الجمعة، 12 أبريل 2013

منظر من مقبرة بتاح حتب و آخت حتب في سقارة


بسم الله الرحمن الرحيم

منظر من مقبرة بتاح حتب و آخت حتب في سقارة


- و هنا يظهر خدم ( كهنة ) الكا و هم يحملون عناصر و تقدمات ضرورية لتزويد الباب الوهمي ( مكان التقدمة ) بمختلف أنواع القرابين و يلاحظ هنا أن مختلف التقدمات كانت ناتجة عن تربية قطيع من الحيوانات و الطيور . فعلى الجانب الشرقي ( يسارا ) نجد مجموعة ثيران أما عند الصفوف الثلاثة التي تأتي أسفلها فنشاهد مختلف التقدمات التي يتم إحضارها بواسطة كهنة ( الكا ) كما يلاحظ أيضا أن صاحب المقبرة نفسه يظهر في الصف الثالث في صورتين متقابليتين كواحد من خدم ( كهنة ) الكا الذين يحملون التقدمات . أما على الجانب الغربي ( يمينا ) فنشاهد نفس المحتوى تقريبا من التقدمات في الصفوف الثلاثة السفلية و لكن الأكثر إثارة في المشهد هو ما نراه عند الصف العلوي من مختلف أنواع الطيور و التي تم تحديد أنواعها من خلال أسمائها و يمكن قراءة هذه الأسماء من أعلى إلى أسفل و من اليسار إلى اليمين كالتالي : 
1 - بعض الأوز بمقدمة بيضاء أمامية يدعى ( تشرب ) - trp 
2 - بعض البط المصور يدعى ( بخت ) - pht 
3 - مجموعة من الحمام تدعى ( منوت ) - mnwt 
4 - بعض الأوز ذي الريش الرمادي يدعى ( را ) - r 
5 - أوز ذي ريش طويل يدعى ( ست ) - st 
6 - نوع آخر من الأوز يدعى ( سر ) - sr 
يلاحظ من جانب آخر أن الفنان هنا سجل أسماء بعض كهان الكا فعلى سبيل المثال هناك من يدعى إيدو و مرري في الصف الثاني العلوي يسارا و إيحي في نفس الصف المقابل يمينا 
و هنا نشير لبراعة الفنان المصري القديم في تصوير كل كاهن من كهنة الكا في وضع و طريقة فنية تختلف عن الآخر الأمر الذي أضفى كثيرا من الحيوية و الواقعية على المشهد بأكمله 
و يبقى تساؤل هام : هل هؤلاء الكهان مصورين في فناء مزرعة خاصة بالمتوفى و يقومون بإحضار هذه التقدمات من المزرعة و حتى المقبرة ؟

منظر في مقبرة النبيل ( خرو إف ) في طيبة الغربية


بسم الله الرحمن الرحيم 

منظر في مقبرة النبيل ( خرو إف ) في طيبة الغربية


 - و ينقسم هذا المشهد إلى جزئين متماثلين و هو مصور عند العتب العلوي لبوابة الدخول للمقبرة - و هنا يظهر الملك أمنحتب الرابع في وضع فني كلاسيكي متعارف عليه ( و الذي أطلق على نفسه فيما بعد تسمية إخناتون ) و يرتدي تاج الخبرش و خلفه الملكة تي أمه التي صورت هنا و هي تضع على رأسها تاجا يرى فيه البعض من الدارسين أنه محاكاة لتاج الرشتين للمعبود آمون ؟ فضلا عن ظهور الصل المزدوج على جبينها كما تحمل في يدها اليمنى المصلصلة الحتحورية بينما تحمل في اليد اليسرى نبات البردي مع علامة العنخ بينما حملت في يدها اليسرى على الجانب المقابل ( يمينا ) صولجانا منحنيا بينما يظهر الملك نفسه و هو يقوم بتقدمة قربان النبيذ للإله رع حور آختي ( يسارا ) الذي تم وصفه بأنه المعبود العظيم سيد السماء كما تقف خلفه ( ماعت ) التي وصفت هنا كإبنة لرع و على الجانب الآخر ( يمينا ) يقوم بعمل شعيرة التبخير للإله آتوم و المعبودة حتحور 
هناك رمز فني معقد يفصل بين المشهدين المتماثلين و هو : ( الكا الملكية ) و التي تحيط بخرطوش الملك ( نفر خبرو رع وع إن رع ) و هو إسم الملك أمنحتب الرابع و الذي يعني ( كاملة هي تجليات رع و واحد هو رع ) و قد تم تصوير شكل تاج الآتف الأوزيري على الخرطوش نفسه الذي يحتوي في داخله على قرص الشمس الأمر الذي يعكس أن هذا التاج كان ذو أصل شمسي وفقا لما ورد في الفصل رقم 175 من كتاب الموتى حيث منحه رع لأوزير 
إن وجود الكا الملكية بين رع و آتوم يعكس إرتباط الربين بهذا الرمز الذي ينتقل كوظيفة ملكية مقدسة و خالدة من ملك لآخر و حتى أن تصل لشخص الملك الحاكم . نشير هنا أيضا إلى أن هذا المنظر تم تنفيذه في الأعوام الأولى لحكم الملك أمنحتب الرابع في مقبرة النبيل خرو إف

منظر الملكة حتب حرس الثانية في مقبرة الأميرة مرس عنخ الثالثة في جبانة الجيزة


بسم الله الرحمن الرحيم 

منظر الملكة حتب حرس الثانية في مقبرة الأميرة مرس عنخ الثالثة في جبانة الجيزة

 - و هنا نشاهد الملكة حتب حرس الثانية و هي ترتدي قلادة عنق صغيرة فضلا عن القلادة الكبيرة ذات صفوف خرز بيضاء و زرقاء و يلاحظ عدم إرتدائها لأي أساور في اليد و من ناحية أخرى نجد أنها ترتدي شعرا مستعارا ذي لون أصفر و عليه حزوز أو خطوط حمراء مستقيمة و لاشك أن إكتشاف هذا الشعر المستعار الأصفر ساعد على رفض نظرية جورج رايزنر الذي ظن خطأ أن هذه الأميرة ذات منشأ ليبي حيث إعتقد أنه شعر طبيعي و بلون أصفر . إن ما يثير الإنتباه في هذا المشهد هو إرتدائها لرداء أبيض طويل ذي أكتاف مدببة غير إعتيادية ! و هو ما جعل بعض الدارسين لطرح فرضية أن هذا الشكل المدبب للرداء يخفي ورائه مذبتين للنخاخا و هو ما جعل الفنان يقوم بتصوير الرداء بهذا الشكل . و لكن إذا نظرنا جيدا للمشهد سنجد أنها لا تمسك في يديها شيئا حتى تقوم بإخفائه . و هنا لا نملك سوى أن نقول أنه رداء فني مميز لملكات تلك الفترة و ظهر لأول مرة خلال عصر الأسرة الرابعة فيما نعلم حتى الآن . ينبغي لنا هنا أن نشير إلى أن تصوير هذا الرداء لم يكن الحالة الوحيدة خلال عصر الأسرة الرابعة بل ظهر كذلك في المصطبة رقم G7140 في جبانة الجيزة و هي مقبرة الأمير ( خع خوفو ) حيث تم تصوير أمه بنفس الرداء ذو الكتفين المدببين فإذا ما وضعنا في الإعتبار أن مقبرة خع خوفو أقدم من مقبرة مرس عنخ الثالثة يصبح تصوير مثل هذا الرداء هنا أحدث زمنيا مما يعني وجود نموذج فني واحد لرداء الملكات خلال عصر الأسرة الرابعة و هنا ينبغي لنا أن نشير لحقيقة هامة : 
إن هذا الرداء ظهر في كلا الحالتين لأم ملكية وصفت بأنها الزوجة الملكية على جدران كلا المقبرتين فضلا عن أن الأم الملكية هنا إنتقلت للعالم الآخر في كلا الحالتين فهل ذلك الرداء تعبير فني لملكات الأسرة الرابعة اللاتي إنتقلن للعالم الآخر ؟ 
و يبقى تساؤل آخر : إن الملكة حتب حرس الثانية تظهر هنا و هي تتخذ الوضع الذي تميز به المعبود أوزير في فترة لاحقة ( الأسرة الخامسة ) - وضع تقاطع الذراعين على الصدر - فهل ذلك المشهد يعبر عن إرهاصات أولى للإعتراف بديانة أوزير في عصر الأسرة الرابعة و ذلك رغم عدم ظهور أي ذكر لذلك المعبود في هذه المقبرة أو أي مقبرة أخرى خلال عصر الأسرة الرابعة ؟

كيف أتى الشر إلى عالم مصر ؟ - حول منشأ مفهوم الشر وفقا للآليات الفكرية لعصر الدولة الوسطى


بسم الله الرحمن الرحيم

كيف أتى الشر إلى عالم مصر ؟ - حول منشأ مفهوم الشر وفقا للآليات الفكرية لعصر الدولة الوسطى

وفقا للمعتقدات المصرية
القديمة كان العالم المخلوق من أصل إلهي و لكن كيف تحول العالم الذي أنشأته آلهة
مصر إلى مكان يسوده العنف و الجشع ؟ و كيف جاء هذا الشر الذي كان مرحلة حاسمة أدت
لفصل السماء عن الأرض ؟ بل و فصل الآلهة عن عالم الإنسان الذي يعيش في مصر ؟ 
حاولت النصوص الأدبية التي تنتمي لعصر الدولة
الوسطى أن تجيب على هذه التساؤلات و أقرت بحقيقة هامة و هي : أن العالم لم يتسم
بالكمال منذ بداية خلقه و أن طبيعة الإنسان تتجه نحو التمرد و إحداث الفوضى
فالإنسان يتجه طبيعيا و فطريا للتمرد و لهذا السبب تنشأ الحاجة لوجود دولة أو سلطة
ملكية تسعى للوقوف ضد الفوضى التي تسبب فيها الإنسان في مصر . 
و لكن ينبغي هنا أن نميز بين الفوضى التي
كانت موجودة قبل خلق العالم و التي أطلق عليها المصري القديم لفظ ( نون ) و بين
الفوضى التي نشأت بعد خلق العالم فهناك فرق جوهري بينهما . فالفوضى الأولى تتمثل
في أن العالم في حالته الأولى كان عبارة عن مياه أزليه ( نون ) لا شكل منتظم لها و
لكنها إحتوت على بذور الخلق في داخلها و قد خرج من هذه المياه الأولى إله الشمس
لأول مرة و بعد أن تجلى للعالم فكان ذلك زمن الخلق الأول . 
إلا أن عملية الخلق في مصر لم تحدث مرة واحدة
فقط بل يعيد المعبود الخالق هذه العملية بتكرار خروجه من المياه الفوضوية الأولى (
نون ) في كل صباح و حتى يتحول من هيئة المعبود العجوز إلى هيئة الإله الشاب من
جديد فيغطس في المياه الفوضوية الأولى عند كل غروب لكي يعيد إشراقه على العالم من
جديد و يكرر مسألة الخلق . 
و لا علاقة هنا بين مياه نون التي تمثل حالة
الفوضى في زمن ما قبل الخلق و بين الفوضى التي روجت ملكية الدولة الوسطى في نصوصها
أنها تحاربها و تقف ضدها ، فالفوضى التي نشأت بعد خلق العالم تجسدت في هيئة ثعبان
كوني ضخم عرفوه بلفظ ( عبب ) و هو يهدد بإبتلاع و إلتهام مياه الخليقة الأولى (
نون ) ، فإذا كانت المياه الفوضوية الأولى ( نون ) تحمل في ثناياها خلق و تجديد
العالم فإن ثعبان الفوضى ( عبب ) يحمل على عاتقه تدمير العالم و إفنائه تماما . 
فهذه هي الفوضى التي سعت ملكية الدولة الوسطى
لمواجهتها و من هنا كشفت النصوص الدينية و الأدبية لعصر الدولة الوسطى أن إله
الشمس الخالق أخذ على عاتقه أن ينشر النظام و العدالة و السلام ( الماعت ) و ذلك
من خلال نشر ضيائه على الأرض ، فنور معبود الشمس رع يقف ضد الفوضى و الظلام و
البؤس و الشر التي تتجسد جميعها في هيئة الثعبان الكوني المرعب ( عبب ) . 
و هنا يطرح أهل الفكر و الدين في مصر فرضية
هامة و هي : 
عدم تكامل العالم منذ بداية الخلق و أن تجارب
الشر هي التي تسود و أن سبب هذا الشر هو الإنسان نفسه الذي عصى خالقه و تمرد عليه
و لعل نص تعاليم خيتي الثالث لإبنه مري كارع الذي يرجع زمن كتابته لعصر الدولة
الوسطى يشير إلى هذه الفرضية حيث نقرأ : 
" إن البشر منعمين فهم قطيع الإله الذي
خلق لهم السماوات و الأرض فطغى على الطمع بالماء و خلق الهواء لكي تتنفس أنوفهم
فهم صوره التي خرجت من جوفه و لأجلهم صعد إلى السماء و خلق لهم النباتات و
الحيوانات و الطيور و الأسماك لكي يجدوا غذاءا لهم و لكن بما أنهم إعتمدوا على
التمرد أباد هو أعدائه . و خلق لهم الحاكم منذ أن كان في البيضة و حتى يحمي
الضعفاء و خلق لهم السحر كسلاح لهم لكي يصدوا به ضربات الأحداث عنهم فهو يحرسهم في
الليل و النهار و ضرب أصحاب القلوب العوجاء بينهم مثلما يضرب الرجل إبنه " 
يتبين لنا من هذا النص عدد من الأمور الهامة
تتمثل فيما يلي : 
1 – يحتوي هذا النص على أعمال و إنجازات
الإله الخالق و التي أتى بها لصالح حياة الإنسان في مصر و إثنان فقط من هذه
الأعمال هي التي توجه ضد الإنسان حيث يتم عقابه عندما يتمرد على الإله الخالق و
كان هذا العقاب و فقا لآليات النص هو عقاب خاضع لقوة القانون . 
2 – يحتوي هذا النص على البواكير الأولى
لأسطورة تمرد و هلاك البشرية التي سجلت فيما بعد خلال عصر الدولة الحديثة ، فالنص
هنا يتحدث عن إعتياد البشر على التمرد ضد الخالق و على قدرة ذلك الإله الذي أباد
المتمردين و إستخدم القوة ضدهم . 
3 – أشار النص إلى ضرورة وجود الحاكم الذي
أوجده الخالق منذ أن كان في البيضة ( و هو تعبير يشير إلى أزلية الملك الحاكم و
إخياره من جانب الإله منذ الأزل ) و ذلك 
حتى يحمي الضعفاء و من هنا تظهر الملكية في عالم مصر مسؤولة في المقام
الأول عن وضع حد للظلم و مواجهة الشر وتمرد البشر وحماية الضعيف . 
4 – يكشف النص عن أمر خطير : فبدون وجود
الدولة ( السلطة الملكية ) و بدون وجود السحر كسلاح خلقه الإله الأول لكي يصدوا به
الأزمات يخسر الضعفاء حقوقهم و ينهار عالم مصر و ينتصر الشقاء و تعم الفوضى . 
5 – 
و من أجل ذلك تصبح قوة العقاب التي قام بتنفيذها المعبود الخالق ضد أطفاله –
حسبما ورد في النص – ضرورية و لا غناء عنها فهي الشرط الأول اللازم لتحقيق سعادتهم
فلا سعادة دون عقاب لمن تمرد و لأن البشر تمردوا ، " ضرب الإله أطفاله "
و " مثل رجل يضرب إبنه " . 
و من جانب آخر أكد نص تنبؤات ( إيب ور ) الذي
يرجع زمنيا لعصر الدولة الوسطى على إبراز الصورة المعاكسة للنظام و العدالة و
السلام و الخير ( ماعت ) إذا لم يقم الإله الخالق بعمله كما ينبغي فهنا و كما يؤكد
( إيب ور ) أن العالم في مصر أصبح مظلما و ليس هناك عناية كافية بقطيع الإله
الخالق ( شعب مصر ) و صار البشر يقتلون بعضهم البعض و لا يتدخل ذلك الإله ليضرب
إبنه و لا يقوم الإله بحراستهم ليلا و نهارا 
و هنا تبرز الدراما الكبرى لنص ( إيب ور )
عندما يتسائل : 
" أين هو هذا الإله ؟ هل هو نائم ؟ فلا
أحد يعرف سلطته " 
كانت هذه هي الأزمات الفكرية التي واجهتها
ملكية الدولة الوسطى و سعت لترويج مثل هذه النصوص بشكل متعمد من خلال مفكري البلاط
الملكي و كانت الرسالة بارزة الأهمية : إن الإنسان في عالم مصر سيبلغ مرحلة الشك
في وجود الإله و في عمله نحو صد الشر إذا لم تكن هناك سلطة ملكية ، فالإله لا يعمل
إلا من خلال وجود الملك في مصر . 
و يتحدث الإله في مصر عن عدالته الإلهية في
متون التوابيت قائلا : 
" لقد خلقت الرياح الأربعة لكي يتمكن
الجميع أن يتنفسوا و هذا هو أحد الأعمال و لقد خلقت الفيضان لكي يتمتع به الفقير و
الغني و هذا هو أحد الأعمال و لقد خلقت كل واحد مثل غيره و منعت البشر من الظلم و
لكن قلوبهم عصت ما أمرتهم به و لقد لقد خلقت فيهم الخوف من الموت لكي يقدموا
قرابينهم للآلهة المحلية و هذا هو أحد الأعمال و أنا أحكم بين الفقراء و الأغنياء
و أنا أعاقب بالتساوي كل من يقوم بالظلم فالحياة لي و أنا سيدها و لا يمكن لأحد أن
يسلب سلطتي " 
يتبين لنا من نص متون التوابيت حقائق هامة و
هي : 
1 – أن الفوضى و التمرد يأتيان دائما من قلب
الإنسان و لم يكن الإله الخالق مسئولا عن وجود الشر و الظلم في العالم فهو يقول
بنفسه " و لقد منعت البشر من الظلم و لكن قلوبهم عصت ما أمرتهم به " 
2 – بالرغم من الإله الخالق منع البشر من
الظلم ، إلا أنه لا يتمكن من السيطرة على قلوب البشر الذين تمردوا و صنعوا الشر و
لكنه يستطيع أن يعاقب كل من يخترق أوامره فهو يضرب المتمردين و يقضي عليهم لكي
يعيد الحياة من جديد على حالتها المثالية الأولى و لكي تحيا مصر في سلام
3 – لم يكن هذا الإله الخالق و الذي خلق كل
شيء و بالتساوي بين الجميع و دون تفرقة سوى الملك الحاكم و الذي يمثله على الأرض فالمتحدث
هنا و رغم كونه المعبود الخالق ، إلا أنه يعكس و بشكل غير مباشر خطاب الملك نفسه
أمام الرعية . 
يتبين لنا مما تقدم أن الشر لم يكن من صنع
الإله بل كان من عمل الإنسان و أن الحل الأمثل هو عدم غياب السلطة الملكية التي
ستحقق الماعت في عالم مصر و ستعمل بكل جهدها لإقرار السلام و النظام لتنفيذ خطة
الإله الخالق و أعماله الطيبة ،  و من هنا
لا نجد مواساة للإنسان في مصر بوجود عالم آخر أفضل من عالم الدنيا فهذه الفكرة لا
وجود لها في عالم مصر بل هو عالم واحد و ما يسري هنا ( في عالم الدنيا ) يسري أيضا
هناك ( في العالم الآخر ) و أن السلطة الملكية تظهر كتعويض حقيقي لهذا العالم
الغير متكامل منذ بداية الخلق ، و لذا فالعالم المصري لا يحتاج فقط لمجرد ملك منقذ
بل يحتاج لراع طيب يحمي القطيع من الذئاب .  

صورة الإنسان في مصر من خلال قراءة نص السيرة الذاتية لعنخ تيفي في عصر الإنتقال الأول


بسم الله الرحمن الرحيم 

صورة الإنسان في مصر من خلال قراءة نص السيرة الذاتية لعنخ تيفي في عصر الإنتقال الأول


قام حكام الأقاليم خلال عصر الإنتقال الأول
بكتابة سيرهم الذاتية على جدران مقابرهم بهدف تصوير العصر الذي عاشوا فيه على أنه
عصر مظلم للغاية و ذلك لكي يبرزوا أنفسهم كأبطال و كمنقذين لتلك الفترة المظلمة
التي سادت فيها حالات الأزمات و الكوارث و وفقا لما رسموه . و هنا تجدر الإشارة
لكي نشير إلى حقائق ثلاث هامة تمثلت فيما يلي : 
1 – كانت هذه هي المرة الأولى في التاريخ
المصري القديم و التي تظهر فيها مصر بوصفه عالما مليء بالأزمات ، فقد خلت كتابات
الدولة القديمة من نصوص وصف العالم بالفوضى . 
2 – إن المعضلة الرئيسية لكتابات نصوص السير
الذاتية لحكام عصر الإنتقال الأول تتمثل في في فقدان الجهة الحكومية الرسمية
المختصة و التي يمكنها تقييم أو تعليل هذه الكتابات ، فلا رقيب و لا سلطة أعلى من
سلطة حاكم الإقليم داخل المكان الذي يعيش فيه الأمر الذي يعكس من ناحية أخرى
إضمحلال و إنهيار السلطة الملكية خلال ذلك العصر . 
3 – سدت هذه الكتابات فراغا ناتجا عن إختفاء
السلطة الملكية أو عدم تأثيرها خلال ذلك العصر و أصبحت السلطة تستمد من خلال
الآلهة داخل الأقاليم و التي قامت بتعيين حكام الأقاليم في مناصبهم مما يضفي شرعية
على منصب حاكم الإقليم و على إنجازاته التي أخذ يتحدث عنها بشكل تفصيلي على جدران
مقبرته ، فالإله هو فقط ( و لم يعد هنا الملك يلعب دورا مؤثرا ) من يتولى إختيارهم
بنفسه و تعيينهم في مناصبهم الرسمية . 
و من جانب آخر تميز هذا العصر بظهور مفهوم
الفردية الذاتية التي تتحدث عن نفسها بكل ثقة و إعتزاز و إمتلأت جدران مقابر حكام
الأقاليم بذلك المفهوم ، فالمقبرة أصبحت مكانا ( للإضاءة الذاتية ) بمعنى إضاءة
الذات لنفسها من خلال تعظيم إنجازاتها التي أنقذت البلاد و الناس من الفوضى
المدمرة ، فها هو ( عنخ تيفي ) حاكم المعلا الذي عاش خلال عصر الأسرة التاسعة
يتحدث عن نفسه و عن كيفية إنتدابه من جانب الإله حورس رب إدفو الذي جعله حاكما على
الإقليم لكي يعيد تنظيمه من جديد فيقول : 
" لقد وجدت بيت ( خوو ) مغمورا في
المياه مهملا من قبل المسئولين عنه و في قبضة أحد المخربين و تحت تخطيط شخص غير
كفؤ " 
يتضح لنا من هذه الفقرة أن عنخ تيفي يهتم
بإصلاح بيت أو مقصورة تقديس السلف ( خوو ) الأمر الذي يعكس نتيجة هامة : أن من
يتولى إصلاح و ترميم مقاصير و بيوت السلف تصبح له شرعية في الحكم و أن من لا يسعى
لإصلاحها بل و يهملها تسقط عنه الشرعية . 
و هناك نصوص أخرى تطابق في المضمون تلك
الفقرة الأخيرة في نص عنخ تيفي ، فنحن نقرأ على سبيل المثال في مقبرة إنتف الثاني
في طيبة نصا شبيها لما سبق و نقرأ فيه : 
" لقد وجدت مقصورة الأمير نخت محطمة فقد
كانت جدرانها قديمة و كانت كل تماثيلها محطمة و لم يعد هناك شيء سليم فيها حقا و
لكني بنيتها من جديد و قمت بتوسيع أسسها و عملت لها صورا جديدة و وضعت أبوابها من
الحجر و ذلك لإحيائها من جديد لتكون مكانتها أعلى من مكانة جميع الأشراف الآخرين
" و هنا ينبغي لنا أن نتوقف عند ما ورد في ذلك النص لكي نشير إلى مجموعة من
النتائج الهامة جدا و هي : 
1 – لا يهدف مثل هذا النص و ما شابهه الحديث
عن وقائع تاريخية أو كتابة مذكرات صاحب المقبرة ، بل إبراز الإنجاز الأعظم لإنتف
الثاني الذي تمكن من ترميم و إصلاح و إعادة إحياء مقصورة السلف العظيم ( نخت ) و
من خلال إبراز هذا البر و الإحسان فهو يتوقع من الأجيال اللاحقة أن تذكره بالخير و
أن تسعى لعمل المثيل ، فتقوم هي الأخرى بإصلاح و ترميم مقصورته كنوع من رد الجميل
الذي قام به إنتف تجاه السلف . 
2 – نلاحظ هنا مفهوم إعادة بناء القبر أو
المقصورة من جديد و توسيع مساحتها و إعادة نقش مناظرها و وضع أبوابها من الحجر
الذي يرتبط بإحياء المقصورة و صاحبها من جديد ، فالإحياء تجاه السلف في مصر يرتبط
بتوسيع أماكن تقديسهم و مواقع ذكراهم . 
3 – ألم ترتبط هذه الفكرة الأخيرة بنفس
السياسة العملية التي سار عليها ملوك الدولة الوسطى فيما بعد ، و ذلك عندما قاموا
بترميم و حفظ آثار ملوك الدولة القديمة في بعض الأحيان ؟ ألم يكن حكام الأقاليم
خلال عصر الإنتقال الأول هم من وضعوا هذه الفكرة في حيز التنفيذ و لأول مرة ؟
و عودة لنص عنخ تيفي و ما كنا قد أشرنا إليه
من خلال مفهوم الإضاءة الذاتية ، نرى فكرة التعبير عن الذات و إنجازاتها خلال عصر
الإنتقال الأول من خلال المقطع التالي : 
" أنا بداية و نهاية البشر و أنا في قمة
البلاد بسبب تخطيطي الحكيم و أنا البطل دون مثيل الذي يتكلم وفقا لصوته و بطلاقة
عندما تصمت الإلهة بات في اليوم الذي تنبعث فيه الرهبة في النفوس " 
إن وجود تعبير مثل ( أنا بداية و نهاية البشر
) و ( أنا البطل دون مثيل ) يتكرر في عدة مقاطع في هذا النص و هذا التكرار يؤكد
على أمرين و هما :
1 – وجود طابع أدبي شعري رفيع في نص عنخ تيفي
و ربما كانت هذه النوعية من التعابير الأدبية تعكس بداية ظهور أدب أو ملحمة بطولية
في نصوص السير الذاتية لعصر الإنتقال الأول . 
2 – إن الأدب الشعري هنا يؤكد بشكل قوي و
واضح على عدم وجود أي علاقة بين مفهوم تسجيل التاريخ كوقائع بريئة خالية من الغرض
و بين مفهوم إظهار المتوفى كبطل لا مثيل له في العالم الآخر و كمادة ستروى أمام
الأجيال اللاحقة و إلى الأبد ، فالإنسان في مصر يثق في نفسه و يطمئن لإنجازاته و
لا مكان للإعتراف بالذنب ، فالعالم الآخر عالم يتسم بالمثالية و لا ينبغي هنا
الحديث إلا عن إنجازات و لا مكان للخطيئة . 
و لعل التساؤل الذي يطرح نفسه في هذا الصدد :
ألم تكن كاتبات الملوك اللاحقة و لاسيما على جدران المعابد تطابق نفس و ذات
المفهوم الذي تم إنتاجه و لأول مرة بشكل واضح خلال عصر الإنتقال الأول ؟ 
و ينتقل عنخ تيفي إلى أمر هام يتناول فيه
دوره البارز خلال تلك الفترة قائلا عن نفسه : " لقد وضعت حمايتي على ما يخص
كل إنسان فمن كان تحت حمايتي لم يمسه أي ضرر إطلاقا و كل من يقف ضدي فهو بائس و
مغفل و الويل له ، فأنا البطل دون مثيل " 
و هنا نشير إلى هذه الحقائق التالية : 
1 – يظهر في هذا النص و لأول مرة مفهوم أيدولوجيا
الرعاية التي يقدمها حاكم الإقليم تجاه من يتولى حمايته ، فمن يحميه و يرعاه لن
يمسه أي ضرر و لم تكن تلك الرسالة موجهة فقط لمن عاصره زمنيا بل هي رسالة موجهة
لجميع الأجيال اللاحقة التي ينبغي لها أن تتعلق و ترتبط به للأبد . 
2 – إن من يقرأ النص يفهم مضمون الرسالة و هي
: إما أن يقبل الخضوع لسلطة و حماية و رعاية حاكم الإقليم حتى لا يمسه أي ضرر و
إما فهو ضده و هنا عليه أن يتحمل تبعات قراره الذي إتخذه ، فإما القرار الأول و
إما القرار الثاني ، و لا مكان هنا للوقوف على الحياد . 
3 – يعكس النص و بشكل ضمني غير مباشر أن
الإنسان في مصر يخشى التاريخ و يخاف من المستقبل لذلك ينبغي له أن يحتمي بسلطة
أعلى لديها القدرة على حمايته من تقلبات الزمن المستقبلية ، سلطة قادرة على
التخطيط الجيد ، أو هكذا تقوم هذه السلطة بالترويج لنفسها ، و لا نجد مثل الخوف من
تقلبات الزمن في نصوص السير الذاتية لعصر الدولة القديمة . 
إن المقطع التالي يمثل قمة الثناء على الذات
و قمة الثقة بالنفس و الذي لا نجد له مثيل في كل كتابات السير الذاتية اللاحقة ،
حيث يقول عنخ تيفي : 
" أنا بداية و نهاية البشر ، و ليس هناك
لي نظير و لن يكون أبدا فمثيلي لم يولد و لن يولد و لقد تجاوزت ما عمله السلف و من
سيأتي بعدي لن يتوصل إلى ما وصلت إليه حتى بعد ملايين السنين " 
يتضح لنا من هذا المقطع الأخير بعض النقاط
الهامة و هي : 
1 – يختفي أدب التواضع تماما في نصوص السير
الذاتية لحكام الأقاليم بل و نجد مفهوم بلوغ القمة الفردية الذاتية التي تفوقت على
إنجازات السلف و ستتفوق على إنجازات الخلف . 
2 – يرجع هذا الثناء الذاتي إلى فكرة القوة
الشخصية لحاكم الإقليم و هي قوة مستمدة من إله الإقليم و ليس من قوة الملك الحاكم
الذي يغيب هنا في هذا السياق و لا وجود له 
3 – إن تصوير فكرة التفوق على إنجازات السلف
و التي لها إرهاصات أولى عملية خلال عصر الدولة القديمة أصبحت كتابات السير
الذاتية تعبر عنها صراحة خلال عصر الإنتقال الأول و هي ذات الفكرة التي لن تختفي
على الإطلاق من نصوص المقابر و المعابد خلال الفترات التاريخية اللاحقة للحضارة
المصرية القديمة ، فالإنسان في مصر لا يكتفي بما وصل إليه السلف من إنجازات بل
يسعى ( و لو نظريا ) للتفوق على هذه الإنجازات ثم يسعى من جانب آخر لتأطير مفهوم :
أن هذه الإنجازات التي حققها في عصرها لن يتمكن من بلوغها أو التفوق عليها أي فرد
من الأجيال اللاحقة فنهاية الإنجازات العظمى تتوقف عند رواية الإنسان عن نفسه في
مصر و لا إنجاز أعظم في التاريخ المستقبلي . 
و هنا يتحدث عنخ تيفي في الفقرة اللاحقة عن
أحداث الحرب الأهلية التي جرت في مصر خلال عصر الإنتقال الأول بين زعماء إهناسيا
في الشمال و زعماء طيبة في الجنوب و كيف كان هو يسعى لإخضاع زعماء طيبة لصالح ملك
إهناسيا في الشمال فيقول : 
" لقد سرت نازلا مع فرقتي العسكرية
الشابة ، فرقة الثقة الجبارة و نزلت في الغرب من طيبة و كانت فرقة الثقة تريد
الحرب في جميع أنحاء طيبة و سرت نازلا و رسيت في الشرق في طيبة و كانت فرقتي تتجول
في شرق و غرب طيبة تبحث عن الحرب و لم يستطع أحد الوقوف أمامها بسبب الخوف منها و
أنا البطل دون مثيل " 
و هنا نجد صاحب النص و هو يزعم لنفسه السيطرة
العسكرية الكاملة على طيبة بعد أن تمكن زعمائها من السيطرة على قلاع أرمنت
العسكرية خلال الحرب الأهلية الدائرة في البلاد ، و هو الأمر الذي يتناقض تماما مع
ما نعرفه من خلال الشواهد الأثرية بل و من خلال النتائج التي ظهرت فيما بعد و التي
كانت من أهمها : إنتصار زعماء طيبة عسكريا على مملكة إهناسيا و تأسيس عصر الدولة
الوسطى و إعادة السلطة الملكية المركزية تحت قبضة مملكة طيبة . إن فقرة عنخ تيفي
الأخيرة و من خلال هذا السياق لا تخلو من الأيدولوجيا الغير بريئة و لا تخضع لإطار
التاريخ .
ثم ينتقل عنخ تيفي لفقرة أخرى هامة تتناول
مفهوم المقبرة و حمايتها من الأخطار حيث يقول : 
" إن من يقوم بعمل أي شيء قبيح و خبيث ضد
هذا القبر ينبغي أن تقطع ذراعه لأجل ( حمن ) و المرجو من ( حمن ) أن لا يقبل
قربانه و المرجو من ( حمن ) أن لا يقبل شيئا من ممتلكاته و ليس له الحق في أن يقوم
بتوريث ميراثه لمن سيأتي بعده " 
إن هذا المقطع الأخير يكشف عن أمورا بارزة
الأهمية تتمثل فيما يلي : 
1 – تنتمي هذه الفقرة الأخيرة لنصوص لعنات
القبور و قد كانت موجودة خلال عصر الدولة القديمة إلا أنها كانت تلعب دورا هامشيا
و زادت جدا خلال عصر الإنتقال الأول و بداية عصر الدولة الوسطى حيث كانت لها أهمية
كبيرة جدا . 
2 – تقع المقبرة في حماية الإله المحلي
لمنطقة حاكم الإقليم و هو في هذه الحالة يرد ذكره بأنه الإله ( محن ) و الذي كان
على هيئة الصقر فهو الذي يتولى عقاب من تسول له نفسه إقتحام المقبرة لأجل تدنيسها
أو سرقة شيئا منها . 
3 – تكشف هذه الفقرة عن وجود حالات سرقات
مقابر بشكل ضمني غير مباشر خلال عصر الإنتقال الأول و عن وجود فريق لا يؤمن بقدسية
المقابر أو قدسية أصحابها كما تكشف عن تضائل الثقة في وجود دولة أو سلطة ملكية
قوية تتولى حماية القبور و لذلك يصبح الحل المثالي هو : 
أن تصبح هذه الحماية في رعاية الإله المحلي و
هنا يمتد دور الآلهة في مصر إلى إمتلاك البلاد و حماية القبور و تنفيذ القانون و
عقاب المجرم كبديل للسلطة الملكية الغائبة تماما . 
و يؤكد عنخ تيفي على قضية إحترام القبر و عدم
المساس به قائلا : 
" لقد بنيت هذا القبر و كل ما فيه من
نصب ( بضم النون و الصاد ) بذراعي فليس هناك باب غريبة و لا عمود غريب في هذا
القبر لأني علمت مصر العليا الكفاح و أمرت بتمجيدي بسبب أبوابي الجبارة و أنا
البطل دون مثيل "
و هنا يظهر بوضوح حرمة المساس بالمقابر
كنموذج ديني مقدس له صفة قانونية مقدسة ، فلا يجوز إستعمال أجزاء القبور القديمة و
ذات القيمة مرة أخرى و هذا يعني أن القبور الجديدة لا يجوز إنشائها علىحساب القبور
القديمة . 
ثم ننتقل هنا إلى واحدة من أهم فقرات نص
السيرة الذاتية لعنخ تيفي و التي يتناول فيها مفاهيم البر و الإحسان تجاه مصر
بأكملها حيث يقول : 
" لقد أبقيت منطقة المعلا على قيد
الحياة عندما كانت السماء غائمة و البلاد تحت العاصفة و لقد مات الجميع من الجوع
على كومة رمال الثعبان عبب ( أبوفيس ) و لقد وصل الجنوب بأكمله و بكل سكانه عندي و
لقد جاء الشمال بكل أطفاله عندي و لقد منحت الشعير لمصر العليا حتى وصل إلى واوات
( النوبة السفلى ) و أعطيت الشعير لمصر السفلى و لم يقم أي أحد بهذا العمل مثلما
قمت أنا به و لم يكن هذا العمل موجودا عند آبائي و أسلافي و أنا البطل دون مثيل
يمكن لنا و من خلال هذه الفقرة الأخيرة أن
نستشف و نستنبط حقائق هامة تمثلت فيما يلي : 
1 – يشير النص إلى مجاعة حدثت خلال عصر
الإنتقال الأول و هو ما إتفق عليه جميع حكام الأقاليم في نصوص سيرهم الذاتية و هو
ما يجعلنا نرجح وجود هذه المجاعة تاريخيا فضلا عن أن النتائج الجيولوجية أثبتت
إنخفاض مستوى النيل في تلك الفترة و هنا تكون فكرة المجاعة صائبة تاريخيا 
2 – لم يكن الهدف من إظهار المجاعة في النص
هو إخبار الخلف بحقيقة تاريخية بل كان الهدف هو المبالغة في تبعياتها و نتائجها و
ذلك لإستخدامها و توظيفها كخلفية أيدولوجية و لهدف أسمى و هو : كلما زاد التصوير
الأدبي لكوارث المجاعة ( حيث يقول لقد مات الجميع من الجوع على كومة رمال عبب )
كلما ظهرت أهمية المنقذ ( عنخ تيفي ) الذي قام بإنقاذ و تموين البلد كلها بعد أن
أنهكها الجوع . 
3 – يستمد حاكم الإقليم شرعيته من خلال وجود
( مجاعة ) و ( تموين ) فالسند القانوني الأول لكل حاكم في مصر هو تموين الإقليم
التابع له و تزويده بالطعام و الشراب في زمن المجاعة و أيام الضنك فلا شرعية
للحاكم في مصر إلا من خلال إمداد الرعية بما تحتاجه في زمن الكوارث و الأزمات . 
4 – إن تعبير ( لقد مات الجميع من الجوع على
كومة رمال الثعبان عبب ( أبو فيس ) يظهر لأول مرة خلال عصر الإنتقال الأول و هو
يهدف لإبراز مفهوم ديني مجازي يتعلق بوجود ثعبان فوضوي يسبب الأزمات و الكوارث و
هو يعيش في عالم السماء و يسعى لعرقلة مسيرة الشمس حيث يقوم بإبتلاع المياه
السماوية التي تبحر عليها مركب الشمس و هنا لا تجد المركب الشمسية سوى كومة الرمال
التي أخرجها ( عبب ) مما يتسبب في توقفها فيتوقف الزمن و يحدث ( الكشوف الشمسي ) و
يحل الظلام و تنهار مصر و لا شك أن هذه الصورة تنطبق على نهر النيل فما يحدث في
عالم السماء يحدث كذلك في عالم الأرض ، فيظهر ( عبب ) في النيل الذي يبتلع المياه
مما يعكس إنخفاض مستوى الفيضان فتحل المجاعة على البلاد . 
5 – نلاحظ هنا أن الوباء الذي تسبب فيه عبب (
ثعبان الفوضى ) لا يقتصر على نيل مصر بل يمتد لعالم السماء و هنا و من خلال هذه
الصورة الأدبية المجازية يتصاعد الوباء في مصر و يتحول إلى كارثة كونية . 
 يتبين لنا مما تقدم أن البلاغة الأدبية لنص عنخ
تيفي و جميع نصوص السير الذاتية خلال عصر الإنتقال الأول التي سارت على نفس
المنوال هي بلاغة مغرضة ، فكلما تفاقمت الأزمة و إزدادت حالة الضنك ، كلما كبرت
أهمية البطل المنقذ ( و هي ذات الفكرة التي سار عليها الملوك في المراحل التاريخية
اللاحقة ) فالرواية هنا لا تستهدف المعنى المباشر و المطروح أمام الأجيال اللاحقة
في عالم مصر و إنما تستهدف المغزى الذي يبرز حسنات و فضائل صاحب المقبرة في عالمه
الآخر و لكي تكون مادة للرواية أمام الخلف فنحن هنا لا نسأل عن ومدى واقعية هذه
النصوص و لا عن نسبة الواقع التاريخي الفعلي فيها و إنما نطرح أولا هذه التساؤلات
ما هو سبب الحديث عن هذه المواضيع في المقابر
؟ و ما هو الغرض من هذه السير الذاتية ؟ و ما هو هدف أصحابها ؟ و ماذا أرادوا أن
يقولوا ؟ 
و من ناحية أخرى لا يمكن إعتبار هذا التصوير
الأدبي مناهضا تماما و بشكل كلي للواقع التاريخي الفعلي ، إلا أننا لا نقبل النص
هنا إلا من خلال الشواهد الأثرية المادية البارزة ، فعلى سبيل المثال لا يمكن
إنكار مفهوم في غاية الأهمية و هو ( أن الإقتصاد المصري القديم ) كان يرتكز على
فكرة ( الرجل القوي ) الذي يأخذ جميع الأمور على عاتقه و يسعى لحل جميع الأزمات و
كان هذا الرجل هو الملك خلال عصر الدولة القديمة فلما إنحلت السلطة الملكية خلال
عصر الإنتقال الأول إستغل حكام اٌلأقاليم ذلك الفراغ الناتج عن إنهيار السلطة
الملكية و التي كانت تقوم بتموين و إمداد كل الأقاليم بما تحتاجه من طعام و شراب و
أصبح حاكم الإقليم هو من يتولى دور الرجل القوي داخل إقليمه الذي يسعى لإستقطاب من
حوله حتى ينقذهم من حالة الضنك و المجاعة ، فالإنسان في مصر يعيش حالة من الرفاهية
و الخلاص في عالمه الدنيوي و الأخروي إذا خضع بقراره لسلطة حاكم الإقليم فهو
المسئول الأول عن حالته المستقبلية فإما أن يعيش في سعادة مستديمة و إما أن يشقى
للأبد و في هذا التحليل الأخير و الهام يبرز لنا تساؤل مضمر و هام : ألم يكن
الإنسان في مصر هو سبب جلب الشقاء لنفسه إذا أعلن التمرد على سلطة حاكمه ؟ ألم يكن
الإنسان في مصر هو المسئول الأول عن سعادته إذا خضع لسلطة حاكمه ؟ ألم يعتمد ملوك
الدولة الوسطى فيما بعد على ذات المفاهيم التي إرتكز عليها حكام عصر الإنتقال
الأول ؟ ألم يكن مفهوم الشقاء الإنساني و التمرد البشري على الحاكم هو الإرهاصات
الأولى لأسطورة تمرد البشرية على الإله الخالق و التي ظهرت بواكيرها الأولى في
متون التوابيت ؟ 
و أخيرا يكون سبب شقاء الإنسان هو نفسه ، أما
السعادة هي النتيجة المؤكدة لمن يتخذ لنفسه حاكما يخضع لسلطته و يعمل على خدمته
بكل إخلاص 

الاثنين، 8 أبريل 2013

لماذا إهتم المصري القديم بالماضي ؟


بسم الله الرحمن الرحيم

لماذا إهتم المصري القديم بالماضي ؟

لم تكن العلاقة مع الماضي في الحضارة المصرية
القديمة تقتصر على مجرد أحداث عظيمة وقعت في زمان عتيق ، بل هي تختص بفكرة التذكر
المستديم لما قام به الأسلاف بهدف تأطيرها في ( نموذج مستقبلي ) يتعلق بالتخطيط و
بعث الأمل ، بمعنى أن تذكر الماضي المجيد يؤدي التخطيط الجيد في المستقبل و لعل
التساؤل الذي يفرض نفسه في هذا المضمار : هل الماضي كماضي موجود بذاته ؟ و ما هو
مفهوم الماضي ؟ 
إن الماضي في أي حضارة قديمة ( و ليس فقط
الحضارة المصرية القديمة ) ليس موجودا بذاته ! و إنما ينشأ في المقام الأول في
اللحظة التي يبدأ فيها الإنسان بربط نفسه و مصيره بما وقع أو حدث . و مثل ذلك
الأمر قد يثير الدهشة لدى القاريء ، فما من شيء في الوجود أكثر طبيعية مثل نشأة
الماضي : فالماضي ينشأ ببساطة عن طريق أن الوقت يمضي ، و لهذا يحدث مثلا أن اليوم
يصير في الغد ماضيا و يصبح جزءا من الماضي ، فاليوم يصبح عندئذ أمس و هكذا ينشأ
الماضي على نحو واضح . 
و هنا ينبغي لنا أن نشير لأمر هام : أن
المجتمع المصري القديم بذل كل ما في وسعه و قام بتسخير كل ما لديه من طاقات و
قدرات لكي يجعل الماضي في معظم الأحيان في حالة دوام مستمر و هكذا بدت جميع خطط
هذا المجتمع المستقبلية متسقة مع مبدأ الخلود و لذلك السبب وضع الملوك في مصر
القديمة ( الغد نصب عينيهم ) كما كانوا يروون بأنفسهم . إن من ينظر بهذه الطريقة
إلى ( الغد ) و هو لا يزال يعيش في ( يومه ) لابد أنه سيسعى للحفاظ على ( الأمس )
من النسيان و الضياع و لابد أنه سيحاول تخليده عبر الذكرى التي ستنشأ مع الأجيال
اللاحقة في المستقبل .
و لكن هل يصل لنا الماضي بنفس صورته التي
حدثت في أول مرة ؟ 
إن الماضي في أي حضارة بشرية قديمة ( و لا
نستثني الحضارة المصرية القديمة من ذلك الأمر ) أثناء تذكره تتم إعادة تركيبه و
إعادة صياغته من جديد و يظل هذا ( الماضي المركب ) في ذكرى الأجيال اللاحقة و بهذا
المعنى قصدنا ما كنا نتحدث عنه في البداية بأن الماضي ليس موجودا بذاته و إنما
ينشأ بالقدر نفسه الذي ينسب الإنسان نفسه إليه و يتصل به . 
و لكن كيف يتصل الإنسان في الحضارة المصرية
القديمة ( و في أي حضارة بشرية قديمة ) بهذا الماضي ؟ 
ينبغي قبل أي شيء أن يكون هذا الماضي باقيا
في الأذهان و حيا في الشعور و لكي يتحقق ذلك لابد من وجود شرطين هامين هما : 
1 – ينبغي أن لا يكون الماضي الذي نتناوله قد
إنمحى تماما أو بمعنى أدق لابد من وجود شواهد معنوية و دلائل مادية من هذا الماضي 
2 – أن تكون هذه الشواهد و الدلائل في حالة
إختلاف ظاهر و مميز مع كل ما يقع في الحاضر ( اليوم ) 
و لكي نفهم النقطة الثانية جيدا نقول أن
الماضي المجيد لن يظهر لنا كنموذج طيب و يحتذى به إلا بعد ( حدوث قطيعة غائرة )
تعيق عملية ( التواصل ) داخل المجتمع نفسه بين ( ما كان ماضيا ) و ما هو ( كائن
اليوم ) و هذكا ينشأ الماضي . و لذلك فقد كانت البدايات الجديدة لبعض فترات
التاريخ المصري القديم تأخذ دائما شكل العودة و الرجوع إلى الماضي و بقدر ما كانت
هذه البدايات المصرية متجهة نحو المستقبل و تسعى لكي تفتح آفاقه بقدر ما تنتج
الماضي في الوقت نفسه و تعيد تركيبه و مونتاجه لأجل إكتشافه من جديد . ألم ينظر
ملوك الدولة الوسطى لأنفسهم بوصفهم من أعادوا إحياء ماضي الملوك القدماء ؟ ألم
ينظر ملوك الدولة الوسطى لعصرهم بأنه عصر النهضة ؟ فالإسم البراجماتي ( النفعي ) الذي
أطلقه مؤسس الأسرة الثانية عشرة على نفسه هو ( آمون إم حات ) و يعني وفقا للترجمة
الأدق علميا و منهجيا ( آمون في العهد الأول ) و المقصود بآمون في هذا السياق هو
الملك نفسه ، الأمر الذي يؤكد إنتهاج سياسة العودة إلى الماضي و لعل أهم الأمثلة
العملية التي تعكس عودة هؤلاء الملوك لماضي مصر القديمة هي : 
1 – قام ملوك الأسرة الثانية عشرة بإستعارة
صورا فنية و أشكالا معمارية و مناظر طقسية من ملوك الأسرتين الخامسة و السادسة . 
2 – أقام هؤلاء الملوك شعائر تخليد الذكرى و
عبادة أسلافهم من ملوك العصور السابقة . 
3 – إهتم هؤلاء الملوك بتدوين مجموعة من
الموروثات و الحكم الأدبية و زعموا أنها ترجع لأسلافهم الذين عاشوا في عصر الدولة
القديمة و عصر الإنتقال الأول 
4 – إتخذوا من شخص الملك سنفرو مثالا لأنفسهم
يحتذى به و هو ملك عاش في بدايات الأسرة الرابعة و أطلقوا عليه ألقاب ( الملك
الفاضل ) و ( الملك العادل ) و ( الملك الطيب ) .
و بكل هذه الأنماط و السياسات المختلفة
إستطاعوا أن يقيموا الملكية المصرية بمفهوم الماضي الذي لا يزال حيا في أذهان
الناس و هو ماضي طيب و يحمل ذكرى عطرة لدى القوم و من هنا تتأسس الثقة بين الملكية
و الرعية و يتم إضفاء الشرعية على سياستهم المستقبلية . 
و لكن ما الذي جعل المصري القديم يهتم بمفهوم
الإهتمام بالماضي و عدم نسيانه أبدا ؟ 
مما لاشك فيه أن ذلك الإهتمام إرتبط بفكرة
الموت ، فهي التجربة العملية التي تفصل بين التذكر و النسيان و بين الإحتفاظ و
الزوال ، فالموت هنا بمثابة المشهد الأول لتجربة الإنفصال و القطيعة بين ( ما كان
أمسا ) و ( ما هو كائن اليوم ) و لهذا السبب إهتم الإنسان في مصر القديمة بإستدامة
ذكراه بعد موته لدى ذويه و الآخرين و كانت القاعدة المتبعة هي : 
أن الميت يعيش في ذكرى الأجيال اللاحقة كما
لو كان لا يزال يعيش فعليا بين الناس و على الأرض . 
فلا ينبغي أن يتم نسيانه أبدا و يجب أن يظل
إسمه يتردد في الأفواه و عالقا في الأذهان . و لكن من جانب آخر نجد أن عملية إحياء
و إنعاش حياة هذا الميت تتم من خلال الأجيال اللاحقة ، فالميت هنا يدين بالفضل
لعزيمة الخلف الذين لم يتركوه يقع في أغوار النسيان و الضياع . فالخلف هنا يسعى
لكي يحافظ على إنتماء ذلك السلف إليهم كعضو في جماعتهم عن طريق تذكره و إقامة طقوس
عبادته و هكذا ينتقل السلف دائما إلى حاضر الخلف و بشكل مستمر و لا إنقطاع فيه . 
و يجدر بنا هنا أن نشير أن أهم ما تميزت به
الحضارة المصرية القديمة عند إستحضار ماضي السلف هو عدم الإكتفاء بذكرى الميت و
تبجيله بعد موته بل السعي لتأسيس هذه الذكرى بينما لا يزال الإنسان على قيد الحياة
فقد كان الموظف في الدولة المصرية القديمة يبني مقبرته بنفسه و يأمر بنقش سيرة
حياته فيها ، و لكن ليس بغرض كتابة مذكرات أو بهدف كتابة تاريخ و إنما بمغزى تأبين
و إستحضار سابق لذكرى ميت قبل أن يموت .   

السبت، 6 أبريل 2013

رسالة منشآت القبور في مصر القديمة


بسم الله الرحمن الرحيم

رسالة منشآت القبور في مصر القديمة

تميزت الحضارة المصرية القديمة و منذ بداياتها الأولى بوجود مؤسسة دينية خاضعة للدولة تهتم بإنشاء القبور و تحافظ على إقامة ممارسات شعائرية في تلك المنشآت الجنزية لأجل إستدامة ذكرى الموتى أمام الأحياء داخل قبورهم إلى الأبد و إعادة إحيائهم في عالمهم الماورائي . و لعل الصورة التي وردت إلينا في العصور المتأخرة للحضارة المصرية القديمة من الرحالة و المسكتشفين الأجانب كانت في غاية الأهمية حيث لفتت إنتباههم فها هو ( هياكاتيوس ) الذي جاء إلى الأسكندرية عام 320 قبل الميلاد و عاش فيها حتى عام 305 قبل الميلاد و زار جميع أنحاء مصر تحدث عن المصريين و مدى إهتمامهم بإقامة قبورهم قائلا :
" لا يهتم السكان بالوقت الذي يعيشون فيه ، لأنهم يضعون أكبر إهتمامهم على الوقت الذي سيأتي بعد موتهم فهم يسعون دائما لكي يحتفظوا بذكريات عن فضائلهم و أعمالهم الطيبة في أذهانهم كما أنهم يدركون أن منازلهم هي مقرات مؤقتة لأنهم يعيشون فيها وقتا قصيرا . أما قبور الأموات فيسمونها ( البيوت الأبدية ) و التي يقضون فيها وقتهم لزمن أبدي . و لذلك فهم لا يهتمون كثيرا بتأثيث بيوتهم الدنيوية ، بينما لا يضعون أي حدود على مصاريف قبورهم و ينفقون عليها الكثير "
يلاحظ من هذا النص مدى التباين و الإختلاف الثقافي بين حضارة مصر و الحضارات الأخرى ، فهيكاتيوس هنا مدرك لطبيعة هذا التباين من خلال إشارته لفهم المصريين لقبورهم بأنها البيوت الأبدية بينما كان ذلك المصطلح غائب تماما في جميع الحضارات التي عاصرت مصر أو ظهرت في فترة زمنية لاحقة .
و في هذا الصدد توجد لدينا شهادة مصرية أخرى ترجع لعصر الدولة الحديثة ( و هي المقبرة رقم 131 في طيبة ) حيث تحدث صاحب المقبرة عن مقر دفنه قائلا :
" لقد بنيت لي قبرا في مدينتي الأبدية و قمت بالبحث بعناية عن مكان لقبري الصخري في صحراء الأبدية . و ليدوم إسمي به و في أفواه الأحياء لكي تبقى ذكراي عند الناس جيدة بعد السنين التي سوف تأتي . فالحياة الدنيا هي ليست سوى الوقت القليل أما الأبدية فهي هناك . إنه إله مبجل و أصيل هو ذلك الذي يعمل من أجل المستقبل و الذي يفتش بقلبه ليجد السلام فيدفن جسده و يحيا إسمه و هو الذي يفكر في الأبدية "
يلاحظ من هذا النص عدد من الأمور الهامة و هي :
1 – يعود سبب الإنفاق الهائل على منشآت القبور إلى الفكرة التي آمن بها المصري القديم و هي أن الحياة الدنيا هي قصيرة للغاية إذا ما قورنت مع الحياة الأبدية التي يقضيها الناس في المملكة الأخروية
2 – آمن المصري القديم بأن الوسيلة الناجحة لإستدامة ذكراه الخالدة لدى الأحياء و عبر الأجيال المختلفة هو إقامة قبر له ، فالقبر في عالم مصر هو مقر للذكرى الحضارية .
3 – يهتم صاحب المقبرة بنفسه بالبحث و بكل عناية عن مقر إقامته الأبدية بل و يصف أن من يسعى لعمل ذلك هو إله مجيد أو مبجل ، لأن شغله الشاغل هو التفكير في عالم الأبدية و دفن جسده حتى يجد السلام فيحيا إسمه لأنه سعى للنظر ناحية المستقبل .
4 – لا يدخل الإنسان في مصر للعالم الآخر إلا بعد أن يتحول إلى ( نتر ) و هي كلمة إختلف الدارسون في تحديد معناها فمنهم من يرى أنها تعني ( إله ) و منهم من رأى أنها تعني ( كائن طاهر ) و هناك من الباحثين من ربط بين المعنيين و إستنتج بأن المقصود أن من يقتحم العالم الآخر لابد و أن يتسم بالطهارة كشرط للدخول و هي أيضا سمة الآلهة في عالمهم الماورائي .
5 – لا يخشى الإنسان في مصر من يوم موته و من لحظة دفنه في مثواه الأخير الأمر الذي يعكس وجود محاولة نفسية جريئة من جانب المصري القديم للتغلب على مفهوم الموت الذي لا يسعى أبدا لذكره أو كتابته كمصطلح على جدران مقبرته .
6 – لا نجد في هذا النص بالتحديد أي إشارة تتناول أعمال المتوفى الطيبة التي أداها تجاه الآخرين فهو لا يتحدث هنا عن إطعامه للجائع و لا عن إحسانه تجاه الفقير و هي صيغة كنا قد إعتدنا على قرائتها أحيانا في قبور كبار رجال الدولة منذ نهاية عصر الدولة القديمة . فصاحب المقبرة لا يشير لهذه الأعمال بل يتناول مفهوم دخوله للعالم الآخر كإله مبجل لأنه سعى من أجل ذلك عندما كان حيا على الأرض
و لاشك أن مفهوم إبتكار بناء المقبرة بمادة الحجر كان ذو قيمة و أثر فعال في وجدان و فكر المصري القديم . فذلك الإبتكار هيأ له إمكانية ( تخليد الشعائر و المناظر ) التي تهدف لإقامة ذكرى مستديمة له عبر الأجيال و من هنا يقتنع الإنسان في مصر بأن عالم الدنيا هو ذو قيمة ضئيلة جدا إذا ما قورن بأبدية العالم الماورائي و بذلك الشكل تظهر له الحياة الدنيوية و كأنها حلما خاطفا و سريعا
و هناك نص آخر يعرف بنص العازف على القيثار و الذي ورد ذكره على جدران قبر طيبة رقم 50 و يرجع لنهاية عصر الإنتقال الأول أو بدايات لدولة الوسطى حيث يذكر صاحبه ما يلي :
" لقد سمعت هذه الأغاني التي وجدت في قبور السلف و من يتحدثون لرفع قيمة الحياة الدنيا و التقليل من قيمة العالم الآخر . لماذا يساء إلى هذا البلد الخالد ؟ فالناس يرقدون في مصر منذ أوائل الزمن القديم و اللذين سيكونون هنا حتى نهاية السنين . فكلهم يصلون هناك و ليس هناك من يبقى في مصر ( أي في عالم الدنيا ) فالوقت الذي ينقضي في الأرض هو ليس إلا حلما فقط و لكن مرحبا ، فالراحة و البركة لمن يصل الغرب " .
يتضح لنا من ذلك النص الهام الحقائق التالية و هي :
1 – ظهر ذلك النص كرد فعل على التيار الفكري الذي قام بالتشكيك في وجود العالم الآخر و إحياء الموتى في نهاية عصر الإنتقال الأول و هو تيار سعى للتقليل بمعتقدات المصريين الأخروية و الرفع من قيمة الحياة الدنيا و أهمية الإستمتاع بها و بمباهجها
2 – ينتمي صاحب النص للتيار الكلاسيكي المحافظ الذي يؤمن بموروثات الأسلاف و التي نظرت إلى مصر بوصفه البلد الخالد حيث تحتوي أرضه على أجساد الموتى منذ الزمن القديم و إلى منتهى السنين
3 – يؤكد صاحب النص بأن الجميع في مصر يتجه لذلك العالم الماورائي حيث يشير أنه لا أحد يسبقى في عالم الدنيا
4 – إن حياة الإنسان الدنيوية في مصر لم تكن سوى حلما و أن المرء يستيقظ من ذلك الحلم عند وجوده في العالم الآخر فالواقع الفعلي هناك
5 – إن هذا النص ينتمي لمجموعة النصوص التي ألقت بمفهوم جديد خلال عصر الإنتقال الأول و الدولة الوسطى يتمثل في ظهور تيار فكري سعى نحو إبراز فكرة التدين و الورع الشخصي الذي لم يربط بالضرورة بين إقامة القبر من مادة الحجر و الدخول للعالم الآخر بل يهدف للترويج لمفهوم إقتراب الإنسان و إندماجه بالإله و لقائه به الذي لن يتحقق إلا في العالم الآخر و لهذا خاطب صاحب النص ربه في الفقرات الأخيرة قائلا له : " لا تسمح لنا بأن نبتعد عنك ، فأنت الذي يبقى هناك "
يتبين لنا مما تقدم أن القبر المصري هو المكان الملائم لخلق مكان لذكرى المتوفى الحضارية في ذهن الأجيال القادمة فهو رسالة تخاطب القراء من خلال الصيغة الشهيرة ( نداء إلى زائري القبور ) التي كتبت في معظم الأحوال على جدران المقابر المصرية و عبر العصور المختلفة . فهو المقر الذي يظهر فيه صاحبه كمؤلف لسيرته الذاتية و هو أهم ما لديه في هذا العالم و هو العمل الذي يعيش من أجله و ينفق على إكماله كل ما لديه من مال و فكر و جهد و إعتقاد و هو مكان معنويته و فضيلته الأخلاقية بل و قد يظهر أحيانا مدى لهفة الإنسان في مصر إلى تنظيم و بناء منشأته القبرية عندما يرى في منامه أن المعبود قد تجلى له في حلمه لكي يرشده عن المقر المناسب لإقامة قبره فيصبح موقع مثواه الأخير وحيا إلهيا .
و نجد في نص آخر لواحد من كبار رجال الدولة في طيبة في عصر الدولة الوسطى أن كبار القوم كانوا يشيدون قبورهم خلال حياتهم حيث يقول لنا :
" أنا الذي عمر هذه الأرض لكي تكون مدينة الأبدية لي ، فأنفذ فيها أمنيتي و قد إستنفذت إهتمامي عندما كنت حيا لأصل إلى ذلك بعدما وصلت إلى عمر متميز و بعدما قضيت وقتي بين الأحياء "
و لذا يقوم الإنسان في مصر بتعيين و إختيار المكان الملائم لقبره و ينطلق من هذا المكان نحو عالمه الماورائي خلال حياته لكي يبتهج و يسعد بإكتماله فهو المقر و النتيجة الذاتية لتحرياته و هو ينظر لقبره مثلما ينظر في المرآة التي تعكس الشكل المثالي الذي يسعى إليه كما أنه مكان إعلاء القيمة الفردية للإنسان فلا وجود للأخطاء و لا إعتراف بإقتراف الآثام في تلك المنشأة الحضارية ، فالقبر هنا عالم مثالي تهيمن فيه الماعت ( النظام و الحق و الخير و المثالية ) و لا مكان فيه للإسفت ( الفوضى و الباطل و الفساد و كل ما هو شر ) . كما نلاحظ من جانب آخر أن القبر في مصر يشترك في نفس  الهدف مع منشآت الآهرام الملكية و المعابد و المسلات و التماثيل و ما شابه ذلك في خلق مقر مقدس للإستمرارية الأبدية لمن يوجد فيها حيث يضع المصريون أنفسهم في تلك المقرات المقدسة لكي يتحدثوا مع قراء الأجيال القادمة من خلال مادة الكتابة . و هذه الكتابة تعطي صوتا لكل منشأة تجعل صاحبها حاضرا بنفسه و أمام الآخرين فيتكلم معهم و يسمعون له فهو لم ينقطع عنهم بل هو مرتبط دائما بهم ، فالقبور و المعابد و التماثيل تربط الإنسان في مصر بشبكة من الذاكرة الإجتماعية لا تنمحي أبدا .a