجسمانى للملك
و تميل هذه الدراسة مبدئيا و لعدة إعتبارات إلى  الأخذ بأن إخناتون كان يجسد من خلال هيئته معبود النيل حعبي ( دون الدخول  فى الجدل المحتدم بين الباحثين حول المظاهر الفنية الخاصة بعصر العمارنة و  لا سيما الهيئة الجسمانية للملك و أفراد أسرته و كل الأشخاص الذين يعيشون  معه فى العمارنة ) و لا يرجع ذلك إلى ما تذكره النصوص أو تصوره المناظر و  التماثيل فقط ، بل لأن طبيعة الدور الذي قام به الملك تجاه أفراد أسرته و  تجاه عامة الشعب هى التى تؤيد مثل هذا المعنى .
فقد صورت المناظر  علاقات ود متبادلة بين الملك و زوجته فى أكثر من مناسبة ثم بينهما و بين  بناتهما فضلا عن مناظر المداعبات المشهورة بين العائلة الملكية . و يبدو أن  هذه الروابط الحميمة كانت إحدى المظاهر التى تعكس طبيعة الدور الذي قام به  الملك فى العمارنة بإعتباره وسيطا بين آتون و بقية الناس . فهذه الوساطة  جعلته يستمد الحياة مباشرة من معبود الشمس آتون و اكسبته بالتالى مظاهر  الخصوبة المتمثلة فى ترهل البطن و إمتلاء الأفخاذ و الصدر و هى تلك المظاهر  التى تعبر عن قدرات و طاقات معبود الشمس و تتجسد فى كاواته التى تتخذ عادة  هيئة معبود النيل حعبي و لعل هذا يفسر تسمية إخناتون بإسم حعبي و توجيه  الصلوات إلى شخصه مباشرة و يتبين من ذلك أن الملك كان يؤدي نفس الدور الذي  كانت تقوم به كاوات رع الأربع عشرة تجاه حضانة الأمراء ، أى أنه كما كانت  كاوات المعبود رع ( التى تتجسد فى هيئة معبود النيل حعبي ) هى التى تتكفل  بإمداد الأمراء فى فترة الطفولة بقدرات و طاقات المعبود رع ، فإن الملك هنا  هو الذي يلعب هذا الدور ( حيث أنه لا يوجد فى العمارنة معبودات تقليدية و  اقتصر الأمر على آتون ) و لذا فإن الملك هنا هو الذي يؤدي وظيفة كاوات رع  المتجسدة فى هيئة معبود النيل حعبي و ربما ذلك يفسر ظاهرة تأليه إخناتون فى  العمارنة حيث كان له كهنة يترأسهم الكاهن الأكبر الشخصي له و الذي كان  يأخذ لقب ( حم وع إن رع ) بمعنى خادم رجل رع الأوحد و من هذا المنطلق يمكن  تفسير ظاهرة هامة فى فن العمارنة تتمثل فى ظاهرة التفاوت الواضح فى تجسيد  خصائص الخصوبة بين أفراد البيت المالك و عامة الشعب . فمن الواضح ان هذه  الخصائص كان أكثر من يجسدها الملك و الملكة و يأتى من بعدهما الأميرات ثم  كبار الموظفين ثم من هم أقل منهم شأنا ثم عامة الناس الذي تظهر لديهم هذه  الخصائص فى صورة مخففة لا تزيد عن إمتلاء طفيف فى البطن و من المرجح فى ضوء  ما سبق أن هذا التفاوت يرجع إلى أن الملك و الملكة كانا يستمدان هذه  الخصائص مباشرة من آتون و من ثم كانا أكثر ترهلا فى البطن و إمتلاء فى  الصدر و الأفخاذ .
و من ناحية أخرى فإن العلاقة المباشرة بين الملك و  الملكة و الأميرات جعلت هذه الخصائص لدى الأميرات أكثر وضوحا عنها لدى كبار  الموظفين و عامة الشعب . و هكذا تقاس درجة وضوح هذه الخصائص لدى الموظفين  بمدى علاقتهم و قربهم من شخص الملك و بناءا عليه فقد كانت هذه الخصائص أكثر  وضوحا لدى كبار الموظفين لا سيما أولئك الذين يتلقون العطايا و المنح من  الملك مباشرة عند ظهوره فى نافذة التجلي
يتبين لنا فى نهاية المطاف أن جوهر العقيدة الملكية فى عصر العمارنة كما تعبر عنه النصوص و أعمال الفن كان يتركز حول التأكيد على دور الوساطة التى يلعبها الملك بين عالم المعبود آتون و عالم البشر و هى ذات النظرية التى ترتبط دائما بعقيدة الملكية فى مصر القيدمة عبر عصورها التاريخية و لكنها تبدو فى عصر إخناتون كما لو كانت هى بيت القصيد الذي أراد أ يعبر عنه الملك بوسائل متعددة و مبتكرة و متكررة

الجمعة، 29 يونيو 2012

الظروف السياسية و الدينية فى مصر خلال نهايات عصر الأسرة التاسعة عشرة


بسم الله الرحمن الرحيم 

( الظروف السياسية و الدينية فى مصر خلال نهايات عصر الأسرة التاسعة عشرة ) ................................................................................................................يتناول الدارس فى هذا المقال واحدة من فترات مصر الغامضة و هى نهايات عصر الأسرة التاسعة عشرة و ما حدث فيها من وقائع سياسية و دينية و لذا فنبدأ بطرح التساؤل التالي : ما هى الظروف التى مرت بها مصر سياسيا و دينيا بعد وفاة الملك ( مرنبتاح ) ؟ ... بعد موت الملك ( مرنبتاح ) تولى من بعده مجموعة من الملوك لا نعرف ترتيبهم على وجه التحديد و هناك من يرى أن الملك ( سيتى الثانى ) إبن الملك ( مرنبتاح ) هو من تولى زمام الأمور و حكم سبع سنوات و ترك لنا بجانب قبره فى وادى الملوك عددا من الآثار كان من أهمها مقصورة فى الفناء الأول لمعابد الكرنك .
تشير الدلائل لوجود شخصية ذات أهمية كبرى و دور فعال فى عصر الملك ( سيتى الثانى ) و هى الملكة ( تاوسرت ) التى كانت زوجته و يرى البعض أنها كانت هى اليد المحركة لشئون الدولة فى عهده . و بعد وفاة ( سيتى الثانى ) تمكن ( سا بتاح ) من تولى ملكية مصر و هنا نجد بعض الآراء التى رجحت أنه كان إبن محتمل للملك ( سيتى الثانى ) من زوجة ثانوية و يحتمل أن تاوسرت شاركته فى الحكم الفترة التى عاشها و التى إستمرت سبع سنوات و بعد ذلك إنفردت بالحكم لمدة عامين .
و قد إتخذت الملكة ( تاوسرت ) كما فعلت ( حتشبسوت ) من قبل ، الألقاب الملكية كما إصطفت لنفسها أحد رجالها و هو حامل الأختام ( باي ) الذي كان ربما سوري الأصل . و قد نقرت مقبرتها فى وادي الملوك بجوار مقبرة ( سا بتاح ) . و فى غمرة تلك الأحداث و منذ عصر ( سيتى الثانى ) و حتى عصر الملكة ( تاوسرت ) ظهر على مسرح الأحداث كبير كهنة ( آمون ) و هو المدعو ( آمون مس ) الذي أعلن نفسه ملكا و إتخذ هو الآخر الألقاب الملكية و استمر لمدة خمس سنوات على العرش مما جعل البعض ينظر إليه على أنه كان مغتصبا للحكم ، إلا أننا لا نعلم على وجه اليقين فى أى فترة بالتحديد قام بإعلان نفسه ملكا ؟ هل هو فى عصر ( سيتى الثانى ) أم ( سابتاح ) أم ( تاوسرت ) ؟
و هنا علينا أن نراجع الموقف التاريخي بعد وفاة الملك ( رمسيس الثانى ) ، مرتكزين على حقيقة هامة و هى : أن طول مدة حكم الملك ( رمسيس ) الثانى كان سببا للعداء داخل البيت المالك فى نهاية هذه الأسرة حيث أنه عاش فترة أطول من العديد من أبنائه مما ترتب عليه إضطراب و غموض الخط الوراثي ، و قد يفسر ذلك لنا عدم التأكد الفعلي حتى الآن من أنساب ملوك هذه الفترة بعد وفاة ( مرنبتاح ) و كيفية تتابعهم على العرش . كما لا ينبغي إغفال حقيقة أخرى موازية للحقيقة السابقة و هى : أن الملك ( رمسيس الثانى ) قد إستنزف موارد الدولة و مصادرها إما فى الإنفاق على معاركه الحربية و لا سيما فى بداية حكمه أو فى تشييد العمائر الدينية و المدنية و نحت التماثيل الضخمة له و للمعبودات فضلا عن تكريس و تخصيص العديد من الأراضي الزراعية للإنفاق على آثاره مما أدى إلى نضوب الخزينة فى نهاية حكمه و ربما كان ذلك سببا فى أن آثار و مبانى ( مرنبتاح ) قليلة نسبيا و معظمها مشيد من مواد مأخوذة من آثار أسلافه و لعل أوضح مثال على ذلك هو معبده الجنزى فى غرب طيبة الذي شيده من أحجار مأخوذة من المعبد الجنزى للملك ( أمنحتب الثالث ) 
و بطبيعة الحال إستمرت ظاهرة قلة الآثار مصاحبة لنهاية الأسرة بل إننا لم نتأكد حتى هذه اللحظة من تشييدهم لمعابد للمعبودات و إكتفى هؤلاء الملوك ببناء مقابرهم و معابدهم الجنائزية و بعض الإضافات لمعابد الآلهة و لم يشذ عن هذه القاعدة إلا الملك ( سيتي الثانى ) الذي شيد إستراحة لثالوث طيبة المقدس فى الفناء الأول لمعابد الكرنك .
و هنا ينبغي لنا ملاحظة عدد من الأمور و الحقائق الهامة التى وقعت خلال تلك الفترة و هى :
1 – كانت تلك الفترة مضطربة سياسيا و دينيا ، فقد قام تمرد فى الجنوب بقيادة كبير كهنة آمون المدعو ( آمون مس ) ضد حكم الرعامسة فى الشمال و هناك من يرى أن ذلك التمرد كان قد حدث خلال عهد ( سيتى الثانى ) و البعض الآخر يراه قد وقع خلال عصر ( سا بتاح ) حيث تطلع ( آمون مس ) للحكم بينما لم يكن الدم الملكي الخالص يجري فى عروقه و لهذا تم إعتباره مغتصبا و ملكا غير شرعي 
2 – ربما ساعد ( آمون مس ) فى الوصول للعرش ، كهنة آمون الذين أرادوا أن يعبروا عن سخطهم على أصحاب العاصمة الجديدة ( بررعمسو ) و ربها ( ست ) و قد يؤكد ذلك أن إسم الولادة لهذا الملك هو ( آمون مس حاكم طيبة ) أى أنه إنتسب للمعبود ( آمون ) و أكد على أنه حاكم طيبة و لاسيما و أن بداية الحكم الملكي لعصر الرعامسة إتجهت نحو إضعاف نفوذ الكهان من أصحاب آمون دون أن يجردوهم من كل سلطانهم كما حدث فى عصر العمارنة ، فقام ملوك الرعامسة و منذ بدايات الأسرة التاسعة عشرة بتوزيع مظاهر عقيدتهم بين أرباب البلاد الكبرى و إتضح فى هذا التوزيع ميلهم نحو الشمال و الذي يتضح فى أسمائهم الشخصية و خلوها من إسم ( آمون ) و لا يكاد يبرأ من ذلك غير واحد من الأدعياء يدعى ( أمون مس ) الذي ظهر أيام النزاع على العرش بعد وفاة مرنبتاح . و من جانب آخر تحول لقب المعبود آمون من ( الأول المطلق ) خلال عصر الأسرة الثامنة عشرة إلى ( الأول بين أقرانه ) من المعبودات مثل رع و بتاح و ست خلال عصر الأسرة التاسعة عشرة الأمر الذي يرجح إثارة حفيظة كهنة آمون ضد الرعامسة 
3 – مما لاشك فيه أن حالة تحدي ( آمون مس ) لسلطة الرعامسة لم تكن هى الوحيدة ، فقد زاد نشاط كهنة آمون فى ذلك العصر مما جعل كبير كهنة آمون ( روم روي ) يصور نفسه و خلفه إبنه الكاهن الثانى لآمون ( باك إن خنسو ) على الجدار الجانبي للصرح الثامن و هما يتعبدان لآمون بينما كان هذا الأمر قاصرا تصويره بلاشك على الملك فقط داخل معابد البلاد و لعل ما دعاه لذلك شعوره بضعف سلطة الملك و قلة هيبته و ربما كانت تلك إشارة إلى بداية سخط كهنة آمون على العاصمة الجديدة و كذلك بداية تطلعهم للسلطة و حكمهم البلاد و الذي تحقق جزئيا قرب نهاية الأسرة 20 و خلال الأسرة 21 
4 – يرى بعض العلماء أن وصول الملكة تاوسرت للعرش أدى إلى إضطراب الأمور فى عهدها مما كان سببا فى إنتقال زمام الأمور من فرعها إلى فرع آخر أشد شكيمة منه و هو فرع الأسرة 20 فهى إعتبرت نفسها ملكة بعد وفاة سيتى الثانى و هى التى تآمرت على آمون مس و تسببت فى عزله أو موته فى رأى البعض الآخر . ثم هى التى خططت مع المدعو ( باى ) حامل الختم فى رفع ( سابتاح ) إلى العرش و تزوجته و على أى حال فإن وجود تاوسرت على العرش قد أطمع الكثيرين فى التطلع إلى الحكم مما جعل فترة حكمها لم تزد عن سنتين فقط 
5 – يرى بعض الدارسين و منهم ( آلتن مولر ) أن الملك ( ست نخت ) مؤسس الأسرة 20 كان على رأس حزب معارض ضد حكم تاوسرت و أنه بعد إنتصاره عليها راح يؤرخ لعهده عقب وفاة سابتاح متخطيا فترة حكمها بل و قام بحملة تخربية واسعة ضد آثارها حيث حطم تماثيلها و نسب آثارها لنفسه أى أنه أراد إبادة شخصية هذه الملكة مع إنكار حكمها 
6 – من ناحية أخرى ربما إعتبرت تاوسرت من وجهة نظر الأجيال اللاحقة مقصرة فى أداء واجبها الديني كملك حيث أشارت بردية تورين التى ترجع لعصر الملك رمسيس السادس إلى أن عبادة رمسيس الثانى أو إقامة الشعائر لتماثيله و تماثيل غيره قد توقفت فى وقت حكومة تاوسرت . و لكن ألا يمكن إعتبار ما ورد فى بردية تورين دعاية مضادة لتشويه فترة حكمها من جانب ملوك الرعامسة ؟ هل نصدق النص أم نلجأ للآثار ؟ فإذا كانت ملكة غير معترف بها فى عصر الرعامسة ، إلا أن مانيتون قد ذكر إسمها كآخر من حكم البلاد فى نهاية الأسرة 19 الأمر الذي يعنى أنه يعترف بشرعيتها 
7 – ذكرت بردية تورين رجلا سوريا يدعى ( إيرسو ) أمسك بزمام الأمور فى نهاية الأسرة 19 حيث أن الدور الذي لعبه هذا الأجنبي يجعلنا نضيف سببا هاما من أسباب إنهيار تلك الأسرة ألا و هو زيادة نفوذ الأجانب الذين تدفقوا نحو مصر منذ عصر الأسرة 19 سواء جاءوا كأسرى حرب أو وفدوا إليها كتجار ثم إستقروا فيها و كان بعضهم يخدم كجنود مرتزقة فى الجيش المصري و منهم من عمل فى المؤسسات الحكومية و البلاط الملكي و من هنا فقد كان وصولهم للمناصب الرفيعة مثل القضاة و السقاة الملكيين و أمناء الأسرار أمرا طبيعيا و برغم تمصرهم بشكل كبير إلا أن منهم ( و لاسيما المدعو باي و غيره ) لم يكن ولائه الكامل لمصر و ملوكها بل كان عندهم الإستعداد للخيانة حتى و لو للملك نفسه مثل الأجانب الذين شاركوا فى مؤامرة القضاء على الملك رمسيس الثالث قرب نهاية حكمه 
8 – وجود أزمة إجتماعية تمثلت فى إنتشار الرشوة و الفساد الإداري و إزدياد السرقات و التى لم يسلم منها مقابر الملوك فضلا عن عدم إحترام الشعب للهيبة الملكية هذا بجانب كثرة الأجانب ذوي المناصب المرتفعة و الذين كان بعضهم من غير الموالين الولاء الكلي لمصر مما نتج عنه وجود خلل أثر على المجتمع المصري آنذاك 
9 – صورت مناظر معبد هابو على الجدار الشرقي للفناء الثانى مجموعة من تماثيل الملوك فى سياق عيد الإله مين الذين إعتبرهم الملك رمسيس الثالث مشيد معبد هابو من أسلافه المباشرين مرتبين كالتالى : مرنبتاح – سيتى الثانى – ست نخت ( مؤسس الأسرة 20 ) أى أن هذا النقش ( الذي يعتبر حتى هذه اللحظة آخر قائمة ألقاب ملكية معروفة فى الحضارة المصرية القديمة ) قد تجاهل تاوسرت و آمون مس و سابتاح رغم أنهم حكموا فعليا خلال تلك الفترة كما أثبتت آثارهم و المصادر الكتابية الأخرى و لعل تجاهلهم خلال عصر الملك رمسيس الثالث يرجع إلى خلافات أسرية أو سياسية .
10 – جاء فى بردية هاريس على لسان الملك رمسيس الثالث أن الظروف التى مرت بها مصر قبل سيطرة أبيه ست نخت عليها كانت فى غاية السوء و الفساد و لم يكن هناك سوى الشر فى البلاد بل أن زمام الأمر قد وصل فى النهاية للمدعو السوري ( إيرسو ) و لم تحترم المعبودات أو تقدم القرابين ! فهل نعتمد هنا على ما ورد كنص فى بردية هاريس أم أنه مجرد دعاية سياسية إتجه إليها كأمثاله من الملوك السابقين الذين كانوا يظهروا أعمالهم كإنجازات عظيمة و تثبيتا لأحقيتهم فى العرش من خلال تسجيلهم لكتابات تبالغ فى وصف حالة الإنهيار التى كانت موجودة قبل توليهم العرش ؟ إن معيار الحكم هنا يكون للآثار و ليس للنص ثم نقارن ماجاء على الآثار و نواجهه بمدى مصداقية النص فنزيل منه ما هو غير مطابق للآثار و نقر بما هو مطابق للآثار . و هنا و طبقا لما ظهر من الآثار من وجود تحدى واضح لكهنة آمون للسلطة الملكية و تفشي الفساد الإدارى المثبت فى أكثر من بردية و شقافات الفخار لعمال دير المدينة و عدم وضوح الخط الوراثى بعد وفاة مرنبتاح و عدم ولاء بعض الأجانب لمصر و تهديد مصر من جانب شعوب البحر و قبائل الليبيين فضلا عن توجيه سباب واضح ضد الملك سيتى الثانى ظهر لأول مرة فى شقافات الفخار لدير المدينة من جانب بعض العمال يدعم فكرة وجود أزمات فعلية فى مصر خلال نهايات عصر الأسرة التاسعة عشرة أما عن المبالغات التى وردت فى بردية هاريس فهى تتمثل فى توقف العبادة فى المعابد و عدم إحترام المعبودات أو عدم تقديم القرابين لهم

الثلاثاء، 26 يونيو 2012

المغزى الدينى من موت المعبود آتوم


بسم الله الرحمن الرحيم 

 ‎( المغزى الدينى من موت المعبود آتوم ) ........................................................................................................................
...هل  نال قدر الموت من المعبود آتوم ؟ .... من المعطيات الفكرية الكلاسيكية فى  الديانة المصرية القديمة أن المعبود آتوم هو الرب الأزلي القديم فى نظرية  إيونو ( عين شمس ) و السلف الأقدم للتاسوع و الذي شاع إعتقاد عن دفنه فى  إهناسيا ( هيراكليوبوليس ) خلال عصر الدولة الوسطى بالتحديد ، حيث نسب إليه  على أرضها ضريح أو مقبرة وصفت بأنها كهف الدفن و مكان الراحة لآتوم العظيم  و ذلك على إحدى موائد القربان التى وهبها أحد المتعبدين لمقبرته المزعومة  هناك . إلا أن التساؤل الذي يطرح نفسه هو : لماذا كانت مقبرة الإله آتوم  بالتحديد فى منطقة إهناسيا طبقا لما ورد فى متون التوابيت خلال عصر الوسطى ؟
 1 - تمكن حكام إهناسيا خلال عصر الإنتقال الأول - و هو العصر الذي  شهد ظهور و كتابة متون التوابيت لأول مرة - من السيطرة على جزء كبير من  البلاد و زعموا لأنفسهم ملكية القطرين و إعتبروا أنفسهم الخلفاء الشرعيين  لملوك منف ، و جعلوا من أنفسهم ممثلي المعبود آتوم عندما تجلى على التل  الأزلى لأول مرة فقام بخلق العالم و قضى على الفوضى و هو المفهوم الذي  تبلور فى عصر الدولة الوسطى بشكل واضح . و كان ذلك الظهور الأول على تل  إهناسيا الأزلى و هو مقر عرش حكام إهناسيا ، كما أن دفن آتوم فى إهناسيا  يعنى صراحة أنهم يخلفونه على العرش الأرضي المصري ، و بالتالي فقد دفن آتوم  حيث يتواصل دور خلفائه و ممثليه من بعده فى ذات المكان الذي ظهر فيه لأول  مرة و دفن فيه
2 - يرتبط هذا الإعتبار بالربط بين الدور الأزلى الأشهر  لآتوم كرب خالق و دور الخصوبة لدى المعبود ( حري شا إف ) بمعنى القائم على  بحيرته و هو رب الخصوبة فى إهناسيا و ذلك يعتبر مثالا واضحا على معتقدات  المصريين القدماء فى المزج بين بين مفاهيم الأزلية و الخصوبة و فعالية  الخلق لدى أربابهم بشكل عام
و لعلنا هنا نطرح التساؤل مرة أخرى : هل  يعنى ذلك غياب الدور الفاعل للمعبود آتوم فى عالم الأرض عند الإعلان عن  موته و دفنه فى ضريح ؟ ...... و قبل الرد على ذلك التساؤل ينبغى لنا أن  ندرك حقيقة هامة و هى : أن المعبود آتوم إقترن صراحة بالإله أوزير - رب  الموتى و العالم السفلي - فى عصر الدولة الحديثة بوصفه المجسد لربوبية  الشمس الكاملة ( أى التى إكتمل عمرها ) بينما كان الإله أوزير يعبر عن روح  الشمس الغاربة الأمر الذي يعكس أن آتوم يرحل للعالم الآخر بإعتباره صورة أو  روح أوزير . و طبقا لما ورد فى الفصل رقم 175 من كتاب الموتى فإن آتوم هو و  أوزير فقط سيصبحان هما الأحياء الوحيدون من بعد نهاية العالم بكل أربابه و  مخلوقاته ، فهكذا يروى على لسان آتوم ضمن نصوص هذا الفصل ( إننى سوف أهلك  كل من خلقت من قبل حيث يعود بعد ذلك هذا العالم مرة أخرى إلى الماء الأزلى و  الفوضى السرمدية كما كان وقت البداية الأولى ، و إنه سوف لا يبقى آنذاك  إلا أنا آتوم بصحبة أوزير و ذلك عندما أتحول إلى جسد ثعبان كما كنت فى  البدء ) .
و هنا يمكن لنا أن نتبين مجموعة من الحقائق الهامة بناءا على ما تقدم :
1 - إن تحول المعبود آتوم فى الفصل رقم 175 من كتاب الموتى إلى جسد ثعبان  لا يعنى موته النهائي بل هو إشارة لتجدد ميلاد و خلق آتوم لنفسه من جديد و  ذلك بسبب أن الثعبان من الكائنات البرمائية التى تجدد جلدها سنويا فتعيد  ميلاد نفسها فى دورة سنوية جديدة
2 - إن المكان الذي دفن فيه آتوم فى  إهناسيا لا يشار إليه صراحة بوصفه مقبرة أو جبانة يدفن فيها بنى الإنسان ،  بل هى كهف أو مغارة أو تل أو ما شابه ذلك و فى كل المعانى السابقة هناك  إرتباط بين المغارة ( أو الكهف ) و بين الثعبان الأزلى ( المجسد لآتوم ) و  بين التل الأزلى حيث موضع الخلق الأول
3 - إن دفن المعبود آتوم فى مكان كهذا أو الإشارة إلى موته و تحوله إلى ثعبان لا يعنى الموت التام بقدر ما يعنى التباعد أو الخلود للراحة ( نعتمد هنا وصف كلمة - حتب - htp فى اللغة المصرية القديمة التى كانت تلصق للملوك و الآلهة عند ذهابهم للعالم الآخر و هى تعنى يستريح أو الراحة ) تمهيدا لإعادة دورة الخلق من جديد ، فهو مجرد غياب مؤقت لفاعلية آتوم أو بمعنى أدق كمون فعالياته و لو إلى حين لأجل إعادة دورة الخلق من جديد ، و هنا نؤكد على أن مقتضيات العقيدة المصرية لا تعترف بالموت التام ، بل هو مرحلة إنتقالية لأجل بداية جديدة

بين المذهب الأوزيري و العقيدة الشمسية فى عصر الدولة القديمة


بسم الله الرحمن الرحيم 

 ‎(  بين المذهب الأوزيري و العقيدة الشمسية فى عصر الدولة القديمة ) ........................................................................................................................
...ماهي  الظروف و الدوافع التى أدت إلى ظهور المعبود ( أوزير ) على مسرح الأحداث  فى عصر الدولة القديمة ؟ و كيفية إنضمامه للتاسوع الشمسي لهليوبوليس ؟ ....  يتناول الباحث من خلال هذا المقال الموجز واحدة من إشكاليات الفكر الدينى و  السياسي فى عصر الدولة القديمة تتعلق بنشأة المعبود ( أوزير ) و الظروف  التى أحاطت به و أفضت فى نهاية المطاف لكى يصبح واحدا من أعضاء المجمع  الشمسي القديم . يعترف الدارسون أنه ليس من اليسير معرفة الكيفية التى أدت  لظهور المعبود ( أوزير ) تاريخيا و من خلال المادة الأثرية المطروحة و لكن  تجدر الإشارة إلى وجود فريق يرى أن هناك بعض الشواهد الأثرية التى تنسب  إليه منذ العصر العتيق بينما تشكك فريق آخر من الباحثين فى قراءة هذه  القرائن و من ثم رفض الأخذ بها كبراهين تكشف عن وجوده منذ تلك الفترة و لا  سيما و أن جميع العلامات التصويرية الصوتية الواردة على تلك الشواهد لا  تعكس بشكل قاطع المنطوق اللفظى للمعبود ( أوزير ) . و لم يرد إسم ذلك  المعبود صراحة فى نصوص دينية كاملة إلا فى متون الأهرام فى نهاية عصر  الأسرة الخامسة فذكر فيها كأحد أفراد تاسوع هليوبوليس كإبن للإلهين ( جب ) و  ( نوت ) كما ظهر أيضا كمعبود للفيضان و الزراعة و الخصوبة و لم يرتبط  رسميا و سياسيا بالملكية إلا فى عصر الأسرة الخامسة ، فلا يوجد أى ألقاب  كهنوتية تشير لوجود شعائر منتظمة تؤدى لذلك المعبود طوال الأسرات الأربعة  الأولى و عندما تم قبوله كعضو فى التاسوع الشمسي أصبح ربا للموتى فجمع  لنفسه قدرات و وظائف أرباب الموتى الأقدم و الأشهر منه تاريخيا و أثريا و  هم ( خنتى إمنتيو ) و ( سوكر ) و ( عنجتى ) و ( حج ور ) و فى محاول لتتبع  الأحداث التى ألقت بأوزير داخل المجمع الشمسي لعصر الدولة القديمة نجد ما  يلي :
 1 - ظهرت البوادر الأولى للتاسوع الشمسي فى نهايات عصر الأسرة  الثانية و بدايات عصر الأسرة الثالثة و ذلك من خلال مقصورة تورين التى ظهر  فيها لأول مرة التاسوع الشمسي القديم خلال عصر الملك زوسر ( أهم و أشهر  ملوك الأسرة الثالثة )
2 - لم يكن المعبود ( أوزير ) واحدا من أفراد  التاسوع الشمسي فى ذلك العصر ، فلا وجود له فى مقصورة تورين ، و لا وجود  لألقاب كهنوتية أوزيرية طوال عصري الأسرة الثالثة و الرابعة ، كما كشفت تلك  المقصورة من جانب آخر أن المعبود ( جحوتى ) كان هو الزوج الأول للمعبودة (  إيزيس ) و هو الأمر الذي أكدت عليه فيما بعد بعض فقرات متون الأهرام و ذلك  فى مقابل المعبود ( ست ) الذي كان زوجا للمعبودة ( إيزيس ) .
3 - لم  يقبل تيار ديني شمسى فى باديء الأمر بوجود المعبود ( أوزير ) فى مجمع  هليوبوليس لإعتباره قابض أرواح الموتى و الرب المهيمن على عالم سفلي يتسم  بالظلام الدامس و هو الأمر الذي أكدت عليه بعض فقرات متون الأهرام التى  أشارت صراحة إلى أن المعبودات لن تسلم الملك للمعبود ( أوزير ) فى العالم  الآخر و لا سيما و أن هذه المتون كانت ذات صبغة شمسية سماوية تهدف لإتحاد  الملك بمعبود الشمس رع رب الضياء و النور و صعوده الأبدي نحو عالم السماء
4 - ورد فى بعض فقرات متون الأهرام أن الملك إتخذ من الهرم مثوى له حتى لا  يقع تحت طائلة ( أوزير ) و كما تقول إحدى الفقرات أن ( أوزير ) لن يقترب  من هرمك هذا ، فكان الهرم بمثابة وسيلة للصعود لعالم السماء و حتى لا يظل  الملك على الأرض فيسقط فى قبضة ( أوزير ) و يحرم من الصعود السماوى و  الضياء الشمسي
5 - زادت قوة المعبود ( أوزير ) فى فترة تاريخية بعينها  ( ربما فى الفترة الإنتقالية ما بين نهاية عصر الأسرة الرابعة و بداية عصر  الأسرة الخامسة ؟ ) من خلال أنصاره و أتباعه ، فتغلغلوا بعقيدتهم ما بين  كبار رجال الدولة و البيت المالك ، فظهر إسمه لأول مرة على الآثار فى مقبرة  النبيل ( تي ) الذي عاش فى عصر الملك ( نفر إير كارع ) و حتى عصر الملك (  جد كارع إسيسي ) حيث ظهر عند الباب الوهمي لزوجته الأميرة الملكية (  نفرحتبس ) - و هى بنت الملك نفر إير كارع - و لأول مرة إسم المعبود ( أوزير  ) فى سياق الصيغة الشهيرة بالحتب دي نسو و هى تعنى حرفيا هبة مقدمة من  الملك تجاه أوزير . و كان ذلك الظهور التاريخي سابق على ظهوره فى نصوص  الأهرام بمئة عام على أقل تقدير
6 - إن النبيل ( تى ) هو أحد كهنة  الشمس المكلفين بإقامة شعائر شمسية ملكية تجاه ملوك الأسرة الخامسة فى  معابد الشمس و هو الدليل القاطع على بداية الإعتراف بالمذهب الأوزيري من  جانب كهنة الشمس و البيت المالك فى ظروف لا تزال غامضة مما يعكس حقيقة هامة  و هى : أن المذهب الأوزيري لم ينشأ رسميا إلا فى عباءة الديانة الشمسية و  العقيدة الملكية و أنه فى الوقت الذي إزدهرت فيه ديانة الشمس خلال عصر  الأسرة الخامسة ، بدأ المذهب الأوزيري يشق طريقه فى الديانة الرسمية للبلاد
7 - إقتحم المعبود أوزير التاسوع الشمسي فحل مكان المعبود جحوتى كزوج  للمعبودة إيزيس و لا تبرأ تلك الخطوة من هدف سياسي يكمن فى إيجاد إبن له  يرث عرش البلاد من بعده و لم يكن ذلك الإبن سوى المعبود حورس رب الملكية  القديم الذي لم يتمكن أنصاره من إدماجه فى التاسوع الشمسي إلا بعد أن أصبح  المعبود أوزير أحد أفراده فأصبح هو الوريث الشرعيى للبلاد الذي خلف أبيه  أوزير بعد مقتله و أخذ لقب ( حورس إبن أوزير ) و أحيانا أخرى ( حورس إبن  إيزيس )
8 - عندما دمجت العقيدتان الشمسية و الأوزيرية بدأت متون  الأهرام ذات الطابع الشمسي تذكر فى فقرات متعددة المعبود ( أوزير ) ، و  نسجت فى هليوبوليس قصة مقتل أوزير على يد أخيه ست و حق المعبود حورس فى  الأخذ بالثأر لمقتل أبيه و أعادوا إنتاج الصراع الشمسي القديم بين  المعبودين ( حورس ) و ( ست ) ، و لم يكن لهذا الصراع فى بداياته الأولى أى  صلة بالأسطورة الأوزيرية التى نسجت فى فترة متأخرة فى عصر الدولة القديمة ،  و من هنا أصبح حورس يلقب بلقب ( حورس المنتقم لأبيه ) ، زيادة فى تدعيم  موقف حورس و القضاء على أدنى فرصة لأتباع المعبود ( ست ) للنهوض مرة أخرى
9 - إنتزعت جميع السمات السلبية التى كانت قد ألحقت بأوزير من قبل خلال التعديلات التى حدثت فى متون الأهرام خلال عصر الأسرة السادسة فانتهى التنافس القديم بين أنصار المعبودين لإيجاد صيغة توفيقية ترضيهم جميعا ، و قد نسجت هذه الصيغة التوفيقية فى هليوبوليس - مركز عبادة الشمس الرئيسية - فتحول مصير المعبود أوزير نحو السماء و إكتسب آخرة شمسية سماوية مما جعله قادرا على العودة للحياة و التخلص من موته القديم و تركه لعالم الظلام السفلي و صعوده لعالم الضياء السماوي الشمسي . و من هنا تحول الملك لكى يكتسب المصير الأوزيري المتحد بالشمس فى أواخر عصر الدولة القديمة و نتيجة لذلك أصبح ينادى فى نصوص الأهرام و دون تردد و فى ذات الفقرة بأنه أوزير تارة و بأنه رع تارة أخرى ، الأمر الذي قد يرجح نجاح كهنة الشمس فى إحتواء المذهب الأوزيرى فى عباءة الديانة الشمسية

الخميس، 21 يونيو 2012

العلاقة بين الكوبرا المصرية و إله الشمس رع منذ عصر الأسرة صفر و حتى نهاية عصر الدولة القديمة


بسم الله الرحمن الرحيم 

‎( العلاقة بين الكوبرا المصرية و إله الشمس رع منذ عصر الأسرة صفر و حتى نهاية عصر الدولة القديمة ) ........................................................................................................................
لعبت الثعابين بشكل عام دورا هاما فى المعتقدات المصرية القديمة ، فقد  كانت تمثل القوى الحارسة و الحامية للعالم فضلا عن كونها تحافظ على النظام  الكونى . إلا أن دورها لم يكن دائما إيجابيا ، ففي بعض الأحيان كانت تظهر  كقوى شر سلبية مهددة للكون و لذا فقد رمزت للتوازن الكوني بين قوى الخير و  النظام و قوى الشر و الفوضى .
 يحاول الدارس من خلال هذا المقال الموجز  أن يتناول الصلة بين الكوبرا المصرية و معبود الشمس رع . و الحقيقة أن هذا  الإرتباط بينهما لم يظهر فجأة فى عصر الدولة القديمة و إنما كان له مقدمات و  إرهاصات ظهرت منذ عصر نقادة الثالثة ( الأسرة صفر ) – تبدأ حوالي 3200 ق.م  و حتى 3000 ق.م ) و هو ما أكدته المناظر المنفذة على الصلايات التى ظهرت  خلال تلك الحقبة فقد شاعت مناظر حيوانات الشمس المنفذة صلايات الأسرة صفر  مثل صلاية الأكسفورد و التى يرمز فيها فجوة صحن الكحل بأنها قرص الشمس و  يحيط بها فهدين ذوي رقبة ثعبانية ، حيث يرى عالم المصريات – فستندورف –  أنها ربما تشير إلى ثعبان الكوبرا و أنها تعكس فكرة إتحاد الأفقين الشرقي و  الغربي مرتبطا بتفسير سياسي يعبر عن وحدة الأرضين ، بما يتناسب و يتوافق  مع المعطيات السياسية لذلك العصر ( نقادة الثالثة – الأسرة صفر ) الذي شهدت  فيه البلاد الوحدة السياسية
و يتفق الباحث مع تفسير فستندورف بناءا على البرهانين التاليين :
1 – ظهر على سكين جبل الطارف تصوير لثعبانين ملتفين حول بعضهما و بين  لفاتيهما توجد زهرة مستديرة تعبر عن فجوة صحن الكحل إشارة لقرص الشمس الذي  يلتف حوله ثعبانى الكوبرا
2 – فى مرحلة متطورة خلال عصر الأسرة صفر  تمثلت حية الكوبرا ملتفة حول نفسها على أحد صلايات متحف اللوفر بحيث تشكل  الإطار الخارجي لفجوة صحن الكحل و ترمز بذلك لحماية قرص الشمس
و هنا ينبغي لنا أن نتسائل : لماذا صور المصري القديم حية الكوبرا ملتفة حول قرص الشمس منذ عصر الأسرة صفر – نقادة الثالثة ؟
لاحظ المصري القديم أن حية الكوبرا تلتف دائما حول نفسها فى شكل دائري  مخفية رأسها فى جسدها و عند شعورها بالخطر فتبرز رأسها لتبث سمومها من فمها  لدرء الشر أو الخطر القادم نحوها مما أثار إنتباه المصري القديم و أدرك أن  إلتفافها حول نفسها فى شكل دائري يشابه قرص الشمس و فى خروجها من لفاتها  كأنها تخرج من نفس القرص لحمايته .
و عند تناول دورها فى عصر الدولة  القديمة ، فإننا هنا نتحدث عن نصوص الأهرام التى أشارت لها تحت مسمى ( إعرت  ) بمعنى الصاعدة فى حالة إرتباطها بالإله رع ( أى التى تصعد لرأس أو جبين  رع ) و صلتها بالسماء و كذلك أيضا تحت مسمى ( جت ) بمعنى الخلود كما هو  واضح فى المتن رقم 244 الذي يقول : قول كلام – إن جت ( حية الكوبرا ) هناك  فى السماء
كما أشارت متون الأهرام بوجود الكوبرا المصرية على جبهة رع  فى المتن رقم 442 : إن رع يشرق و آخت ( حية الكوبرا ) تعلو رأسه – بما يعنى  أن الكوبرا فى هذا السياق تعادل كلمة الآخت بمعنى الأفق ، فكما لو كان  الأفق هو حية الكوبرا التى تلتف حول رع عند شروقه لحمايته . و نجد فى متن  آخر أن الملك يصعد إلى أمه هذه ( إعرت ) – ( الكوبرا المصرية ) – التى على  رأس رع . . و لذلك يتبين لنا من هذه المتون أن ( إعرت ) التى على رأس رع لم  تكن حامية له فقط و إنما حاملة لصفة الأمومة للملك المتوفى كما يظهر بشكل  واضح فى متون الأهرام حيث تقوم بإرضاعه من ثديها و إعتبرت أيضا فى هيئة  سيدة تحيط ملك مصر العليا برعايتها و أنها اليقظة التى هى رمز للحياة .
لم يكتفي المصري القديم بالوظائف السابقة ، بل نسب إليها وظيفة ثباتها على  جبهة رع كما إرتبطت بمركب الشمس النهارية – معنجت – فكانت الحامية لها و  بالتالى حامية لمعبود الشمس نفسه داخلها
و هنا نتسائل : ما الذي جمع بين الكوبرا المصرية و معبود الشمس رع ؟ و ماذا يعنى وضعها على جبهة رع ؟
رأى المصري القديم أن الشمس كوكبا ناريا كما فى النص رقم 702 من متون  الأهرام ، و من جانب آخر إعتقد أن حية الكوبرا تنفث بفحيحها نارا كما ذكر  فى المتن رقم 302 من متون الأهرام حيث يقول : تنفث الحية بفحيحها نارا  لحماية الملك . و كما سبق ذكره ، فقد إرتبطت حية الكوبرا من خلال مسمياتها (  إعرت ) و ( آخت ) بعالم السماء ، فكان ذلك سببا لوضعها على جبهة رع راميا  بذلك إلى حراسته و حمايته و تصبح بهذا الوضع أول من يواجه المخاطر التى قد  تصادف رع فتنفث فيها بنيرانها ، و ما يؤكد على ذلك هو إحدى متون الأهرام  التى كشفت عن أن الملك يجيء من وراء الحية ، الأمر الذي يشير إلى سبقها له  لمواجهة المخاطر ، و قد يكون الوضع الذي نرى عليه الحية هو الذي أدى إلى  ذلك ، فالحية إنما ترى ملتفة حول نفسها فى شكل دائري لكي تخفي رأسها فى  جسدها فإذا ما شعرت بأى خطر أبرزت رأسها لتدرأ الشر بسمومها التى تنفثها  نارا فقرب المصري القديم بين هذا الشكل و قرص الشمس ثم صور الحية و كأنها  تخرج منه لتحميه من المخاطر كما سبق و أن ذكرنا من قبل
و من هنا يمكن لنا أن نستنتج حقيقة هامة و هى : أن حية الكوبرا المصرية عند إرتباطها بمعبود الشمس رع فهى تمثل قوة الشمس – رع – فهو مصدرها و هى حامية له ، و هو الأمر الذي أكدت عليه فقرات أخرى من متون الأهرام حيث تشير ضمنا إلى بنوة حية الكوبرا المصرية إلى الإله رع فهى تخرج منه لكى تستمد قوتها بما يعنى أنه هو ذاته مصدرها

الثلاثاء، 19 يونيو 2012

المغزى الديني من تمثال الملك خع إف رع


بسم الله الرحمن الرحيم 



( المغزى الديني من تمثال الملك خع إف رع ) ...........................................................................................................................لا ريب أن تمثال الملك ( خع إف رع ) و الموجود حاليا بالمتحف المصري ، هو أحد أشهر التماثيل الملكية خلال عصر الأسرة الرابعة بشكل خاص و عصر الدولة القديمة بشكل عام ، و هو منحوت من حجر الديوريت ، و قد عثر عليه فى حفرة بمعبد الوادي بالجيزة . و يمثل هذا التمثال الملك جالسا بالهيئة الملكية ، و يقبع خلف رأسه المعبود الصقري بجسمه و جناحيه المفرودتين حول رأسه . و رأى البعض أن الملك ( خع إف رع ) يمثل فى هذا السياق المعبود حورس على الأرض أما الصقر القابع خلف رأسه فلا يراه أحد فهو حورس السماء الذي يقوم بحماية ممثله الأرضي . و لاشك أن ذلك الوضع يمثل قمة الإلتحام و الإندماج بين الألوهية و الملكية ... و خرج البعض برأى يفيد أن التمثال يعبر عن الثالوث الأوزيري المكون من المعبود ( أوزير ) و زوجته ( إيزيس ) و إبنهما ( حورس ) إعتمادا على المعطيات التالية :
1 - أن الصقر الذي يفرد جناحيه خلف رأس الملك هو المعبود حورس إبن أوزير الذي يقوم بحماية أبيه أوزير 
2 - أن الملك هنا فى هذا الصدد يعبر عن المعبود أوزير الميت 
3 - أن كرسي العرش الذي يجلس عليه الملك يمثل المنطوق اللفظى لكلمة ( ist ) بمعنى المعبودة إيزيس 
4 - عثر على ذلك التمثال فى مجموعة هرمية جنائزية مما يرجح وجود صلة بينه و بين أوزير رب العالم الآخر ، فتوجه له الشعائر الجنائزية بوصفه ملكا على العالم الآخر 
هناك مجموعة من الحقائق تحول دون التسليم بالنتائج السابقة و هى : 
1 - لا يجسد الملك فى هذا السياق الديني المعبود ( أوزير ) ، فلا نرى الوضع الأوزيري المعروف بتقاطع الذراعين على الصدر 
2 - لا وجود لشعائر أوزيرية فى المجموعة الهرمية للملك ( خع إف رع ) ، بوصفها مجموعة إرتبطت فى الواقع بالشعائر الشمسية التى تربط مصير الملك بمعبود الشمس رع 
3 - لم تتبلور الأسطورة الأوزيرية خلال عصر الأسرة الرابعة ، فلا وجود لكهنة يحملون لقب كاهن أو خادم أوزير خلال عصر الأسرة الرابعة فى جبانة الجيزة أو أى جبانة أخرى 
4 - تجاهل أصحاب هذا الرأى السياق الكلي العام للتمثال و العناصر الأخرى المصاحبة له ، فالملك يجلس بين أسدين أو لبؤتين مما يكشف عن المضمون التقليدي الشمسي الذي يصور الملك كشمس مشرقة بين أسدي الأفق ( أسدي الآقر ) اللذين يقومان بحماية الأفق عند شروق الشمس ، فالتمثال يصور الملك كرع عند الأفق ، و ربما يدلل على ذلك أن الملك يسمى ( خع إف رع ) بمعنى يشرق هو رع ! 
5 - إختلفت الآراء حول ماهية الصقر الذي يفرد جناحيه خلف رأس الملك و الغرض الدينى منه فالبعض رأى أنه المعبود حورس الذي يقوم بحماية الملك طبقا للتعويذة رقم 538 من متون الأهرام التى تذكر ( إن رأسك فى يد حورس ) أى أن رأس الملك لابد و أن توضع بين يدي حورس أى جناحي حورس . بينما رأى فريق آخر أن الصقر الذي يظهر خلف رأس الملك هو معبود الشمس رع . وقد أسس أصحاب هذا الرأى فكرتهم بناءا على المشط العاجي للملك ( جت ) فى الأسرة الأولى الذي ظهر فيه الصقر مصورا على مركب الشمس ، مما يدل على أن الصقر كان إحدى الهيئات الأولى المعبرة عن إله الشمس رع منذ عصر الأسرة الأولى على أقل تقدير ، بينما رأى فريق ثالث أن الصقر هو ( حور آختى ) أى حورس المنتسب للأفق و المتحد بكيان الملك ( رع ) مما يرجح إحتمالية ظهور الملك هنا بوصفه ( رع حور آختى ) لأول مرة خلال عصر الأسرة الرابعة و هى تسمية لا تخلو من دلالة ، فالملك رع هو الصقر حورس الذي ينتمى للأفق 
6 - لا يمكن إغفال النقش البارز الذي ظهر على جانبي كرسي العرش فى تفسير التمثال الملكي دينيا و سياسيا ، فقد صورت شعيرة sma t3wy بمعنى توحيد الأرضين ( أنظر مقال المغزى الحضاري من شعيرة سما تاوي ) و هى الشعيرة التى كانت تؤدى رمزيا عند صعود كل ملك عرش مصر و من هنا يمكن ترجيح حقيقة هامة و هى : أن الملك يظهر هنا فى اللحظة الأولى لصعوده على عرش مصر و هى اللحظة التى شابهتها و قارنتها النصوص المصرية القديمة بإشراقة الشمس فى الصباح الباكر عند الأفق ، فكرسي العرش هو الأفق و الملك هو رع المشرق عند ذلك الأفق و أن شروقه الشمسي كان سببا لإتحاد الأرضين مما يدل على أن شعيرة سما تاوى فى هذا الصدد هى شعيرة ملكية شمسية 
يتبين لنا مما تقدم أن التمثال يتضح تفسيره الدينى و السياسي عند ضم كل عناصره مع بعضها البعض ( الملك - كرسي العرش - الصقر - السما تاوي - إسم الملك - أسدي الأفق ) دون فصل عنصر عن الآخر ، مما يكشف عن تأويل أكثر إحكاما و أصدق علما و أن التمثال يجسد شعيرة شمسية داخل معبد الوادي للملك ( خع إف رع ) و لا علاقة له بالهيئة الأوزيرية و قد دلل البعض على ذلك بإعتبار التمثال واحدا من 23 تمثال آخرين كانوا موضوعين داخل معبد الوادى مما يرجح فكرة أن تلك التماثيل تجسد عدد ساعات النهار و الليل و الحركة الكونية للشمس و إرتباط الملك بالمعبود الشمسي طوال اليوم ؟ ....... و هنا ينبغى لنا أن نؤكد على أمر هام و هو : أن التمثال لم يكن مشاعا للرؤية من جانب عامة الشعب بكونه عنصرا موضوعا داخل مجموعة هرمية إقتصر الدخول إليها من جانب كهنة الملك الذين يؤدون له الشعائر الملكية .( المغزى الديني من تمثال الملك خع إف رع ) ...........................................................................................................................لا ريب أن تمثال الملك ( خع إف رع ) و الموجود حاليا بالمتحف المصري ، هو أحد أشهر التماثيل الملكية خلال عصر الأسرة الرابعة بشكل خاص و عصر الدولة القديمة بشكل عام ، و هو منحوت من حجر الديوريت ، و قد عثر عليه فى حفرة بمعبد الوادي بالجيزة . و يمثل هذا التمثال الملك جالسا بالهيئة الملكية ، و يقبع خلف رأسه المعبود الصقري بجسمه و جناحيه المفرودتين حول رأسه . و رأى البعض أن الملك ( خع إف رع ) يمثل فى هذا السياق المعبود حورس على الأرض أما الصقر القابع خلف رأسه فلا يراه أحد فهو حورس السماء الذي يقوم بحماية ممثله الأرضي . و لاشك أن ذلك الوضع يمثل قمة الإلتحام و الإندماج بين الألوهية و الملكية ... و خرج البعض برأى يفيد أن التمثال يعبر عن الثالوث الأوزيري المكون من المعبود ( أوزير ) و زوجته ( إيزيس ) و إبنهما ( حورس ) إعتمادا على المعطيات التالية :
1 - أن الصقر الذي يفرد جناحيه خلف رأس الملك هو المعبود حورس إبن أوزير الذي يقوم بحماية أبيه أوزير 
2 - أن الملك هنا فى هذا الصدد يعبر عن المعبود أوزير الميت 
3 - أن كرسي العرش الذي يجلس عليه الملك يمثل المنطوق اللفظى لكلمة ( ist ) بمعنى المعبودة إيزيس 
4 - عثر على ذلك التمثال فى مجموعة هرمية جنائزية مما يرجح وجود صلة بينه و بين أوزير رب العالم الآخر ، فتوجه له الشعائر الجنائزية بوصفه ملكا على العالم الآخر 
هناك مجموعة من الحقائق تحول دون التسليم بالنتائج السابقة و هى : 
1 - لا يجسد الملك فى هذا السياق الديني المعبود ( أوزير ) ، فلا نرى الوضع الأوزيري المعروف بتقاطع الذراعين على الصدر 
2 - لا وجود لشعائر أوزيرية فى المجموعة الهرمية للملك ( خع إف رع ) ، بوصفها مجموعة إرتبطت فى الواقع بالشعائر الشمسية التى تربط مصير الملك بمعبود الشمس رع 
3 - لم تتبلور الأسطورة الأوزيرية خلال عصر الأسرة الرابعة ، فلا وجود لكهنة يحملون لقب كاهن أو خادم أوزير خلال عصر الأسرة الرابعة فى جبانة الجيزة أو أى جبانة أخرى 
4 - تجاهل أصحاب هذا الرأى السياق الكلي العام للتمثال و العناصر الأخرى المصاحبة له ، فالملك يجلس بين أسدين أو لبؤتين مما يكشف عن المضمون التقليدي الشمسي الذي يصور الملك كشمس مشرقة بين أسدي الأفق ( أسدي الآقر ) اللذين يقومان بحماية الأفق عند شروق الشمس ، فالتمثال يصور الملك كرع عند الأفق ، و ربما يدلل على ذلك أن الملك يسمى ( خع إف رع ) بمعنى يشرق هو رع ! 
5 - إختلفت الآراء حول ماهية الصقر الذي يفرد جناحيه خلف رأس الملك و الغرض الدينى منه فالبعض رأى أنه المعبود حورس الذي يقوم بحماية الملك طبقا للتعويذة رقم 538 من متون الأهرام التى تذكر ( إن رأسك فى يد حورس ) أى أن رأس الملك لابد و أن توضع بين يدي حورس أى جناحي حورس . بينما رأى فريق آخر أن الصقر الذي يظهر خلف رأس الملك هو معبود الشمس رع . وقد أسس أصحاب هذا الرأى فكرتهم بناءا على المشط العاجي للملك ( جت ) فى الأسرة الأولى الذي ظهر فيه الصقر مصورا على مركب الشمس ، مما يدل على أن الصقر كان إحدى الهيئات الأولى المعبرة عن إله الشمس رع منذ عصر الأسرة الأولى على أقل تقدير ، بينما رأى فريق ثالث أن الصقر هو ( حور آختى ) أى حورس المنتسب للأفق و المتحد بكيان الملك ( رع ) مما يرجح إحتمالية ظهور الملك هنا بوصفه ( رع حور آختى ) لأول مرة خلال عصر الأسرة الرابعة و هى تسمية لا تخلو من دلالة ، فالملك رع هو الصقر حورس الذي ينتمى للأفق 
6 - لا يمكن إغفال النقش البارز الذي ظهر على جانبي كرسي العرش فى تفسير التمثال الملكي دينيا و سياسيا ، فقد صورت شعيرة sma t3wy بمعنى توحيد الأرضين ( أنظر مقال المغزى الحضاري من شعيرة سما تاوي ) و هى الشعيرة التى كانت تؤدى رمزيا عند صعود كل ملك عرش مصر و من هنا يمكن ترجيح حقيقة هامة و هى : أن الملك يظهر هنا فى اللحظة الأولى لصعوده على عرش مصر و هى اللحظة التى شابهتها و قارنتها النصوص المصرية القديمة بإشراقة الشمس فى الصباح الباكر عند الأفق ، فكرسي العرش هو الأفق و الملك هو رع المشرق عند ذلك الأفق و أن شروقه الشمسي كان سببا لإتحاد الأرضين مما يدل على أن شعيرة سما تاوى فى هذا الصدد هى شعيرة ملكية شمسية 
يتبين لنا مما تقدم أن التمثال يتضح تفسيره الدينى و السياسي عند ضم كل عناصره مع بعضها البعض ( الملك - كرسي العرش - الصقر - السما تاوي - إسم الملك - أسدي الأفق ) دون فصل عنصر عن الآخر ، مما يكشف عن تأويل أكثر إحكاما و أصدق علما و أن التمثال يجسد شعيرة شمسية داخل معبد الوادي للملك ( خع إف رع ) و لا علاقة له بالهيئة الأوزيرية و قد دلل البعض على ذلك بإعتبار التمثال واحدا من 23 تمثال آخرين كانوا موضوعين داخل معبد الوادى مما يرجح فكرة أن تلك التماثيل تجسد عدد ساعات النهار و الليل و الحركة الكونية للشمس و إرتباط الملك بالمعبود الشمسي طوال اليوم ؟ ....... و هنا ينبغى لنا أن نؤكد على أمر هام و هو : أن التمثال لم يكن مشاعا للرؤية من جانب عامة الشعب بكونه عنصرا موضوعا داخل مجموعة هرمية إقتصر الدخول إليها من جانب كهنة الملك الذين يؤدون له الشعائر الملكية .

السبت، 16 يونيو 2012

الطقوس الدفاعية فى المعابد المصرية فى العصرين البطلمي و الرومان

بسم الله الرحمن الرحيم 

( الطقوس الدفاعية فى المعابد المصرية فى العصرين البطلمي و الرومانى )
.............................................................................لم تكن الشعائر ذات الطابع الدفاعى أمرا جديدا فى الحضارة المصرية القديمة ، فهى متداولة عمليا منذ عصور ما قبل الأسرات و حتى العصور المتأخرة فى المعابد المصرية ، و لكنها زادت كما و كيفا فى العصرين البطلمى و الرومانى مما يستوجب التوقف عندها لمحاولة فهمها و لإدراك الظروف التاريخية و الحضارية التى أفضت لمضاعفتها بذلك الحجم فى تلك الفترة .
تحول المعبد المصري فى العصرين البطلمى و الرومانى إلى حصن ثقافى يهدف لحماية حضارة و ثقافة مصر من خطر الغزوات و الثقافات الأجنبية التى هددت كيان البلاد ، فنشأ شعور بالنفور الشديد من الأجانب ، فنراه عمليا و بشكل واضح فى نصوص و مناظر معابد العصور المتأخرة التى عبرت فى بلاغة قوية عن وجود خشية من تدنيس المقدسات المصرية ، الأمر الذي أدى إلى ( الإنطواء على النفس داخل المعابد ) فى مقابل العالم الخارجي الدنس و المهدد لهوية مصر الحضارية ، فضربت سياجا بينها و بين ذلك العالم عن طريق إقامة شعائر دفاعية تتجه نحو حماية مصر ضد كل ما هو أجنبي دنس 
و فى إطار ذلك السياق ، رسم الكهنة صورة مصر الحضارية التى ينبغى أن تكون عليها و هى الصورة الخاصة بالمعبد فى العصور المتأخرة ، فمصر هى الجنة التى تتلألأ فيها النجوم و الفيضان يأتى بالخير و حدائقها دائما مزدهرة و الآلهة تمجد فيها كل يوم . و أن قوى الشر المناهضة لمصر و التى تسكن العالم الخارجي تتولد كل يوم و لذا يجب القضاء عليها بفضل الشعائر الدفاعية .
فالمصرية فى العصور المتأخرة أمكن تقسيمها كالتالي : 
1 – مناظر القوس و السهام : و هى الطقوس التى تظهر فى معبد إدفو بشكل غالب ، حيث يوصف المعبود حورس بأنه ( رب القوس و السهام الذي يبعث السهام فى عين أعين أعدائه حتى لا يبقى حوله من يعاديه ) و لذا نجد الملك و هو يوجه حواره لحورس رب إدفو عند تقدمة القوس و السهام قائلا له " أمد ذراعي حاملا إليك أسلحتك فخذها فى يديك و اقتل أعدائك " 
إن القضاء على أعداء الإله يهدف للقضاء على أعداء الملك و لذلك فإن حورس يرد على الملك قائلا له " أعداؤك ملقون على الأرض تدوس عليهم بنعالك " و لا ريب أن أعداء الإله و الملك هم أعداء مصرالذين يهددون وجودها الحضاري
2 – مناظر الرمح و الحربة : و هى الطقوس التى تبين أن المستفيد من هذا القربان هو حورس البحدتى فى معبد إدفو ، فظهرت مناظر فى ذلك المعبد تكشف عن وضع الرمح أو الحربة على إناء يمسكه الملك بيده اليسرى ، و لذا يوجه الملك حديثه له قائلا " خذ الرمح ، هو سلاحك الذي ستقتل به ست و تذبح به الأعداء " و لا غرابة فى إرتباط ست بالأعداء فى العصر المتأخر حيث أشارت نصوص المعابد فى تلك الفترة أن ست هو إله العالم الخارجي الدنس و إله الغرباء الذين يدنسون مصر . و لذلك يظهر حورس البحدتى فى وضع الإستعداد على مركبه و حربته بين يديه و يقضي على الحيوانات التى تجسد ست 
3 – مناظر ذبح الأعداء : و هى الطقوس التى تزخر بها معابد إدفو و دندرة و فيلة ، فصور الفنان الأعداء و قد أوثقت أيديهم خلف ظهورهم و فى بعض الأحيان تقطع رؤوسهم . تنوعت النصوص التى تصف تلك الشعائر فنجد فى ادفو الملك و هو يخاطب حورس قائلا له " ست سقط تحت نعالك " و يخاطب الملك أحيانا الأعداء قائلا لهم " أنتم الملقون على الأرض أضربكم برمح حورس فلا تستطيعون الحراك " 
كما يعد حرق الأعداء من الطقوس الدفاعية الهامة التى زادت فى ذلك العصر و تعتبر من أشد أنواع العقاب حيث يعيدهم إلى حالتهم الأصلية كما وصفت النصوص و هى حالة التراب ، فينتهى وجودهم تماما . فتتكرر مشاهد المحرقة فى المعابد و يظهر فيها الملك أمام بحيرة النار التى يلقى فيها أعداء مصر و يخاطب الملك حورس قائلا له " أذبح أعداء أبيك و أقطع لحمهم و أحرقهم فى محرقتك " 
تتنوع طرق قتل الحيوانات التى ترمز للشر . فلكل حيوان طريقة قتله الخاصة ، فيضرب فرس النهر بالرمح بينما يقطع لسان التمساح أما الغزال فتقطع رأسه و يحرق الثعبان و يختنق الحمار الذي تشل حركته و يمنع من التنفس 
نلاحظ هنا و من وصف النصوص أن هذه الطقوس التى تصف المذابح ضد حيوانات الشر إرتبطت ببعض المدن لأسباب دينية و جغرافية ، فارتبط طقس حرق الثعبان بعين شمس نظرا لأنه الموقع الأسطوري للمعركة التى قامت بين رع ( رب النظام الكونى ) و أبوفيس أو عبب ( ممثل الفوضى ) فى هيئة الثعبان فى بدء الزمان كما إرتبط ضرب فرس النهر بالمستنقعات الغربية للدلتا لأن تلك الصورة ( فرس النهر ) هى إحدى صور أعداء مصر الذين يغزونها دائما من الحدود الغربية متقمصين هيئة ست كما إرتبط الحمار بتانيس لأنها الصورة التى يتجسد فيها الغزاة القادمون من الشرق فى شكل ست 
4 – مناظر ذبح الحمار : و هى الطقوس التى أشير إليها تحديدا فى المقاصير الأوزيرية الخاصة بتحنيط و دفن و إعادة بعث المعبود أوزير داخل تلك المعابد و لذا وجب حمايته من ست . فيلقى الحمار مصيرا قاسيا فيتم حرقه و الهدف من ذلك هو : منع ست من أن يعترض طريق الإله فيجب التخلص منه تماما ، فلا يبقى به ذرة حياة و لذا نجد الملك فى مقاصير أوزير فى معبد دندرة و هو يقول " أقضي على الحمار و أمنع وصول الهواء إلى جسده " كما يظهر فى إدفو نص يأمر فيه حورس كهنته الفلكيين بالبحث عن جسد أبيه أوزير و خلال ذلك يلتقي بالمعبود ست الذي يظهر فى هيئة الحمار فيقضي عليه 
5 – مناظر ذبح الثور : و هى الطقوس التى تهدف لحماية المعبود أوزير ، فيتم قطع رقبة الثور من جانب الملك الممثل للمعبود حورس و هذه الشعيرة تهدف لإحياء ذكرى واقعة إنتصار حورس على ست فى هليوبوليس و منع ست من إلحاق الأذى بأبيه أوزير و قد تم ذلك فى حضور جميع الآلهة ، مما يجعل المعبود يرد على الملك قائلا له " ذراعاك قويتان ضد أعداء مصر " 
6 – مناظر ذبح فرس النهر : و هى الطقوس التى أكدت على أن ذلك الحيوان هو تجسيد آخر للمعبود ست ، فلا يستطيع القضاء عليه سوى الملك بقوته الخارقة . و هنا يتحدث الملك عند قيامه بتلك الشعيرة قائلا " أذبح فرس النهر بأفعاله الشريرة فلا وجود له بعد الآن فلتسعدوا و لتهللوا أيها الفلاحون الطيبون " و لاشك أن العبارة الأخيرة فى النص تجسد قلق الفلاحيين المصريين من ذلك الحيوان الذي يلتهم البذور و النباتات و الخضروات فى حقولهم 
7 – مناظر ذبح التمساح : و هى الطقوس التى تصور التمساح بإعتباره تجسيدا لست ، فهو يهدد أوزير و يظهر فيها الملك بإعتباره حامل الحربة الشجاع الذي يدفع التمساح كما يقوم بقتل التماسيح و يملأ النهر بدمائها و يقطعها و يوزع اللحم فى معابد الآله كقرابين ثم يرد المعبود على الملك و يعده بحرق أعداء مصر فى النار 
8 – مناظر ذبح الغزال : و هى الطقوس التى تشير للمنطقة التى يسكن فيها ست و هى منطقة الصحراء التى تعد إقليمه الأساسي و من هنا وجب القضاء عليه لمنع أعداء مصر من الهجوم عليها من الصحراء 
9 – مناظر إنتزاع أو تحطيم عين أبوفيس – عبب : تصور هذه الشعائر الملك و هو يقوم بضرب كرة من الطين بمضرب من الخشب و ترمز هذه الكرة الى عين الثعبان أبوفيس – عبب فيمنعه من الرؤية مما يجعله أعمى فلا تقف مركب الشمس و لا يتوقف الزمن و يتم الحفاظ على النظام الكونى و يقضى على أعداء مصر 
10 – مناظر ذبح الثعبان : تنطلق هذه الشعائر من فرضية هامة و هى أن الثعبان هو العدو الرئيسي للمعبود رع الذي يهدده خلال ساعات النهار و الليل فيتم قتله بواسطة الرمح أو السهم فى عين شمس فى ( مكان المعركة الكبرى ) وفقا لنصوص المعابد . و يعد حورس هو المقاتل المكلف بحماية عين شمس من ( صاحب العينين ) و هو الثعبان ابوفيس الذي يسعى للسيطرة على ربان مركب الشمس فإذا تمكن من السيطرة عليها إختفت الشمس و يحل الظلام على مصر و يتمكن منها الأعداء و لذا وجب قتله يوميا 
11 – مناظر ذبح حيوان السلحفاة : السلحفاة هى العدو الرئيسي للفيضان حيث أنه فى إمكانها إبتلاع المياة مما يضر بالملاحة و الرى و الزراعة . و نجد على أحد أعمدة معبد فيلة منظرا يجسد السلحفاة و الثعبان و إثنين من السجناء يطوقهم ثعبان يعض على ذيله و ذلك الثعبان الأخير إذا تمكن من عض و إبتلاع ذيله تماما فسينهار الكون و تختفى مصر إنه ثعبان يقوم بدور مزدوج : فهو يحيط بالكون لحمايته و فى ذات الوقت يهدده إن إبتلع ذيله و لكن تتدخل الشعائر هنا لمنعه من إبتلاع ذيله بالقضاء على الأشكال التى يحيط بها . فأحد هذين المسجونين و الثعبان الآخر المصور بجواره هما عدوا المعبود رع أما المسجون الآخر و السلحفاة هما عدوا المعبود أوزير و لذا فإن القضاء على أعداء رع و أوزير يعنى القضاء التام على أعداء مصر و درء خطرهم عن البلاد و حماية الكون من الإنهيار

الجمعة، 15 يونيو 2012

الماضي و الحاضر فى الأسطورة المصرية


بسم الله الرحمن الرحيم 

( الماضي و الحاضر فى الأسطورة المصرية ) ........................................................................................................................... يؤمن الباحث بأهمية علم الميثولوجى لدراسة و فهم الأيقونة الفكرية و الحضارية للتاريخ المصري القديم و لذا و من خلال هذا المقال الموجز يسعى قدر الإمكان نحو تسليط الضوء حول التأثير الديناميكي و التمثيلي للأسطورة المصرية ذات الأبعاد السياسية و الإجتماعية . و لاريب أن الأسطورة المصرية هى إرتباط بالماضي و غالبا ما تأخذ فى هذا الإرتباط صفة الحكاية أو الرواية . و هنا يمكن التأكيد على وجود نوعين من الأساطير المصرية ذات المغزى السياسي و الإجتماعي ، النوع الأول : هو النوع التمثيلي ، و تقوم الأسطورة هنا بوضع الزمن الحاضر فى ضوء تاريخ ، مما يجعل الزمن الحاضر يظهر على أنه حامل لمعنى و مغزى و على أنه تنفيذ لرغبة أو إرادة إلهية ، و على أنه ضروري الوجود و لا يمكن تغييره . فالحاضر هو تمثيل للماضي ، فهو إمتداد طبيعي له . 
و لذلك السبب يظهر كل ملك مصري فى الحضارة المصرية القديمة على أنه تجسيد للمعبود حورس الذي تولى زمام الأمور فى مصر فى زمن أسطوري عتيق طبقا لما نادت به الميثولوجيا المصرية السياسية ، فالملك هو الحاضر الذي يجسد الماضي ( زمن حورس و توليه الملكية ) و لا يظهر هنا أى فارق بين الماضي و الحاضر ، فلا فارق بين الملك و حورس . و لم يصل العرش الملكي لحاكم مصر إلا بعد أن إنتصر حورس على ست الذي إغتصب العرش من أبيه أوزير ، فعادت الشرعية الإلهية لحاكم مصر الفعلي . و عى كل ملك أن يعيد شعائريا تمثيل هذه الأسطورة عند توليه العرش و فى كل مناسبة دينية هامة . فالأسطورة السياسية هنا تجعل الماضي مندمج و متحد بالحاضر بفضل إقامة شعيرة ذات معنى و مغزى . 
و هنا يمكن لنا أن نستنبط أن النوع الأول من الأساطير المصرية السياسية و ذات وظيفة مؤسسة و مؤصلة للذكرى الحضارية لمصر . فالذكرى الحضارية تتمثل فى الأسطورة الخاصة بحورس و كيفية توليه العرش و الإنتقام من مقتل أبيه أوزير ، أما الملك فهو يعمل على تأصيل و تأسيس هذه الذكرى مادام حيا و للأبد . 
أما النوع الثانى من الأساطير السياسية المصرية هو : الذكرى الحضارية المضادة للزمن الحاضر ، فهنا يتم إدراك أوجه النقص و القصور فى الزمن الحاضر ، و بناءا عليه يتم إستدعاء زمن ماضي يحمل سمات عصر بطولي ، فتظهر إنجازات خارقة لأبطال الماضي على عكس الأزمات و الكوارث التى تحيط بالزمن الحاضر . و هنا يبرز الفارق الجوهري بين ( ما كان موجودا فى الماضي الذهبي ) و ( ما هو موجود الآن فى العصر الحاضر ) و الهدف من ذلك هو قلب الحاضر رأسا على عقب و وضعه فى مقابلة مع ماض أعظم تفوقا و أكثر جمالا . 
و فى حالات إستشعار النقص الشديد فى الزمن الحاضر عند مقارنته بماض سابق ، تتحول هذه الذكرى الحضارية المضادة للحاضر إلى ديناميكية أسطورية ثورية ، و يحدث ذلك فى عهود الظلم و الإستبداد أو فى ظل ظروف السيادة و الإحتلال الأجنبي . فتظهر الأسطورة فى طابع ديناميكي يطالب بالتغيير الثوري السياسي و الإجتماعي من أجل غد أفضل . 
و قد ظهرت تلك النوعية من الأساطير فى مصر فى عصرها المتأخر ، و هو العصر الذي شهد زمن الأزمات السياسية و الإجتماعية و الغزوات المتعاقبة و إنهيار الأوضاع الإقتصادية . فكانت هناك حاجة لإبراز ماض يحمل فى ثناياه عصرا ذهبيا " لا تسقط فيه - كما تقول الأسطورة - الأسوار و لا تشوك فيه الأشواك " ، فهنا يبرز الماضي فى حالة ( قطيعة ) و ( إنفصال ) عن الحاضر الحامل للأزمات ، فالأسطورة تظهر لكى تؤكد على أن الماعت تعانقت مع كل ماهو فى الأرض - أى حل النظام و السلام فى زمن الأمجاد الأول - و فاض النهر بمائه على مصر و لم تكن هناك مجاعات فى الأرضين . و عند الوصول لهذه المرحلة تنادى الأسطورة بعد ذلك بثورية ديناميكية تتنبأ بقدوم ملك مصري منقذ و مخلص من الظلم و الإستبداد . فنص الأسطورة المصرية فى العصر المتأخر يتنبأ بقدوم الملك المخلص الذي يعتبر رمزا للأمل و الرجاء للجميع ، و لا يقوم حكمه إلا بإسقاط النظام السياسي القائم . و هنا يصبح ظهور ذلك الملك يعنى إعادة لإحياء زمن الآلهة الأوائل ، زمن الأمجاد و البطولات ، زمن الإنجازات الباهرة زمن العدل المطلق و المثالية المطلقة ، فالأسطورة تنادى ببعث الماضي الأول لمناهضة و مواجهة الحاضر المخزى . 
لقد كانت الديناميكية الأسطورية فى العصر المتأخر حركة بعث قومى تهدف للتحرر من الظلم الذي كان يقع على المجتمع المصري فى عهود الإستبداد و السيادة الأجنبية . فيعمل المجتمع على تأصيل هذه الفكرية عند تربية الأجيال اللاحقة ، مما يمهد لظهور الملك المخلص الذي يلتف حوله الجميع لتحقيق آمال الجماهير الكادحة و المغلوبة على أمرها

الاثنين، 4 يونيو 2012

جولة هرمنيوطيقية تاريخية فى مقتطفات من نص نى عنخ سخمت – حول مفهوم الملكية المؤلهة لدى كبير الأطباء نى عنخ سخمت تجاه الملك ساحورع


بسم الله الرحمن الرحيم 

جولة هرمنيوطيقية تاريخية فى مقتطفات من نص نى عنخ سخمت – حول مفهوم الملكية المؤلهة لدى كبير الأطباء نى عنخ سخمت تجاه الملك ساحورع 
.............................................................................يؤمن الدارس بأهمية علم الهرمنيوطيقا فى تفسير النصوص المتعلقة بالحضارة المصرية القديمة بشكل خاص و الحضارات كلها بشكل عام . و الهرمنيوطيقا كعلم تتناول بالدرس و التحليل معضلة تفسير النص التاريخي أو الديني ، و يمكن القول بأنها علم أو فن التأويل ، فهى تركز على علاقة المفسر بالنص التاريخي أو الديني و تطرح التساؤلات التالية :
1 – ما هى العلاقة بين مؤلف النص و النص ذاته ؟
2 – فى أى ظروف تاريخية تمت كتابة النص التاريخي ؟ و ما هى الدوافع لكتابته ؟ 
3 – ما هى إمكانية الفهم الموضوعى لمؤلف النص ؟ و هل من الممكن الوصول إلى القصد الحقيقي للمؤلف ؟
4 – هل يعتمد فهم النص و القصد الحقيقي للمؤلف على ثقافة المفسر أم على ثقافة مؤلف النص فى زمانه و مكانه ؟
5 – هل يمكن فصل معنى النص التاريخي أو الديني عن معنى الآثار المادية المحيطة به ؟
و للرد على هذه التساؤلات ، سنتناول هنا مثالا تاريخيا فى غاية الأهمية ، و هو عبارة عن عبارات أو مقتطفات من نص الكاهن المصري ( نى عنخ سخمت ) المدون على جدران مقبرته فى سقارة و الذي عاش فى عصر الملك ( ساحورع ) ثانى ملوك الأسرة الخامسة . و قد كان يشغل وظيفة كبير كهنة المعبودة سخمت مما يعنى أنه كان كبيرا للأطباء و السحرة و ذلك عطفا على ربوبية سخمت للطب و السحر فى مصر القديمة ، و القضية التى تريد هذه الدراسة أن تناقشها هى : هل كان كبار رجال الدولة يؤمنون بألوهية الملك فى عصر الأسرة الخامسة ؟ و لعلنا ندرك هنا من خلال طرح هذا التساؤل أن الهرمنيوطيقا تسعى نحو التخصيص و ليس التعميم . فموضوع الدرس يختص بفترة زمانية محدودة جدا و هى جزء من الأسرة الخامسة و ليست الأسرة بأكملها ، و لا نعلم هل كانت رؤية ( نى عنخ سخمت ) مطابقة لرؤية كبار رجال الدولة المعاصرين له فى فى مناطق أخرى من البلاد ؟ 
و لذا فعلم الهرمنيوطيقا يسعى نحو الكشف عن عدم ضرورة تطابق الفكر فى ذات الزمان و ذات المكان بشكل كامل . و قبل الولوج فى آفاق بعض العبارات الموجودة فى نص ( نى عنخ سخمت ) ينبغي لنا أن ندرك الظروف السياسية و الدينية و الإجتماعية المحيطة بالعصر الذي نشأ فيه ذلك النص ، فذلك العصر شهد بناء معابد الشمس الملكية التى تناولها علماء المصريات فى دراسات و مقالات عديدة كاشفين عن نتائج هامة تمثلت فيما يلي :
1 – التأكيد على الصلات الجسدية و الروحية التى تجمع الملوك برب الشمس ( رع ) بإعتبارهم أبنائه الذين جاءوا من صلبه 
2 – أن الملك الحاكم هو تجسيد و تصوير صورة ( رع ) الحية و المقدسة على أرض مصر ، فهذه المعابد ألحقت و ضمت الشعيرة الملكية بالشعيرة الشمسية و لاتناقض هنا بين إعتبار الملك كإبن لرب الشمس و بين وصفه و إتحاده بمعبود الشمس و لذا فإن شعائر تقديس الملك بإعتباره ( رع ) تبدأ خلال حياته فى معابد الشمس ( – و ذلك هو ما تم إثباته من خلال ما ورد فى مقابر كهنة الشمس فى الأسرة الخامسة و من خلال كتابات حجر بالرمو - ) و بعد مماته بما يعنى التقديس الدائم للملكية ذات الصبغة الشمسية
3 – أن الملكية خالدة بخلود مؤسسها الأول معبود الشمس ( رع ) و أنها هى الضامن الأوحد للنظام و الخير و العطاء و إستمرار دورة الكون بما يعود بالنفع على البلاد 
و لذا فعندما نقوم هنا بتناول و معالجة بعض العبارات التى تتعلق بتصوير الملكية و مدى قداستها فى نص ( نى عنخ سخمت ) تجاه الملك الحاكم ، تعتمد الهرمنيوطيقا على ربط مدلول النص مع مدلول معابد الشمس الملكية بغرض إحكام و ضبط عملية التفسير قدر الإمكان ، فلا تعزل مثل هذه النصوص عن سياقها الأثري و التاريخي و هى أحد شروط الهرمنيوطيقا ( التأويل ) و ليس كلها و إلا ستقع عملية التفسير فى أخطاء منهجية .
بدأ نص ( نى عنخ سخمت ) بالثناء على الملك ( ساحورع ) الذي منح العطاء و التكريم خلال حياته فقال عنه ( يسمو الملك على قدر و مرتبة كل إله ) و أنه ( يعلم برغبات أتباعه جميعا ) و ( أن أى شيء يصدر من فم جلالته يتحقق فى الحال ) و ( أن الإله وهبه معرفة بواطن الأمور ) . و ليس ثمة شك أن العبارات المقتطفة هنا تعكس إتجاه نحو إضفاء أبعاد تقديسية قوية على شخص الملك الحاكم من وجهة نظر النصوص الرسمية . إلا أنه أضاف على العبارات السابقة مقتطفات أخرى تختلف فى إتجاهها الفكري عن الإتجاه الأول فقال فى سياق ذلك ( أنه دعا كل إله من أجل جلالته ) و ( أنه يستحلف الناس بحبهم لرب الشمس رع أن يبتهلوا للأرباب جميعا لأجل الملك الذي فعل له و فعل ) .
إتجهت مدرسة فكرية فى علم المصريات إلى التأكيد على إتجاهين إختلطا كل منهما بالآخر فى سياق ذلك النص و هما :
1 – إتجاه نعت فيه ( نى عنخ سخمت ) مليكه بألوهية سامية يعلو بها فوق كل إله و قدرة فائقة تمكنه من تنفيذ رغباته كيفما يشاء و معرفة نافذة فلا تخفى عليه خافية 
2 – إتجاه مناقض للإتجاه الأول ، حيث يصور ( نى عنخ سخمت ) مليكه بأنه يحتاج لدعاء و رعاية الأرباب ، بل و يستحلف الناس بحبهم لرع أن يبتهلوا لجميع الآلهة من أجل مليكه
و من هنا رأت هذه المدرسة الفكرية أن هذه النصوص لم تخرج إلى حيز الضوء إلا لكى تشير إلى تقديس شكلى مطلق تجاه الملك دون إيمان فعلى مطلق بألوهية الملك و أن ذلك التقديس الشكلي كان ضرورة سياسية و دينية تتناسب مع رسميات العصر التى كانت تنادى بنظرية القداسة الملكية ، إلا أنها لم تكن عقيدة فعلية لدى كبار رجال الدولة . و لكن لا يتفق الدارس مع النتائج السابقة وفقا لمعطيات و حقائق أخرى تمثلت فيما يلي :
1 – تغافل عدد كبير من الدارسين فى التمييز بين مفهوم الألوهية فى الحضارة المصرية القديمة و مفهوم الألوهية فى الديانات السماوية ، فتأثر معظمهم بثقافتهم المعاصرة و قاموا بتحكيم معاييرهم على ثقافة مصر القديمة فجاء تفسيرهم للنصوص مخالفا لقواعد الهرمنيوطيقا ( التأويل ) فلا تناقض فى الحضارة المصرية القديمة بين إله يقتل نتيجة مؤامرة ( مثال : مقتل المعبود أوزير على يد أخيه ست ) و بين إستمرار الإعتقاد فى ألوهيته و العقيدة المصرية لا تطلب المنطق من معتنقيها و إنما تطلب العاطفة و الوجدان و التجربة الإنسانية و الطبيعية التى يؤمن بها الجميع و لا تناقض بين ألوهية المعبود و عجزه ، فذلك لن يقلل من ألوهيته شيئا فى نظر أتباعه ( مثال : أسطورة رع و لدغة الثعبان و عجزه عن معالجة السم و إحتياجه للمعبودة إيزيس التى دبرت له كل ذلك لمعرفة إسمه الخفى ) فالإله فى مصر القديمة لا تخلع عليه إلا صفات إنسانية و يختلف تماما عن مفهوم الإله فى الديانات السماوية 
2 – تجاهل مفسروا النص إطاره الثقافي و التاريخي و الأثري و السياسي ، فقد كشفت القرائن الأركيولوجية عن وجود عبادة ملكية مؤكدة من جانب كهنة الشمس فى معابد الشمس الملكية و فى معابد الأهرام الجنزية ، كما تجدر الإشارة إلى وجود شعيرة ملكية موجهة لشخص الملك فى معابد الأهرام الملكية الجنزية و تحديدا فى قدس أقداس تلك المعابد حيث كشفت الآثار عن وجود بقايا تماثيل ملوك داخل 5 غرف فى نهاية المعبد تعادل أقداس أقداس الملك الحاكم 
3 – تصور مفسروا النص أن إحتياج الملك و إعتماده على غيره من الكهنة فى عمل شعائر إحياء و تمجيد للملك أن ذلك يقلل من ألوهيته فى نظر أنصاره بالرغم من وجود ذات الشعائر الموجهة لآلهة أخرى بما يعنى إحتياج المعبودات الأخرى لنفس الطقوس حتى يعاد إحياءها من جديد لكى تؤدي دورها فى الكون و الطبيعة بما يضمن الخير للبلاد . و الملك هنا لا يختلف عن الطبيعة الإلهية فى شيء داخل معابده فتوجه له نفس الشعائر لكى يحقق نفس الأهداف – مع الوضع فى الإعتبار أننا هنا نتحدث فقط عن حالة الأسرة الملكية الخامسة فى عصر الدولة القديمة و لا مجال للتعميم على العصور الأخرى اللاحقة .
4 – يتفق الدارس مع تلك المدرسة الفكرية فى وجود إتجاهين فى نص ( نى عنخ سخمت ) إختلطا ببعضهما البعض و لكن يختلف معهما فى تحديد الماهية الحقيقية و المدلول الفكري لتلك الإتجاهين ، فهما إتجاهين فكريين يعكسان ثقافتين كانتا منشرتان فى مصر فى تلك الفترة . الثقافة الأولى و هى الأحدث زمنيا ، ثقافة تأليه الملك الحاكم و إعتباره واحدا من الأرباب القادرين على فعل أى شيء بل و أحيانا كان يظهر ككائن متفوق عليهم ( مثال : نصوص الأهرام التى صورت الملكية فى وضع يفوق الآلهة فى بعض فقراتها ) . أما الثقافة الثانية و هى الأقدم زمنيا ، ثقافة يحتاج فيها الجميع بما فيهم الملك لرعاية و مؤازرة الأرباب . و هنا نجد نص ( نى عنخ سخمت ) يعكس وجود الثقافتين و تجاورهما مع بعضهما البعض فى ذلك العصر و دون أدنى إحساس بوجود تعارض بينهما على الأقل من الناحية الفكرية ، فهو هنا كان مخلصا لمليكه فى تصويره كرب قادر و مقتدر و كان أيضا مخلصا لتقاليد و موروثات العصور السابقة التى صورت قدرة الأرباب و إحتياج الجميع لها 
5 – لم يدرك مفسروا النص أن عبارات تقديس الملك و تأليهه تقدمت و جاءت قبل عبارات تصوير الملك ككائن يحتاج لرعاية الأرباب مما يكشف عن تقدم و سيطرة الإتجاه الثقافى الأول ( إتجاه تأليه الملك ) على الإتجاه الثقافى الثانى ( إتجاه رعاية الملك من جانب الأرباب ) و ذلك على أقل تقدير من وجهة نظر كبار رجال الدولة 
6 – يهدف النص إلى إعلاء شأن الملكية المؤلهة ، فلا مبادرة سياسية تتم دون توجيهات الملك و لا شيء ينطق به الملك إلا و كان رأيا صائبا فينفذ فى الحال ، فهو لا ينطق إلا بالحق ، فالملكية هنا تتقدم المشهد فى النص و نى عنخ سخمت يرد الفضل كله لصالح الملك فيما وصل إليه من إنجازات مما يدل على تراجع صاحب النص للمركز الثانى وراء الملك و الآلهة و تقدمه على الناس ( عامة الشعب ) 
7 – يبدو من الواضح أنه كانت هناك دعوة للترويج ليس فقط بألوهية الملك الحاكم بين الناس و كما يبدو فى النص و لكن يظهر أيضا أنه كان هناك نداء آخر للناس ( عامة الشعب ) بأن يبتهلوا جميعهم للآلهة و بقدر حبهم لمعبود الشمس أن يدعوا للملوك فى ذلك العصر فى دنياهم و بعد مماتهم ، مما يعكس فكرة الترويج لطيبة و صلاح و تقوى و ورع الملوك أمام الرعية 
8 – يظهر من ثنايا النص ، أن عامة الشعب فى عصر الأسرة الخامسة كانت يتجه و يبتهل للآلهة أكثر مما يتجه للملوك فهو يدعوهم لدعاء الأرباب التى يؤمنون بها لأجل الملك و هنا نجد أن عقيدة الملكية المؤلهة لم تكن بالضرورة عقيدة شعبية يؤمن بها جميع الناس و ذلك على النقيض من كبار رجال الدولة و لاسيما الكهنة الذين كانوا على تواصل دائم بشخص الملك الحاكم