الجمعة، 31 مايو 2013

منظر لدفنة مزدوجة لرجل و صبي في موقع جبل الصحابة في وادي حلفا


منظر لدفنة مزدوجة لرجل و صبي في موقع جبل الصحابة في وادي حلفا



 - إكتشف فريد ويندورف ذلك الموقع في ستينيات القرن الماضي و يرجع ذلك الموقع لنهايات العصر الحجري القديم الأعلى حيث تم تأريخ الدفنات من فترة تتراوح ما بين 12 ألف سنة و 10 آلاف سنة قبل الميلاد و قبل معرفة الإنسان المصري القديم للممارسة الزراعة و الإستقرار في العصر الحجري الحديث . كشفت هذه الدفنه عن أن سبب الوفاة نتج عن الإصابة بسهام حجرية قاتلة ( و كما يظهر في الصورة أقلام رصاص تشير لمواضع السهام التي كانت موجودة في قلب الهياكل العظمية ) ظهرت و شاعت في هذا العصر من نوعية عرفت بإسم ( المثاقب القزمية ) - ( micro burins ) حيث إستقرت هذه السهام في مواضع قاتلة من الجسم مثل تجويف الصدر و العمود الفقري . إن دفنات جبل الصحابة تشير للحقائق التالية : 
1 - هي أقدم دفنات في مصر ظهر فيها و لأول مرة وضع القرفصاء الجنيني ( و كما يظهر في الصورة ) منذ نهايات العصر الحجري القديم الأعلى في وادي النيل . 
2 - إن عدد القتلى في الجبانة و وجود أطفال بينهم يشير لتعرض هذه الجماعة لمعركة جماعية تعرض فيها هؤلاء القوم لهجوم كبير من جماعة أخرى . 
3 - أن القتلى في جبل الصحابة كانوا من بين أفراد الجماعة صاحبة المكان و الدليل أن ذويهم قاموا بدفنهم بعد المعركة في نفس الموقع أو بجواره . 
4 - لم يتمكن المهاجمون من إزاحة جماعة جبل الصحابة من نطاقها و مجال معاشها بالقرب من مجرى النيل عند وادي حلفا و الدليل هو تمكن من بقي على قيد الحياة هناك بعد المعركة من دفن القتلى من أتباعهم في نفس المكان . 
5 - بداية ظهور صراع في وادي النيل بين الجماعات البشرية المصرية في نهايات العصر الحجري القديم الأعلى نظرا لوجود تسابق بين تلك الجماعات للسكن في وادي النيل و تنافس على شغل مواقع الأرض و إنقلاب هذا التنافس إلى صراعات و تزامن ذلك مع وجود تحول في الظروف المناخية أدت إلى تنامي موجات الجفاف في الهضاب و الصحراء الشرقية و الغربية الأمر الذي شجع على هجرة جماعات الهضاب نحو وادي النيل للسكن بجوار مصدر مائي و هو ما أدى لقيام نزاعات بين هذه الجماعات في نهايات العصر الحجري القديم الأعلى . 
6 - أن وادي النيل و رغم ظهور الصراعات عليه إلا أنه أصبح في هذه الفترة من الهضاب الشرقية و الغربية للممارسة النشاط البشري من جانب الجماعات المصرية في نهايات العصر الحجري القديم الأعلى . 
7 - تشير دفنات جبل الصحابة لوجود وعي بضرورة حفظ و حماية الجثث التي قتلت فضلا عن أنها تعكس مظهر بشري عاطفي مبكر و راقي تجاه هؤلاء الموتى الذين ماتوا في سبيل الدفاع عن الأرض التي إستقروا عليها و ربما كانت رسالة من قاموا بدفنهم أن العنف له نتائجه ؟

الاثنين، 6 مايو 2013

كيف عادت مصر لأسطورتها الأثيرة في زمن الملك طهرقا ؟


بسم الله الرحمن الرحيم 

كيف عادت مصر لأسطورتها الأثيرة في زمن الملك طهرقا ؟
تعتبر لوحة الملك طهرقا المؤرخة بالعام
السادس من أكثر الكتابات الملكية المؤثرة في التراث المصري القديم و لاسيما في
بداية العصر المتأخر . و تتمثل أهمية النص المنقوش على هذه اللوحة في كونه نصا (
ذو طبيعة أسطورية ) ، فأحداث العام السادس من حكمه كانت بارزة الأهمية وفقا لما
ورد في نص اللوحة و تمثلت فيما يلي : 
1 – إرتفاع فيضان النيل في مصر بصورة غير
إعتيادية . 
2 – سقوط الأمطار الغزيرة في بلاد النوبة . 
3 – إعتلائه العرش بعد مرور ست سنوات من حكمه
الغير مباشر . 
4 – زيارة أمه الملكة لأرض مصر قادمة من
النوبة . 
إحتوى نص هذه اللوحة على وصف دقيق و مفصل
لهذه الأحداث بل و وضعت جميع هذه الوقائع في إطار تفسير ديني أسطوري يتم إدراكه
بكل سهولة من جانب الإنسان الذي عاش في عالم مصر في ذلك الزمن . 
و هنا يبدأ النص بوصف فضائل الملك طهرقا و
غزارة بركاته فنقرأ ما يلي :
" لقد كان جلالته من المحبين عند الإله
، فقد قضى الليل و النهار في البحث عن أعمال الخير للآلهة ، فأعاد بناء المعابد
التي كانت مهدمة و أعاد صورها مثلما كانت عليه أول مرة ، و أعاد موائد القرابين
لها ، و قد أصبح قلب جلالته الآن راضيا بإسداء أعمال الخير لهم في كل يوم فكان
البلد في ثراء في زمانه مثلما كانت أيام الإله الأول فقد نام كل شخص حتى شروق شمس
الصباح بعدما دخلت ماعت ( النظام و الحق ) إلى البلد و طردت إسفت ( الفوضى و
الباطل ) من الأرض " 
إن هذه الفقرة تكشف عن حقائق هامة تمثلت فيما
يلي : 
1 – إن النص هنا يكشف عن الوظيفة التقليدية
للملكية المصرية بكل وضوح و هي إعادة بناء المعابد القديمة التي تهدمت و إعادة نقش
المناظر المصورة على جدرانها و إستئناف إقامة الأعياد لآلهة مصر و إعادة تقديم
القرابين لها و في واقع الأمر إن النص هنا يربط دور الملك في إعادة التقاليد و
الأساطير الخاصة بالعصور الذهبية القديمة عندما كانت البلاد تحيا في سعادة مطلقة
بإقامة أعياد الأرباب و تشييد معابدها و تقديم القرابين لها و بشكل دائم . 
2 – يشير النص لعقلية المصري القديم في بداية
العصور المتأخرة و التي إهتمت كثيرا بإستعادة تقاليد العصر الذهبي الأول و عبادة
أعظم و أقدم ماضي مجيد شهدته البلاد بل و جعل هذا الماضي ماثلا في الزمن الحاضر و
لذا يقول النص : " لقد كان البلد في ثراء في زمانه مثلما كان في زمن الإله
الأول " فلا ثراء و لا سعادة إلا بتحقيق سياسة الإله الأول الذي عاش و حكم
بنفسه في الزمن الأول ( أقدم و أعظم ماضي ) . 
3 – حرص النص على إظهار الملك في صورة الملك
المتدين و الورع و التقي الذي يقضي ليله و نهاره للبحث عن أعمال الخير للآلهة ،
فهذا التدين الملكي مقصودا لذاته ، فهو يجلب الخير و البركة لمصر من ناحية ، و
تصبح هذه البركة هي إستعادة عملية أسطورية للماضي الأول العتيق عندما كان الخالق
يحكم مخلوقته بنفسه من ناحية أخرى . 
ماذا يمكن لنا أن نستنتج من ذلك ؟
.............. 
بما أن هذا التأويل الجديد لنص الملك طهرقا
ليس إعتياديا ، و بما أن إنتاج مثل هذا النص جاء بعد تأمل و تدبر طويل ، فالرسالة
كانت واضحة و هي : 
أن الإنسان في عالم مصر كان يرغب و عن وعي
تام في إستعادة الماضي الأول المجيد أو بمعنى أدق إستعادة تاريخ العصر الذهبي من
براثن الماضي 
و لذا يستكمل النص رسالته كاشفا في الفقرة
اللاحقة عن المحتوى التالي : 
" لقد حدثت معجزات في عهد جلالته في
العام السادس لإعتلائه العرش و هي معجزات لم يرى مثلها أحد في عهد أسلافه لأن أبوه
آمون رع كان يحبه جدا و قد رجا جلالته أن يحدث الفيضان من أبيه آمون رع سيد الكرنك
و ذلك لكي يمنع حدوث جدب في زمنه و قد تحققت له جميع هذه الأمنيات و جاء وقت
الأمطار و فاض النيل في كل مكان يوم بعد يوم ففاض النهر في جبال مصر العليا و غمر
تلال مصر السفلى و قد كان البلد خاملا و نائما في المياه الأولى و لم يعد بالإمكان
التمييز بين البر و النهر و قد إرتفع مستوى الماء 21 ذراعا و هكذا كشف جلالته عن
الحوادث التي وقعت في زمن أسلافه للإطلاع على فيضانات العهود الماضية و لم يجد أحد
فيها مثل ما حدث في زمنه " 
ينبغي لنا هنا أن نشير لنتائج بالغة الأهمية
في تلك الفقرة الأخيرة و هي : 
1 – إرتبط مفهوم إضفاء الشرعية على حكم الملك
الحاكم بحدوث معجزات إلهية كبشارة طيبة تكشف عن رضاء المعبود على شخص الملك الورع
و التقي و المتدين . كما تتميز هذه المعجزات بوصف أدبي أسطوري و لاسيما و أنها
معجزات لم تحدث من قبل في زمن الأسلاف من الملوك القدامى . 
2 – إدراك المصري القديم لظاهرة هطول الأمطار
في النوبة و إرتباط ذلك بمفهوم قدوم الفيضان لأرض مصر فالنص يقول : " و جاء
وقت الأمطار وفاض النيل " 
3 – تشير تلك الفقرة إلى إرتفاع مياه فيضان
النيل لدرجة أنه قام بغمر كل شيء في مصر ، الأمر الذي يعني أن البلاد قد عادت
أسطوريا لزمن ما قبل الخلق الأول ، و هو الزمن الذي كان في العالم مغمورا بمياه
الخليقة الأولى التي أطلق عليها المصري القديم مياه نون ، و لاريب أن مياه الخليقة
الأولى ( نون ) تهدف من خلال هذا السياق لنشأة جديدة و بداية جديدة لخلق الأرض و
العالم و الكون .  
4 – كشف إرتفاع مستوى الفيضان عند مرسى معبد
الكرنك في عصر طهارقا عن صحة ما ورد في نص لوحته ، حيث وصل الماء إلى أعلى مستوى
له مقارنة بالعصور التي سبقت عهده . و بالرغم من صحة الواقعة المذكورة من الناحية
التاريخية ، إلا أن الحدث هنا تم تأطيره في ( مشهد أسطوري ) ، فلم يكن هدف الإنسان
في عالم مصر أن يحكي عن التاريخ الموضوعي المتجرد بل كان الهدف هو مطابقة جميع
الوقائع بالنموذج الأسطوري الأول الذي وقع في الزمان الأول البعيد و بعارة أدق كان
التاريخ في مصر هو ترجمة عملية لإحياء الأسطورة . 
و تحتوي الفقرة اللاحقة على وصف تقريري لما
حدث في عصر طهارقا : 
" هكذا قال جلالته : لقد عمل أبي آمون
رع من الكرنك على إنجاز أربعة معجزات جميلة في سنة واحدة فقط ، في السنة السادسة
لظهوري كملك و لم يحدث شيء مشابه لذلك في عهود أسلافنا . لقد أمطرت السماء في
النوبة فجاء الفيضان و غمر البلاد كلها و لم يجد أحد شيئا مشابها له في الكتابات
منذ أن وجدت البشرية و لم يقل أحد : لقد سمعت مثل ذلك من أبي . و قد كان له (
الفيضان ) تأثير طيب لأنه أفنى الجرذان و الثعابين من الأرض و منع الجراد من إتلاف
الزرع و منع ريح الجنوب من حصاده و قمت بنقل الحصاد إلى المخازن ، فهي حبوب مصر
العليا و السفلى " 
يرتكز النص من خلال السياق الأخير على عرض
حقيقتين فكريتين و هما : 
1 – إنفراد الحدث و تميزه بشيء لم يحدث على
الإطلاق في العهود السابقة و هي حدوث أربع معجزات في عصر طهرقا في سنة واحدة و أن
رب المعجزات المؤازر و المدعم للملكية المصرية هو آمون رع رب الكرنك الذي يسعى
لتدعيم الملكية التي تتسم بالصلاح و الورع و التقوى . 
2 – لا تصلح البلاد للحياة و لا يعم فيها
الخير و النعم و العطاء الإلهي إلا بصلاح حكم الملوك ، و هي النظرية التي إرتكزت
عليها ملكية العصر المتأخر في الحضارة المصرية القديمة . 
ثم تتجه الرواية لكي تقص علينا أحداث الملك
الأسطورية فتقول : 
" لقد إستلمت التاج في منف و قد أمرني
أبي آمون بأن يخضع لي كل الأراضي و كل البلاد الأجنبية و كانت أمي على قيد الحياة
في النوبة و لكني إبتعدت عنها عندما كنت صبيا في العشرين عندما ذهبت إلى مصر
السفلى فجاءت هي من هناك ( النوبة ) هابطة على النهر لكي تراني بعد سنين طويلة
فوجدتني معتليا عرش حورس ، بعدما كنت قد إستلمت تاج رع و إتحد ثعباني التاجين فوق
رأسي فقد صان كل الآلهة جسدي و إنطلقت أمي تهلل في الجماهير عندما رأت جمال جلالتي
، مثلما رأت إيزيس إبنها حورس عندما ظهر على عرش أبيه أوزير بعدما كان هو ( حورس )
صبيا في العش في ( خميس ) ، لقد إستقبلت إيزيس إبنها حورس و إتحدت الملكة الأم مع
إبنها ، فيا ملك مصر العليا و السفلى و يا طهرقا الذي يعيش دائما تحت الآلهة أنت
الباقي الذي يعيش دوما بواسطة ما أمرك به أبوك آمون " 
يتبين لنا مما تقدم من خلال الفقرة الأخيرة نتيجتين
هامتين و هما : 
1 – إن الغريب في هذا النص هو ظهور مفهوم
تخليد الأحداث التاريخية التي وقعت فعليا في عصر الملك طهرقا و هي سمة الكتابة في
العصور المتأخرة و التي كانت تهدف لتطوير مفهوم الكتابة التاريخية المرتبطة بوقائع
حقيقية فسفر الملكة الأم من النوبة العليا إلى مصر السفلى ثم لقائها مع إبنها
الملك بعد سنين طويلة من الغياب هو حدث بلاشك حقيقي و يكتسب صفة التاريخية
2 – إلا أن الأغرب من ذلك بكثير هو تأويل
كاتب النص لهذه الأحداث من خلال أسطورة الإلهة إيزيس و إبنها حورس ، فالتقرير
الوصفي للنص يحتفل بلقاء الملك مع أمه بوصفه لقاءا يجمع بين إيزيس و حورس في
تمثيلية أسطورية فائقة القوة ، فالملكة الأم هي إيزيس التي ترى إبنها حورس ( طهرقا
) في أحراش الدلتا في عش خميس وفقا لما ورد في الأسطورة ، فالملك طهرقا هنا ( يعيش
بوجدانه و فكره في الأسطورة ) و هكذا تعود مصر لكي تحيا في زمن الأسطورة من خلال
تطويع و موائمة الأحداث التاريخية لكي تبدو و كأنها مطابقة للنموذج الأسطوري
المقدس ، و من هنا تصبح الأسطورة في عالم مصر هي الحاكمة على التاريخ و ليس العكس
، فالملكة الأم تتجه فعليا إلى مصر السفلى لرؤية إبنها حورس ( طهرقا ) الملك في عش
( خميس ) معتليا عرشه لأن النموذج الأسطوري الأول كان فعليا قد سار على هذا النهج
، فالتاريخ هنا يخضع لمعطيات الأسطورة .. و هكذا لم تتخلى مصر عن أسطورتها الأثيرة
في زمن الملك طهرقا .

الرمزية الدينية للمناظر الحربية و مشاهد الصيد في الحضارة المصرية القديمة


بسم الله الرحمن الرحيم 

الرمزية الدينية للمناظر الحربية و مشاهد الصيد في الحضارة المصرية القديمة
............................................................
.................
إتجهت نزعة الفكر الديني المصري القديم نحو وضع الملكية الإلهية و الإنسان في مصر في بؤرة و مركز العالم بأكمله ، فالريادة و الهيمنة الملكية لم تقتصر على مصر وحدها ، بل إمتدت لتشمل العالم بأسره و هو المعنى الذي أشارت له النصوص الملكية تحديدا منذ بداية عصر الدولة الوسطى . و من جانب آخر سعت أساطير و مذاهب الخلق في مصر القديمة نحو تشكيل و تكوين صورة خاصة بعالم مصر بوصفه العالم الوحيد الذي قام إله الشمس بخلقه في بدء الزمان و ذلك في مقابل عالم آخر يتسم بالفوضى الشديدة و تسكنه قوى معادية و مدمرة و تسعى دوما للإقتراب من عالم النظام و الخير و الحق ( مصر ) . فلما إنفتحت مصر سياسيا على العالم الخارجي في عصر الدولة الحديثة و بدأت تظهر مفاهيم جديدة في السياسة الملكية المصرية تمثلت في عمل معاهدات سلام مع المناطق المجاورة ، بدأت النصوص الملكية تروج لفكرة أن العالم الذي خلقه رع في بدء الخليقة كان هو مصر و ما حولها من البلاد ، و لكن مع الوضع في الإعتبار حقيقة دينية و فكرية هامة و هو : أن ذلك العالم الخارجي و الذي تم الإعتراف به رسميا في النصوص الملكية هو عبارة عن مناطق قبلت نظام المعيشة و السلوك و الثقافة المصرية من وجهة نظر الأيدولوجية الملكية ، أما عن كل من لم يقبل ثقافة و حضارة مصر ظل ينتمي لعالم الفوضى و اللاخلق المهدد دائما لمصر
و كانت الفتوحات العسكرية و الغزوات الحربية التي قام بها ملوك النصف الأول من عصر الأسرة الثامنة عشرة ترمز صراحة لما يعرف دينيا بمد رقعة الخلق و إتساع الوجود الذي خلقه رع في بدء الزمان ، و بمعنى أدق كانت الحملات الملكية العسكرية تهدف رمزيا و أيدولوجيا لنشر ضياء الشمس في تلك المناطق لكي يحل محل الظلام و سيطرة النظام على الفوضى . و من هنا إتسمت المناظر الحربية بشكل عام و في عصر الدولة الحديثة بشكل خاص بمجموعة من السمات الفكرية و الحضارية التي كشفت عن وجود رمزية دينية مرافقة لها و معبرة عنها تمثلت فيما يلي :
1 – وصفت بعض النصوص المرافقة لمناظر المعارك الحربية على جدران المعابد المصرية أن هذه الحروب تعمل على إستمرارية ذكرى الأحداث الأولى ، أو بمعنى آخر حث و إستحضار فعالية اللحظة الأولى لخلق العالم ، فالملك عندما يظهر في مشهد المعركة فهو يعمل على متابعة و مواصلة معركة أزلية قديمة قامت للمرة الأولى في بداية الخليقة بين الإله الخالق و قوى معادية تمكن فيها المعبود الخالق من إحراز النصر على تلك القوى المدمرة مما أدى لخلق العالم ، و من هنا تصبح المعركة العسكرية المصورة على جدران المعبد بمثابة شعيرة دينية مقدسة تهدف لإعادة خلق الكون من جديد من جانب الملك المنتصر على الأعداء و الذي يجسد دور رع و من هنا فلا غرابة عندما نقرأ نصوص المعارك في عصر الدولة الحديثة و العصور المتأخرة التي وصفت جميع الحروب الملكية بكونها عمل ديني مقدس يهدف لحماية مصر من عالم الفوضى المحيطة بالبلاد .
2 – أكدت العديد من النصوص المرافقة لمعظم المناظر الخاصة بالمعارك العسكرية أن حروب الملك التي يشنها خارج أراضي مصر ترنو للسيطرة على تلك البلاد و تحويلها لما يشبه السد المنيع الحامي لمصر ، فهي حروب تتسم بالمشروعية لكونها تسعى لهزيمة القلاقل و الإضطرابات و دحر الظلام ، فهي مناطق لم تصل لها عملية الخلق في بدء الزمان و تقف عند أطراف العالم المعروف بإسم نون حيث العدمية و الخواء و الفوضى و الخطر الدفين و بعبارة أخرى كان عالم نون ( أطراف الكون ) مجسدا لكل ما لا يقع تحت سيطرة الخالق رع و لذلك لم تعتبر المشاهد العسكرية في المعابد المصرية مجرد أداة للتفاخر و الزهو الدعاية السياسية فقط ، بل هي مناظر تؤكد على إتمام عملية الخلق الذي باشره رع لأول مرة في زمن سحيق .
3 – إرتبطت مشاهد الصيد بمناظر الحرب في الرمزية الدينية الأيدولوجية الملكية القديمة ، فهناك علاقة وثيقة و قوية بين مفهومي الصيد و الحرب ، فالصيد الملكي لحيوانات صحراوية ضارية كان بمثابة شعيرة دينية تهدف لزيادة و دعم فاعلية الملك خلال المعركة الحربية و كانت هذه الشعيرة غالبا ما تسبق المعارك العسكرية و تمهد لها حتى يتمكن الملك من القضاء على الأعداء
4 – إعتبرت الحيوانات الصحراوية بمثابة كائنات و مخلوقات فوضوية تنتمي لعالم الجفاف و الخواء و اللاخلق و العدمية و لذا فقد كانت خير تمثيل رمزي لأعداء مصر الذين يعيشون عند حدود العالم الذي تقف عنده الفوضى ( نون ) و التي لم يخلقها إله الشمس رع و لذلك يظهر الملك مصورا عند أطراف المعبد ( العالم ) – على سبيل المثال مشهد الملك رمسيس الثالث و هو يقوم بصيد الحيوانات الصحراوية الضارية عند ظهر البرج الجنوبي للصرح الأول – حتى يقضي على خطرها الدفين و المهدد دائما لمصر مما يعني أن الحيوانات الصحراوية هنا تتماثل بالشعوب المقهورة مع التذكير بأمر هام و هو : أن هذا التماثل و التطابق لم يكن سوى تعبيرا عن عقيدة و أيدولوجيا الإنتصارالرمزي الملكي و لا علاقة بما كان يتم تصويره بالواقع العسكري للمعركة من المنظور التاريخي .
5 – عطفا على أيدولوجيا الإنتصار الملكي الدائم ، إتجهت النصوص و المناظر الملكية أحيانا تصوير الملك في هيئة أسد و هو يطارد ثورا وحشيا و هو ما ظهر لأول مرة في المعابد الملكية لعصر الدولة القديمة و بعض مقابر كبار رجال الدولة ( على سبيل المثال مقبرة مري روكا – بتاح حوتب ) و هو المنظر الذي فسرته نصوص الأهرام التي شابهت الملك بالأسد ذو القوة القاهرة الذي يردع الأعداء بعيدا عن مصر و هو ذات المعنى تقريبا الذي إستعادته الملكية في عصر الدولة الحديثة و تم تسجيله على جدران معابد الآلهة و معابد تخليد الذكرى الملكية .
6 – تجاورت مناظر الصيد و الحرب سويا على جدران المعابد المصرية القديمة فضلا عن الآثار الملكية الأخرى للتأكيد على وجود هذه العلاقة بينهما . فعلى سبيل المثال سجلت مشاهد تصويرية بالغة الأهمية على صندوق الملك توت عنخ آمون – معروض حاليا في المتحف المصري – تصور الملك بقامة عملاقة فوق مركبته الحربية و هو يطارد النمور و النعام و الغزلان و الفهود و في ذات الوقت و على الجزء المقابل لهذا الجانب ، نرى الملك خلال مواجته للسوريين و من جانب آخر لا ينبغي أن نغفل براعة و دقة التصوير الفني لعالم الحيوانات و الأعداء المصورين على هذا الصندوق ، حيث ظهروا جميعا في وضع يتسم بالفوضوية و عدم النظام ، فهم عندما يتراجعون و يهربون من بطش الملك سائرين في جميع الزوايا دون تحديد لإتجاه بعينه يلجأون إليه بشكل منظم و ذلك على النقيض من هيئة الملك البطل الذي يجابه الأعداء و يقتل الحيوانات المتوحشة بمفرده و يقف بثبات واثقا من النصر المحقق عند مواجهته الخصوم .
7 – وصفت نصوص الدولة الحديثة المرافقة لمناظر المعارك الحربية على جدران المعابد المصرية بأن مكان المعركة التي يشنها الملك ضد الأعداء هو الخط الفاصل بين عالم مصر الذي يتكون من الأراضي المليئة بالخير و الأشجار المزدهرة و النباتات و بين عالم الفوضى الذي يتكون من البلاد القاحلة الجدباء التي تميل أراضيها نحو اللون الأحمر المعبر عن جفاف الصحراء و لذلك تظهر جياد المركبة الملكية ( في بعض مشاهد معركة قادش و مناظر حروب رمسيس الثالث في هابو و سيتي الأول في الكرنك ) و قد إستقر جزئها الخلفي في منطقة ذات أشجار ( الخط الفاصل بين عالم النظام و عالم الفوضى ) و في الحين نفسه و بواسطة النصف الأمامي من أجسادها ، تلقي بظلالها على كومة مكونة من الأعداء و الحيوانات الذين صرعهم هجوم الملك عند هامش و تخوم الأراضي الصحراوية
8 – كانت مشاهد الحرب و الصيد تبرز سمات فنية مزدوجة و هامة فنلاحظ التعدد و الكثرة لدى جانب الأعداء و الحيوانات و ذلك في مقابل الملك الذي يقف بمفرده على مركبته الحربية عند مواجهتهم . كما نلاحظ الفوضى و التشرذم و القلق المسيطر على الحيوانات و الأعداء عند الهزيمة و الإنسحاب من الميدان و ذلك في مقابل الجمود الفني الواضح و المقصود على ملامح الملك الذي يظهر و كأنه واثقا ثقة مطلقة من النصرحيث لا تخطيء سهامه الهدف أبدا . و من هنا شابهت النصوص الملك بإله الشمس رع ، كما تماثلت المركبة الحربية بمركب إله الشمس التي تسير في السماء لكي تنشر الضياء و تطابقت سهام الملك مع أشعة الشمس النافذة و المتجهة نحو الأرض و تحولت القوى المعادية ( الأعداء و الحيوانات ) إلى قوى الظلام التي تندحر و تتراجع بمجرد سقوط أشعة الشمس ( سهام الملك ) عليها
9 – أشارت النصوص المصرية المصاحبة لمناظر المعارك و مشاهد صيد الحيوانات الصحراوية ( و لا سيما في عصر الرعامسة و العصور المتأخرة ) أن الخليقة تآمرت على إله الشمس رع في بدء الزمان و حاكت ضده مؤامرة ، فقام بالإنتقام منها بنفسه و ضرب على يد كل من سولت له نفسه بهذا التآمر . و لذلك يظهر الملك الذي يظهر بمفرده في ميدان القتال أو ساحة الصيد بمفرده و هو يقوم بالإنتصار و القضاء على المتمردين و الثائرين ، فهو يتقمص دور رع في حين يتقمص الأعداء دور الثائرين على الإله الخالق في بدء الزمان و يتحول المشهد برمته إلى تمثيلية مسرحية دينية مقدسة يشترك فيها الجميع ( الملك و الأعداء و الحيوانات الضارية ) . و من ناحية أخرى تصاعدت و تيرة و نغمة هذه الأسطورة بشكل بارز في عصر الملك رمسيس الثاني و قام فنانوا الملك بتصويره في معركة قادش بمفرده أمام قلعة قادش و هو محاصر من الأعداء في مشهد لم نشهد له مثيل و لم يتكرر قبل أو بعد عصره ، و ذلك لكي يشير رمزيا إلى مؤامرة الخليقة الأولى ضد معبود الشمس رع و تشكيلها لخطر محدق و دفين موجه نحوه و لا علاقة بذلك التصوير الفني و الرمزية الدينية بحقيقة الوقائع التاريخية لأحداث المعركة .
10 – ظهرت أسطورة الخلق في معبد إدفو في العصر البطلمي لكي تؤكد على ما سبق ذكره فذكرت أنه و منذ اللحظة الأولى لخلق العالم ، يواجه الإله الخالق معركة شرسة يومية مستمرة ضد وحش خرافي يتمثل شكله في هيئة ثعبان عملاق خرج من العدم ، و حقيقة الأمر أن هذا العدو قد إنتصر في الهجمة الأولى و لكنه سرعان ما عاود الهجوم مرة أخرى و لذا سارع الإله الخالق و الذي لم يكون سوى الصقر جورس البحدتي رب معبد إدفو بخلق أربعة آلهة محاربة حيوانية الهيئة من نفسه ، فكانت هذه الهيئات الإلهية المحاربة هي الصقر و الأسد و الثعبان و الثور و تم وضع كلا منها لقيادة كتيبة من المحاربين الذين يتماثلون بقائدهم و تكونت كل كتيبة من أربعة عشرة محاربا على رأسها قائدها و ضمت الكتائب الأربعة تحت قيادة عليا موحدة . و عند المرحلة الأولى من المعركة تضافرت جميعا مكونة ما يشبه المستطيل الهندسي و هكذا تمكن هذا الشكل الهندسي من خلق سياج حي أحرز النصر على ذلك الثعبان و لم يكن هذا السياج أو الشكل الهندسي المستطيل الهيئة سوى السور الضخم لمعبد إدفو لحماية مسكن الإله الخالق . و من هنا تم تصوير هذه الكتائب الإلهية الأربعة المكونة من خمسة عشرة فردا حيوانيا ( القائد + أعضاء الكتيبة الأربعة عشرة ) على جدران الصرح الأول لمعبد إدفو و تحديدا في ذات الأماكن التي كان يوضع فيها أعمدة ألوية الآلهة حيث تواصل رمزيا مهمتها اليومية لحماية المعبد و ربه من خطر الثعبان العملاق و أصبح وجود هذه الأشكال في تلك الأماكن مطابق في المعنى لرمزية مشهد إنتصار الملك على الأعداء المصور على جدران الصرح الأول نفسه لمعبد إدفو . و نلاحظ هنا أن هذا التمثيل الفني الجديد المعبر لتلك الأسطورة لم يظهر إلا في معبد إدفو حيث كان ذلك ترجمة صادقة لأوضاع مصر السياسية السيئة في ذلك العصر ، فعندما عجزت الملكية فعليا عن حماية البلاد في العصر البطلمي أوكل كهنة المعبد هذه المهمة الدينية المقدسة لهذه الكتائب الإلهية التي جسدت تلك الأسطورة و سجلت لأول مرة في العصر البطلمي على جدران معبد إدفو

السبت، 4 مايو 2013

إشكالية تمصير الملوك ذوى الأصل الليبي خلال عصر الإنتقال الثالث بين الأويدولوجيا السياسية و الحقيقة التاريخية


بسم الله الرحمن الرحيم 

( إشكالية تمصير الملوك ذوى الأصل الليبي خلال عصر الإنتقال الثالث بين الأويدولوجيا السياسية و الحقيقة التاريخية )
يتناول الدارس من خلال هذا المقال إشكالية تمصر الملوك الليبيين الذين تولوا مقاليد الحكم فى مصر خلال الأسرات ( 22 و 23 و 24 ) و فيما يعرف بعصر الإنتقال الثالث فى الأوساط الأكاديمية العلمية و لاريب أنها قضية فرضت نفسها و بقوة فى الآونة الأخيرة ، بعد ظهور مقالات و دراسات علمية جديدة تناولت الموضوع بعمق منهجى و علمى أكثر شمولا مما سبقها من دراسات و أبحاث قديمة . و لا يفوتنى فى هذا الصدد أن أهدى هذا المقال للزميل المحترم و الصديق المخلص الأستاذ أحمد سعيد الذى لا يتردد أبدا فى تقديم المساعدة لزملائه و زميلاته فى حقل الإرشاد السياحي
أصبح واضحا و من خلال الشواهد الأركيولوجية أن الليبيين مع نهاية الأسرة العشرين قد تغلغلوا فى الدلتا و حتى هيراكوليوبوليس ( إهناسيا ) بصورة كثيفة و دون رقابة فعلية ، بل و يمكن القول أنهم تواجدوا ، و لو بصورة أقل كثافة ، فى مصر العليا . و تجدر الإشارة إلى أن الملوك الرعامسة و لا سيما فى الأسرة عشرين قد إعتمد عليهم إعتمادا تاما فى الجيش و الإدارة الملكية ، فأصبح الجنود ذوى الأصل الليبى يشكلون نسبة كبيرة جدا من تكوين الجيش المصري ، و قد كان ملوك الرعامسة يقدمون هبات من الأرض كأجور لهم ، الأمر الذى أدى إلى نشأة جاليات عسكرية ليبية ، كانت القيادة فيها لهم دون سواهم . و من ناحية أخرى تمكنت عناصر من الماشواش ( و هى إحدى القبائل التى تمركزت من قبل فى غرب صحراء مصر الغربية بجوار جيرانهم من الليبيين و اندمجوا حضاريا و ثقافيا معهم ثم إتحدوا بهم أثناء زحفهم نحو مصر خلال الأسرة عشرين ) فى الوصول الى مناصب هامة فى البلاط الملكى و الى مراكز القيادة العليا فى الجيش .
و لا ينبغى هنا أن نغفل عن ذكر أمر هام و هو : أن الرعامسة قد أقاموا حصون عسكرية فى صحراء مصر الغربية لمنع تسلل عناصر من الليبيين و الماشواش الى وادى النيل ، و بالرغم من ذلك ، فقد تمكنوا من إختراق جميع التحصينات العسكرية ، فأخذ البعض منهم يشيع الإضطراب الأمنى و عدم الإستقرار بين أهالى و شعب مصر الأمر الذى تسبب فى أن يكونوا هم أحد العوامل التى دفعت بأفول دولة الرعامسة فى نهاية الأسرة عشرين و بداية عصر الإنتقال الثالث بدءا من الأسرة الحادية و العشرين ، و انتهى الأمر بوصولهم الى تولى مقاليد السلطة فى البلاد فأصبحوا حكاما على مصر خلال الأسرات ( 22 و 23 و 24 )
إعتقد عدد كبير من الباحثين أن الملوك ذوى الأصل الليبى قد تمصروا بشكل كامل ، و أنهم لم يتذكروا شيئا عن أصولهم الأولى ، بعد إندماجهم فى مجتمع مصر و إنصهارهم فى الحضارة المصرية ، مما أدى إلى تمصيرهم ( عبر فترة ليست وجيزة من الزمن ) دما و ثقافة و سلوكا . و هنا يميل الباحث الى طرح مجموعة من التساؤلات المشروعة تتصل كل منها بالآخر و بشكل رئيسي :
1 – ما وجه الإختلاف بين عصر الأسرات 22 و 23 و 24 و الأسرات السابقة ؟
2 – إلى أى مدى تمصر حقا ليبيو الألفية الأولى ؟
3 – هل لم يكن لهؤلاء الملوك ثقافة ( ليبية ) أصلية و حقيقية ، قبل إندماجهم بالحضارة المصرية ؟ و هل لم تظهر أى آثار أو نتائج تكشف عن ثقافتهم خلال فترة حكمهم ؟
4 – ما هى المعايير التى يرتكز عليها علماء المصريات فى توصيف شعب أجنبى أنه قد تمصر ؟
و ردا على التساؤل الأخير نجد أن هذه المعايير هى :
1 – إتخاذ الأجانب لأسماء مصرية
2 – التوجه إلى عبادات و معبودات مصرية
3 – إتخاذ عادات الدفن المصرية و ما يرتبط ذلك من بعض التصورات العقائدية الجنزية
4 – مضمون و محتوى المناظر على الآثار كلها و ما تكشفه من سمات فنية مصرية
5 – إستخدام الكتابة المصرية القديمة
و لا ريب أنه لم يستدل أثريا حتى الآن على قرائن تدل على وجود ثقافة ليبية أصلية و حقيقية ، و من ناحية أخرى ، نجد أن الحكام ذوى الأصل الليبى لم يذكرون بوصفهم أجانب سواء فى الوثائق و الآثار المصرية أو المؤرخ المصري مانيتون
ظهرت فى الآونة الأخيرة دراسات علمية جديدة لا تسلم بمضمون التمصر الكامل للملوك الليبيين ، فذلك الطرح تم إستخلاصه و بشكل أساسي لتصويرهم فى المناظر برداء مصري و هيئة مصرية ملكية كاملة . و فى واقع الأمر ، إعتادت الأيدولوجية الرسمية المصرية سياسيا و دينيا على إظهار جميع الملوك الذين حكموا مصر بسمات فنية مصرية على جميع المنشآت الرسمية للدولة بصرف النظر عن كونهم مصريين أم أجانب ثم تمصروا ، فتلك هى الصورة الوحيدة المقبولة شرعيا أمام آلهة مصر لإسباغ الشرعية على الملوك ، و لكن ذلك الأمر لا ينبغى أن ينخدع به دارس المصريات و إلا تصورنا أن الملوك البطالمة قد تمصروا فعليا و أصبحوا أتقياء و ورعين لمجرد تصويرهم على جدران المعابد المصرية برداء ملكى مصري أمام المعبودات المصرية !
توجد مجموعة من الحقائق تحول دون التسليم المطلق بالتمصير الكامل للملوك الليبيين للأسباب التالية :
1 – إن إنقسام البلاد إلى عدد من الأقاليم المستقلة هو الشكل المميز و اللافت للنظر لتلك الحقبة ، و لكن ما يهمنا على وجه الخصوص فى هذا الصدد هو عدم وجود أدبيات لذلك العصر تصفه بعصر الفوضى كما حدث فى عصري الإنتقال الأول و الثانى ، فتقسيم البلاد كان دائما من الأوضاع الغير مقبولة دينيا و سياسيا قبل عصر الإنتقال الثالث لكونه لا يتفق و الأيدولوجية الملكية المصرية ، و لكن ما حدث خلال عصر الإنتقال الثالث هو أن الأسر الملكية و مناطق السلطة المختلفة تعايشت سلميا و إعترفت ببعضها . فقد أصبحت و لأول مرة اللامركزية هو النموذج الأمثل المعبر عن نظام حكم مستقر و ظهرت لدينا ( ملكيات متعددة ) فى أقاليم مصر تعترف ببعضها البعض و هى سمة جوهرية فى بنيات و ثقافات المجتمعات ذات الطبيعة شبه بدوية التى تمكنت من فرض ذلك النظام على الأيدولوجية الملكية المصرية و لم يلقى معارضة جوهرية
2 – تبنى الحكم ذوى الأصل الليبي ظاهريا الأيدولوجية الملكية المصرية ، و لكن إذا ما خدشنا السطح الظاهرى ، فإن تركيبات السلطة غير المصرية تظهر أسفله بوضوح و يرجع ذلك إلى أن الطبقات الحاكمة نفسها لم تكن قد تمصرت كثيرا أو بشكل كامل و هذا ما يمكن لنا أن نلاحظه فيما يعرف بلوحات الهبات الملكية التى ظهرت خلال عصر الإنتقال الثالث ، فنجد فيها هؤلاء الحكام و هم يظهرون بوصفهم ( زعماء الماشواش ) و ليس ( ملك مصر العليا و السفلى ) صاحب العطاء أمام الآلهة ، كما ظهروا فى معظم الأحيان على تلك اللوحات برداء غير ملكى مصري . إن مثل ذلك الطرح يتضح لنا فى دعاء الملك ( أوسركون الثانى ) ، إذ يلتمس من المعبود( آمون ) مايلي : " أنت سوف تشكل نسلي ، النطفة التى تخرج من أعضائي ، حكاما كبارا لمصر و أمراء و كهانا أوائل لآمون رع ملك لآلهة ، و زعماء كبارا للماشواش ، و كهانا للإله حور سا إيسة "
3 – نلاحظ تأثيرا ليبيا غير مباشر فى إستخدام أنواع معينة من الكتابة و تطويرها فى عصر الإنتقال الثالث . فهناك خلط قوي بصورة لافتة للنظر فى مجالات الكتابة المختلفة للخطين التقليدين الهيروغليفية و الهيراطيقية ، إذ أن لوحات الهبات الملكية التى بدأ ظهورها بكثرة منذ ذلك العصر و لا سيما فى الدلتا ، قد نقشت بالهيراطيقية ، على الرغم من أن اللوحات الحجرية المنقوشة كانت تستعمل فى العادة الخط الهيروغليفي
4 – ظهور نظامين مختلفين للكتابة المائلة ، المعروف بإسم الهيراطيقي المائل أو الهيراطيقي الشاذ فى طيبة علاوة على بداية ظهور الخط الديموطيقى فى تلك الفترة و هو الخط الذي شق طريقه من مصر السفلى مما يعكس الوضع السياسي و الإداري و الثقافي و العرقي فى عصر الإنتقال الثالث
5 – ظهور مفردات و كتابات صوتية متعددة ، عوضا عن الكتابات الرسمية التقليدية العتادة فى النصوص الهيروغليفية و الهيراطيقية ، مما يشير إلى جوهر لغة ليبية فرعية ، فالصفوة الليبية حاولت أن تتعلم اللغة المصرية القديمة التى نشأت عليها بطريقة يسيرة و غير معقدة بالنسبة لهم
6 – وجود بعض المفردات و الكلمات الليبية من لغة ليبية فى الموروثات المصرية بدءا من عصر الإنتقال الثالث ، و يرى البعض أن هذه المفردات قليلة العدد و غير مؤثرة إلا أن ذلك قد يرجح إستنتاج لا يخلو من دلالة : أن لغة الليبيين ظلت تستخدم فى التواصل الشفهى فقط ، بينما إستخدمت الكتابة المصرية فى تصريحاتهم المكتوبة
7 – نلاحظ وجود تغييرات جذرية فى مجال دفن الموتى سواء فى النطاق الملكي أم فى المحيط الشخصي . فقد كانت الجبانة الملكية فى موقع مستقل و منفصل قبل عصر الإنتقال الثالث ، و لكن ظهر تطبيق عملي جديد بدءا من ذلك العصر تمثل فى مفهوم ( تشييد المقبرة فى فناء المعبد ) و هو ما ظهر بشكل واضح فى تانيس و منف ( مثل مقبرة ولى العهد شاشانق ) و فى طيبة أيضا ، و لاسيما فى معبدي الرامسيوم و مدينة هابو( مقابر الزوجات الإلهيات و مقبرة حور سا إيسة )
8 – الميل الواضح إلى تشييد مدفن الأسرة الملكية المتواضع حجما و شكلا ، بدلا من مفهوم الدفن الفردي الملكي باهظ التكاليف ، مما يعد إبتداعا جديدا فى مظاهر الدفن ، فقد أعدت فى بعض الأحيان منشآت جنزية قديمة بسرعة لأصحابها الجدد بشيء من عدم الإكتراث و من دون إجتهاد بشكل قوي لوضع أعمال و كتابات دينية و زخرفية جديدة و قوية مثلما كان يحدث سابقا و من المؤكد أن سبب كل ذلك لم يكمن فى نقص ثرواتهم - كما رأى فريق من الدارسين – و علينا هنا أن نتذكر فقط كنوز المقابر الملكية فى تانيس – و لا بسبب قصور فنى تقنى و لكنه يعكس موقف فكري آخر من قضية الموت ، و هو شيء من عدم الإكتراث تجاه الإستعدادات الباهظة فى الموروثات القديمة ، و تلك الثقافة تتناسب بلا شك مع عادات و تقاليد مجتمعات شبه بدوية مثل مجتمعات الليبيين
9 – إصرار بعض ملوك عصر الإنتقال الثالث على تشييد مدافن ملكية جماعية فى تانيس ، لم تقتصر على دفن الملك بمفرده و إنما جمعت دفنات الزوجات و أولياء العهود بل و بعض كبار رجال الجيش أحيانا مما يكشف عن عدم إيمانهم بفكرة الفصل الواضح و الإستقلال الكامل لمقبرة الملك عن المقابر الأخرى و هو ما لا يتفق و الأيدولوجية الملكية المصرية الرسمية المعتادة
10 – ظهور سمة جوهرية فى مجال الوظائف الإدارية لتلك الفترة و هى : الجمع بين وظائف مختلفة و متعددة و متناقضة تماما لبعض البعض فى أيدي شخصية واحدة و هو شكل إدارى و سياسي غير مألوف فى مصر و لم يحدث إلا فى حالات إستثنائية جدا قبل ذلك العصر . فقد أصبح توزيع الوظائف طبقا لتنوعها و ما تحتاجه لتدريب من نوع خاص يتطلبه الإختصاص الوطيفي ليس معيارا فارقا لكن الغلبة الشخصية فى إمتلاك وسائل السلطة ، أصبحت هى السمة السائدة ، و لاريب أن ذلك هو من صميم الأنظمة الفكرية و الإدارية للإقطاعيات الخاصة بمجتمعات شبه بدوية الذى لا يعتمد على التخصص الوظيفى و الكفاءة الإدارية بقدر إعتماده على السيطرة السياسية و الإحتكار السلطوي لمعظم المناصب
11 – على الرغم من وجود تمصير شكلي ظاهري لبعض الزعماء الليبيين و الماشواش فيظهرون أحيانا بالزى المصري ، إلا أن عددا كبيرا منهم ظل يصور نفسه بريشة الزعماء الليبية المعهودة فوق رأسه ، كما ظل معظم حكام تلك الفترة يستخدم أسماء شخصية ليست مصرية مثل ( شاشانق – أوسركون – تاكلوت )
12 – تصدي كهنة طيبة كجبهة سياسية وطنية وحيدة لهؤلاء الزعماء أحيانا و معارضتهم السياسية لهم فى بعض الفترات مما أدى إلى رد فعل قاسي من جانب ( أوسركون الثانى ) الذى قام بحرق بعض كهان آمون فى نهاية الأسرة 22 ، الذين رفضوا سيطرته على طيبة و منصب كبير كهنة آمون ، الأمر الذى يعكس عدم إقتناع كهنة آمون بالتمصير الشكلى لزعماء الماشواش و الحكام ذوى الأصل الليبى ، و قد يعترض البعض على ذلك بتصويرهم لذلك الصراع على أنه مجرد صراع سياسي بين قوتين ( قوة كهنة آمون و قوة زعماء الماشواش ) للوصول إلى مقاليد السلطة ، و لكن بمراجعة موقف كهنة آمون تجاه ملوك الكوشيين الذين حكموا مصر خلال الأسرة 25 – و هم من أصل نوبي – الذين تمصروا بشكل شبه كامل و عن يقين و إيمان بالعقيدة المصرية القديمة ، فلم يلقوا أى معارضة من جانب كهنة آمون بل النقيض من ذلك ، تمدنا وثائق تلك الفترة بمدى إستعانة كهنة آمون بهم ضد ( تاف نخت ) – من ملوك الأسرة 24 ذوى الأصل الليبي – و مدى ترحيبهم بالملوك المعروفين بالكوشيين
يتبين لنا مما تقدم أن مفهوم ( الإندماج الثقافى و الإنصهار الحضاري الكامل لملوك عصر الإنتقال الثالث من ذوى الأصل الليبي ) هو أمر يحتاج لإعادة نظر ، فعلى ضوء ما تقدم من الشواهد الأثرية ، لا يمكن التسليم بحقيقة التمصير الكامل . و ينبغى لنا أن نأخذ فى الإعتبار أن الملوك الليبيين و من خلال خصوصيتهم الثقافية ، قد أصبحوا فى أزمة تعارض و تصادم تجاه أنماط ثقافية مصرية تقليدية عند توليهم مقاليد السلطة ، وهى أزمة لم تواجه مطلقا ممن لم يجيئوا غزاة ، فقد دخلوا مصر كأسرى حرب منذ عصر الأسرة ( 20 ) ، و طالت فترة إقامتهم فى البلاد و احتلوا المناصب العالية حتى وصلوا للعرش ، فتخيروا من الوسائل و الأدوات السياسية و الدينية المناسبة لعرض أنفسهم كحكام للبلاد ، فحاولوا أن يوفقوا بين الأنماط الثقافية المصرية التقليدية الموروثة و بين خصوصيتهم الثقافية التى لم تختفى على الإطلاق حتى وصولهم للعرش ، فجاء تمصيرهم جزئيا تارة ، و شكليا تارة أخرى .

منظر الأمير كا وعب في مقبرة إبنته مرس عنخ الثالثة


بسم الله الرحمن الرحيم 

منظر الأمير كا وعب في مقبرة إبنته مرس عنخ الثالثة حفيدة الملك خوفو


 - إعتقد البعض من الباحثين أن كا وعب كان هو المرشح لتولي العرش بعد وفاة أبيه الملك خوفو و أنه قد تزوج من أخته حتب حرس الثانية للتأكيد على شرعية حكمه للبلاد بعد حكم أبيه خوفو و لولا أنه توفى قبل أبيه لحكم مصر ، بل و رأى البعض الآخر من الدارسين أنه قد إغتيل من أخيه جدف رع الذي إستولى على حكم البلاد بعد خوفو ! ... في واقع الأمر لا توجد قرائن تؤيد كل ما سبق و هنا نجد من أهم ألقاب كا وعب أنه الإبن الأكبر للملك خوفو و لكن ذلك اللقب لا يعني على الإطلاق أنه كان مرشحا بالضرورة لتولي العرش . هناك تساؤل هام : لو أن كا وعب رتب نفسه على وراثة العرش فلماذا قام ببناء مقبرة ضخمة في الجبانة الشرقية و كأول مقبرة بعد هرم أبيه ؟ هل لو كان كا وعب هو الوريث الشرعي للحكم كان سيشيد لنفسه مقبرة بهذه الضخامة أم كان سينتظر لكي يشيد لنفسه هرما ؟ 
و هنا نجد أمرا هاما و هو : أن زوجة الملك خوفو و هي الأميرة مريت إيت إس أم الأمير كا وعب لم تكن منحدرة من أم ملكية ذات دم ملكي خالص ( نظرا لأن أمها لم تكن الزوجة الرئيسية للملك سنفرو ) و يبدو أن خوفو قد تزوج منها قبل صعوده للعرش و أنجب منها كا وعب و بالتالي أصبح أكبر أبناء الملك و هنا يظهر كا وعب بلقب آخر هام و هو الكاهن المرتل الأكبر فضلا عن لقب الوزير الأمر الذي يعني : 
1 - أنه قد خدم في عهد والده خوفو في إطار هذا النطاق فحسب 
2 - إحتكار أهم مناصب الدولة الدينية و الإدارية في يد العائلة المالكة خلال عصر الأسرة الرابعةو يلاحظ من خلال هذا المشهد إنفصال كا وعب تماما عن بقية مشاهد الجدار الشرقي للمقبرة و دون أن ينظر لمناظر الشعائر و الطقوس التي تؤدى لصالح حتب حرس الثانية - زوجته و مرس عنخ الثالثة - إبنته ، بل ينظر تجاه غرفة التماثيل الخاصة بإبنته و زوجته فربما كان الغرض من ذلك توجيه كا وعب رمزيا و فنيا لأجل إقامة الشعائر الخاصة بهما للأبد بوصفه الكاهن المرتل الأعلى في عصر الملك خوفو .

مقابر الآلهة الأسلاف في معابد العصور المتأخرة


بسم الله الرحمن الرحيم 

مقابر الآلهة الأسلاف في معابد العصور المتأخرة


لماذا تحدثت المصادر الميثولوجية المصرية في
العصور المتأخرة عن مفهوم الموت الجماعي للأرباب المصرية و دفنهم الأسطوري في نطاق
المعابد ؟ 
... فقد ورد على سبيل المثال أن أرباب
التاسوع الشمسي الهليوبوليتاني قد دفنوا في إدفو ، فضلا عن المثال المعروف عن غياب
أرباب الثامون في ذلك الكهف السحيق و المعروف بتل جيمة في الحرم المقدس لمدينة
معبد هابو حيث كان خلفهم آمون رع يزورهم مقيما لهم شعائرهم بواقع ثلاث مرات شهريا
و ذلك هو ما ورد في أسطورة المعبد في بداية العصر المتأخر . 
التساؤل الذي يفرض نفسه في هذا الصدد : لماذا
توارى أرباب عين شمس في إدفو وفقا لأسطورة المعبد في العصر البطلمي ، و لم يدفنوا
في مدينتهم الأصلية العتيقة ( إيونو ) ، كذلك الحال بالنسبة لأرباب الثامون الذين
لم يرقدوا أبدا في خمنو ( مدينة الأشمونين ) - 
وفقا لما زعمه كهنة طيبة في العصر المتأخر - حيث كان هناك دورهم و فعاليتهم
الأصلية في خلق العالم و إنما في واست ( مدينة طيبة ) حيث إرتبطوا بها في فترة
لاحقة عندما إعتبرت مأوى و مثوى المعبود الأزلي ( كم آت إف ) و هوالشكل الأزلي
الأول لآمون رع عندما ظهر لأول مرة في مياهه الأزلية العتيقة ؟
هنا يمكن لنا أن نستشف الإجابة من خلال مفهوم
الخلافة أو الإنابة الأسطورية للأرباب المصرية ، فإذا كان التاسوع الشمسي قد قيل
بدفنه في إدفو حيث يتسيد المعبود حور ( حورس ) هناك فذلك من منطلق أنه إذا كان رع
قد خلف الأرباب الشمسية الهليوبوليتانية في قدرتهم الفاعلة في خلق مظاهر الطبيعة و
الكون ، فإن حورس قد خلفهم و أناب عنهم جميعا على عرش مصر ، و بالتالي فقد دفنوا
حيث يتواصل دور خلفهم المنحدر منهم و هو حورس ( ممثلا في الملك نفسه ) في حفظ نظام
الحياة الآمنة المستقرة و ذلك إنطلاقا من مبدأ و معتقد ديني هام يتمثل في أنه
بصلاح حكم الملوك المصريين يستقر كل شيء في الكون و يعم الخير على الجميع . 
و كذلك الأمر فيما يتعلق بالثامون الذين
واراهم الثرى في طيبة موطن و مقر و موقع خلفهم الفاعل المنحدر منهم آمون رع و الذي
يتواصل معهم من أجل تجدد الخلق من خلال إقامته لشعائر أسلافه الأزليين . 
و في واقع الأمر إن المفهوم الميثولوجي لوجود
مقابر الأرباب المصرية في نطاق المعابد المصرية في العصور المتأخرة يرتبط بشكل
وثيق بفكرة ( عبادة أسلاف الآلهة ) و العودة لزمن الماضي التليد الذي يحمل الذكرى
العطرة للآلهة الأسلاف . و هنا ينبغي لنا أن نشير لمجموعة من الحقائق الهامة و
البالغة الأهمية عند الحديث عن مقابر الأرباب في المعابد و هي : 
1 – هيمنة إعتقاد طاغي في العصور المتأخرة أن
أسلاف الآلهة هم آلهة ميتون ( مع الوضع في الإعتبار أن مفهوم الموت هنا لا يعني
إنتهاء الحياة بقدر ما يعني الراحة و الإستقرار في العالم الآخر ) . و لهم شعائر
تبجيل و تقديس و تأبين تقام لهم بشكل دوري زمني محدد . 
2 – إن أسلاف الآلهة المدفونين في مقابر
المعابد في العصور المتأخرة يجسدون مفهوم الزمن الماضي العتيق ، فهم آلهة ذلك
الماضي البعيد و المتكامل و المنتهي و الذي أصبح زمن أسطوري نشأ عنه تكوين الزمن
الحاضر ، فالماضي هو زمن أسلاف الآلهة الذين واراهم الثرى و الحاضر هو الزمن الذي
نشأ فيه تقاليد عبادتهم و إقامة شعائر لهم . 
3 – تتحدث المصادر الميثولوجية في المعابد
المصرية في العصور المتأخرة عن أن الإنسان في الزمن الحاضر قد إنفصل عن هذا الماضي
و لكي يتم التعبير عن هذا الإنفصال بوعي عملي ، إستلزم الأمر إقامة قبور للآلهة الأسلاف
الميتين فضلا عن إبتكار أعياد يتمكن من خلالها الناس في الزمن الحاضر أن يزوروا
مقابر الآلهة الأسلاف لكي يقدسوهم و يحيوا ذكراهم و يسعون لإحيائهم من أجل تجدد
الخلق مرة أخرى . 
و من هنا فإن الشكل الإحتفالي لذكرى إحياء
الآلهة الأسلاف في طيبة تمثل في العيد الأعشوري ، حيث ينتقل آمون مرة كل عشرة أيام
من معبد الأقصر عبر النيل إلى معبد هابو الصغير حيث يوجد قبر الآلهة الأسلاف لكي
يقدم لأسلافه شعائر العبادة اللازمة لإحيائهم في عالمهم الآخر من أجل تجديد خلق
العالم و لكي يجدد شرعية حكمه من جديد بوصفه خلفهم الذي ورث حكمهم حيث لا يزال
يتواصل معهم رغم أنهم ينتمون لزمن ماضي بعيد و منتهي .
إن آمون رب معبد الأقصر هو في واقع الأمر لم
يكن سوى تجسيدا لدور الإبن ( الملك الحاكم ) الذي يزور سلفه الأسطوري القديم ( كم
آت إف ) بمعنى ( الذي أكمل زمنه ) و الذي دفن في قبره عند معبد هابو الصغير حيث تم
إعتباره الصورة الأزلية الأولى لآمون رع الذي تجلى لأول مرة هناك في معبد هابو
الصغير . فآمون الملك الحاكم يذهب إلى هناك لإقامة شعائر عبادة الأسلاف و تجديد
الخلق و التواصل مع الماضي العتيق و إكتساب الشرعية فهذه المقابر هي مكان إلتقاء
الآلهة الأموات مع خلفهم الذين على قيد الحياة فضلا عمن سيأتي من الأجيال القادمة
لكي يتصلون شعائريا مع بعضهم البعض في بوتقة حضارية قوية فيحافظون بذلك على سلامة
العالم و يستمر الخير في مصر و تظل الآلهة الأسلاف ترعى هذا البلد العظيم من
عالمها الآخر و تظل مصر دائما في أعياد و لذلك كان من الضروري جدا هنا نشأة مفهوم
مقابر الآلهة الأسلاف في معابد العصور المتأخرة 

العلاقة بين الإيمان بآلهة مصر و إقامة الشعائر لها بالمباديء الأخلاقية في نهاية عصر الدولة الحديثة


بسم الله الرحمن الرحيم
العلاقة بين الإيمان بآلهة مصر و إقامة الشعائر لها بالمباديء الأخلاقية في نهاية عصر الدولة الحديثة



في أواخر عصر الدولة الحديثة ، قامت نصوص التعاليم و
الحكم و المواعظ المصرية بصهر و إدماج التقوى الدينية و الأخلاق الطيبة مع النصائح
الدنيوية في ( نمط أدبي ديني ) أكثر علانية و أكثر صراحة من النصوص التي ترجع لما
قبل أواخر عصر الدولة الحديثة . و لعل ذلك يتفق و مفهوم الدولة الثيوقراطية
الدينية التي نشأت كظاهرة تاريخية في نهاية عصر الرعامسة و سعت لربط و إيجاد صلة
قوية و واضحة بين مفهومي ( المباديء الأخلاقية ) و الإيمان ( بالقوى الإلهية و
إقامة الشعائر لها ) . 
من جانب آخر تؤكد لنا تعاليم ( آمون إم إيبت ) و لعدة مرات
أن كل ما يحدث للبشر يعتبر ( قضاء و قدرا من الإله ) ، إلا أنها تكشف في ثناياها و
بصدق عن المثال المصري القديم و الأوسع إنتشارا الذي يتحدث عن ( الإنسان صادق
الولاء و المستكين ) ، فقد كان هذا المثال بارزا بقوة في التراتيل و الصلوات
الشعبية الموجهة للمعبودات . 
إن تعاليم
آمون إم إبيت تشير لحقائق هامة تمثلت فيما يلي : 
1 – أن الآلهة
خلقت القضاء و القدر و ظلت تدعمه ، و لكنها و رغم ذلك ظلت حرة في التصرف و السلوك
تجاه البشر وفقا لما تراه ، حتى لو بدت هذه الرؤية للبشر على أنها نزوة غير مفهومة
. 
2 – الظهور
البارز و بقوة لمفهوم أن قدر الآلهة يحمل في طياته أحيانا كثيرة مصدر حزن و أسى
عشوائي لجنس البشر و هو أمر فكري لم يظهر بهذه الدرجة من الوضوح قبل أواخر عصر
الدولة الحديثة . و لكن في واقع الأمر أن هذه الفكرة ليست جديدة في حد ذاتها بل
نجد إرهاصات أولى لها في نصوص تعاليم الدولة الوسطى التي أكدت أن ما يحدث على
الأرض هو من تدبير الإله ، و ليس ما يريده الناس . إن الفارق هنا بين تعاليم آمون
إم إيبت و تعاليم الدولة الوسطى فارق في الدرجة ( كمي ) و ليس فارقا في النوع ( أي
في توصيف الظاهرة ذاتها ) . 
3 – تربط
تعاليم آمون إم إيبت القيم الأخلاقية بمفهوم الإيمان بالآلهة و تقبل القضاء و
القدر و تقبل الأحداث كما هي . 
و من جانب آخر
جاءت نصوص التعاليم الأخلاقية في نهاية عصر الرعامسة لكي تبرز هدفا هاما و يتمثل
في نشر الطمأنينة في قلب الإنسان بعد أن يقوم بتسليم كل شيء إلى مشيئة الإله ، حيث
نرى في أحد الخطابات أن الكاتب بعد الإطمئنان على صحة المرسل إليه ، يكمل حديثه
بعبارة : 
" أنا
الآن على قيد الحياة ، و غدا بين يدي الإله " 
و في واقع
الأمر أمدتنا نصوص التعاليم التي وصلت لنا من أواخر عصر الدولة الحديثة بمعلومات
هامة تتعلق بجمهور عريض من المتعبدين المصريين يتواجدون في هيئة حشد كبير داخل
المعابد ( في مواقع محددة ) و خارجها و ذلك لحثهم على تقديم القرابين و إقامة
التراتيل للمعبودات ، بل و لتبادل الهدايا بينهم . فإذا صدق ما ورد في الخطابات ،
فإن الناس ( عامة الشعب ) كان يجب عليهم أن يذهبوا إلى المقاصير المحلية ثلاث مرات
كل عشر أيام ، أو حتى يوميا للإستعلام و البحث عن الأقارب الغائبين و للصلاة من
أجلهم ، بل و ينبغي لهم الذهاب ثلاث مرات كل عشر أيام ليقوموا بالتطهر . 
يتبين لنا من
واقع ما ورد في هذه النصوص التي ترجع لنهاية عصر الدولة الحديثة نتائج في غاية
الأهمية و هي : 
1 – تنامي
ظاهرة الورع الشعبي نحو الآلهة المصرية خلال نهاية عصر الرعامسة و هو الزمن الذي
بدأ يشهد إنحلال صورة الملكية الإلهية المقدسة و بداية إختفاء مفهوم الملك البطل
المنقذ . 
2 – محاولة
الكهنوت المصري القديم لإستقطاب ظاهرة التقوى الشعبية تجاه المعابد المصرية
ومقاصير الآلهة المحلية تحقيق طلبات العامة من الناس بل و التأكيد على ربط كل ذلك
بمفهوم الأخلاق الطيبة التي يسعى الإله لنشرها و تعميمها بين الناس . فالإله في
عالم مصر يهتم بالشعائر التي تقام له و يطلب منهم في ذات الوقت أن يتمتعوا
بالأخلاق الحميدة ، فإله المصريين هو إله خالق للسلوك الطيب و الأخلاق الحسنة . 
3 – بداية
وجود تلاحم كهنوتي و شعبي داخل المعابد ( في مواقع محددة ) المصرية و خارجها و
بشكل قوي يهدف للتأكيد بأن آلهة المصريين تسمع شكوى الناس و تحل أزماتهم فضلا عن
بداية وجود نية كهنوتية لتعليم بعض طوائف العامة كيفية التطهر و إقامة بعض الشعائر
للإتصال بمعبوداتهم وفقا لقواعد و نظم دينية ينبغي مراعاتها و تطبيقها . 
تزامن كل ما
سبق مع وجود ظاهرة أخرى تمثلت في التغير المذهل للأنماط و الطرز الفنية التي ظهرت
في نهاية عصر الدولة الحديثة في مقابر كبار الأفراد ، حيث إختفت تقريبا المشاهد
الدنيوية من زخرفة المقابر و بدأت تزداد المناظر التي تختص بالعالم الآخر ، بل و
ظهرت مشاهد جديدة تناولت العالم الآخر للمصريين و لم تكن سائدة من قبل ، و تهدف
لما يلي : 
1 – إبقاء
المتوفى على قيد الحياة في عالمه الآخر بفضل المعبودات التي ستتكفل برعايته للأبد
. 
2 – كشفت
زيادة المناظر الأخروية في تلك المقابر عن تنامي ظاهرة التقوى الشعبية تجاه
المعبودات المصرية خلال عالم الدنيا و إستمرار تلك الظاهرة أيضا في العالم الآخر و
لاسيما و أنها إحتوت على أناشيد و أشعار وجهت للآلهة المصرية القديمة و تزامن كل
ذلك مع مظاهر التدين الشعبي التي مورست داخل و خارج المعابد المصرية . 
و من ضمن
الظواهر التي طرأت بشكل جديد و واضح في نهاية عصر الدولة الحديثة ، بل و إستمرت و
تنامت في العصور المتأخرة ، هي ظاهرة التوسع الكبير في الممارسات الدينية المرتبطة
بالحيوانات . فقد كانت الحيوانات المقدسة تعد تجليات للآلهة كان من الممكن الإتصال
بها و مخاطبتها أكثر من التماثيل و المناظر الدينية المحفوظة في المعابد بل و
تحولت إلى رموز فعالة و أهداف لظاهرة التدين و التقوى الكهنوتية و الشعبية و
لاسيما في العصور المتأخرة حيث لعبت هذه الحيوانات دورا هاما في ظاهرة العرافة و
النبوءة و الوحي . و لم يكن إختيار هذه الحيوانات المعبرة عن تجليات الآلهة أمرا
عشوائيا ، بل كان يخضع لشروط و قواعد و صفات معينة ينبغي توافرها في الحيوان الذي
يعبر عن كينونة المعبود ( و هنا نذكر على سبيل المثال حالة العجل أبيس في منف و
صفاته التي أضفاها الكهنة عليه لكي يكون عجل المعبود بتاح ) . و بما أن الأحياء من
هذه الحيوانات كان يتم الإحتفاظ بها في أماكن محددة من المعبد ، لذلك أصبح من الطبيعي
أن يتم دفنها في سراديب أو ممرات أو مقابر تحت الأرض ، الأمر الذي يقودنا نحو
الإستنتاج التالي و هو : 
" أن
ظاهرة إنتشار و تنامي تقديس الحيوانات منذ نهاية عصر الدولة الحديثة و حتى العصور
المتأخرة كانت بسبب زيادة الممارسات الشعائرية الجماهيرية الشعبية نحوها الأمر
الذي أدى لوجود إستجابة كهنوتية لهذه الظاهرة و محاولة إستيعابها في نطاق المعابد
المصرية " . 
و في أواخر
عصر الدولة الحديثة و أعقابها ، إنهارت السلطة الملكية و لم يعد للملك تأثير واضح
في الديانة المصرية القديمة ، و ذلك على الرغم من أن وضعه المركزي على جدران و
مناظر المعابد المصرية القديمة ظل دون تغير كبير . أما وضعه خارج المعبد فهو مختلف
تماما ، فنجد في أحد نصوص أواخر عصر الرعامسة تساؤلا واضحا عما إذا كان هناك أحد
يخضع لسيطرة الملك ؟ ... و الإجابة هي بالطبع بأنه لا أحد . و في نص آخر يوصف
الملك بوضوح بأنه ( رجل متناقض مع الإله آمون ! ) الأمر الذي يشير لحقيقة هامة و
هي : 
" لم يعد
ملك مصر ممثلا فعليا لصورة الإله على الأرض ( و لا سيما فيما ورد عنه خارج المعبد
) و أنه ليس بالضرورة هو ذلك الرجل الذي يقيم أوامر و رغبات و قوانين الإله على
الأرض و لم يكن من الممكن تصور مثل هذا الأمر على الأقل قبل قرن من نهاية عصر
الرعامسة " . 
يتبين لنا مما
تقدم أن تنامي و إزدياد ظاهرة الورع الشعبي قد تمت بشكل لم يسبق له مثيل تجاه
معبودات مصر و سعى أنصارهم من الكهنة لخلق رابط قوي جدا بين الإيمان بهذه الآلهة
التي تسمع و تحقق رغبات و طلبات الناس و مفهوم الأخلاق الحميدة و إقامة الشعائر
لها فضلا عن تماسك و ترابط أفراد المجتمع فيما بينهم من خلال تطبيق السلوك الحسن
التي تدعو لها آلهة مصر و تزامن كل ذلك مع تضائل تدخل السلطة الملكية في الشئون
المحلية للمعابد المصرية فضلا عن التجاهل التام لهذه السلطة من خلال تركيز ظاهرة
الورع ناحية معبودات المدينة وحدها الأمر الذي أدى إلى ظهور نتيجة بارزة الأهمية
تمثلت فيما يلي : 
" أصبح
المجتمع أكثر إتجاها ناحية المدينة ، و أصبح المواطن المصري أكثر ولاءا لإله
مدينته في نهاية عصر الرعامسة و ما تلاها زمنيا ، و أصبح الإنسان في عالم مصر
يستمد تبعيته و هويته الإجتماعية من إله مدينته المحلية الذي يحقق رغباته و يطلب
منه شعائر و سلوكا حسنا في دنياه " .