الخميس، 20 يونيو 2013

أضواء جديدة على قيام الوحدة السياسية بين الجنوب و الشمال و نشأة الملكية المصرية - الجزء الأول

أضواء جديدة على قيام الوحدة السياسية بين الجنوب و الشمال و نشأة الملكية المصرية - الجزء الأول


لاريب أن قضية التوحيد السياسي فرضت نفسها
بقوة في علم المصريات و علم عصور ما قبل التاريخ في مصر منذ أوائل القرن العشرين و
حتى هذه اللحظة ، فاتجهت آراء الباحثين في باديء الأمر في طرح و صياغة نظرية تمثلت
في وجود ملك أطلقت عليه المصادر المصرية القديمة إسم ( مينا ) أو ( مني ) في نهاية
العصر الإنتقال الثاني في بردية تورين ( آخر النتائج التي نشرت حول تأريخ بردية
تورين أثبتت أنها ترجع لنهاية عصر الإنتقال الثاني و ليس عصر الرعامسة ) و قوائم
الملوك التي ترجع لعصر الدولة الحديثة مع الوضع في الإعتبار خلو الآثار المصرية من
هذا الإسم خلال فترة التوحيد السياسي أو ما تعارف عليه الباحثون بالأسرة صفر (
يتفق الدارس مع علماء المصريات الفرنسيين الذين لم يتقبلوا تسمية هذه الفترة بلفظ
الأسرة فحتى الآن لا يوجد دليل قاطع على إنحدارهم بأكملهم من بيت ملكي واحد ) و
خلال العصر العتيق و الدولة القديمة و الدولة الوسطى ، فإسم الملك ( مينا ) هو إسم
مبتكر من جانب كهنة مصر خلال فترة متأخرة من الحضارة المصرية القديمة . ثم تحدثت
المصادر المصرية في العصر المتأخر عن قيام أول ملوك مصر ( مينا – ذي المنشأ
الجنوبي ) بتأسيس مدينة ( منف ) في الشمال و إتخاذها كعاصمة للمملكة مصر الموحدة و
التي كانت تنقسم في باديء الأمر إلى مملكتين واحدة في الجنوب و الأخرى في الشمال (
قام الدارس بتفنيد هذه الفكرة في أكثر من مقال سابق – أنظر مقال دور التفاعل
الحضاري بين زعماء الجنوب و الشمال و أثره في قيام المملكة المصرية ) . ثم ظهرت
نظرية أخرى تحدثت عن أن الدولة المصرية نشأت بفضل أيدولوجيا دينية و سياسية نادت
بأن من يحكم مصر هو ملك إله أو ملك منحدر من أصل إلهي أي هو صورة الإله على الأرض
و لذلك لكي يحفظ النظام في البلاد و إحتاجت السلطة الملكية لهذه الأيدولوجيا لكي
تخفي منشأ الملك الجنوبي و الذي إحتل أرض الشمال . و لكن و من خلال إستعراض ما ظهر
من نتائج في هذه الدراسة يبدو لنا أن عملية توحيد البلاد سياسيا هي أعقد مما و ضعه
التقليد المصري الأسطوري القديم في العصور التاريخية ، فهي عملية متعددة الخطوط
السياسية و الدينية و الإقتصادية عبر مراحل الزمنية إستغرقت فترة طويلة ( للإطلاع
على التفاصيل أنظر المقال السابق بعنوان دور التفاعل الحضاري بين زعماء الجنوب و
الشمال و أثره في قيام المملكة المصرية منشور على جميع الجروبات في قسم الملفات )
كما أنها لم تكن حدث تم في فترة زمنية واحدة و لم تكن نتاج مجهود لملك واحد .
ظهر على رسوم الفخار منذ عصر نقادة الثانية (
المرحلة الثانية لعصور ما قبل الأسرات و تبدأ زمنيا بحوالي 3600 ق.م و تنتهي عند
3300 ق.م تقريبا ) مراكز و ممالك سياسية صغرى إنتشرت في الجنوب و الشمال و تعرفنا
عليها من خلال ألوية المعبودات التي تم تصويرها على المراكب و التي أشارت إلى
زيادة الملاحة النهرية بين الوادي و الدلتا مما ينم عن وجود تبادل تجاري قوي بين
الجنوب و الشمال . و لذا ينبغي لنا هنا أن نؤكد على هذا الأمر التالي : أن التجارة
هنا لا تنقل فقط الأدوات و المنتجات بل تنقل معها الأفكار و المعتقدات الدينية .
كما إرتبط عصر نقادة الثانية من ناحية أخرى بتطور بارز في تقنية صناعة الأدوات
الحجرية التي بلغت حدا من الرقي الفني لم تشهده البلاد من قبل فضلا عن التقدم في
صناعة أواني الفخار و تطور بناء المساكن و ظهور تقنية البناء بالطوب اللبن و تحول
بعض المساكن من الشكل الدائري أو البضاوي إلى الشكل المستطيل بعد أن تمكن أصحابها
من تحويل الكتل اللبنية الغير منتظمة إلى طوب لبن ذي أبعاد هندسية مستطيلة منتظمة
و ظهور مقابض السكاكين القليلة العدد عند بعض الأفراد و دون الكثير من غيرهم الأمر
الذي يدل على هذه الحقيقة : 
بداية ظهور طبقة نخبة سياسية و إجتماعية
مميزة منذ عصر نقادة الثانية على أقل تقدير سيطرت على مواد و منتجات و مصادر معينة
في طول البلاد و عرضها شمالا و جنوبا . 
إن رسوم الفخار في عصر نقادة الثانية فضلا عن
وجود آثار للجنوب في الشمال و آثار للشمال في الجنوب كشفت عن محاولات زعماء
المراكز السياسية الكبرى في مصر للسيطرة على طرق التجارة الطويلة بين النوبة
السفلى و مصر العليا و مصر السفلى و جنوب بلاد الشام و أنهم كانوا على صلات تجارية
متبادلة مع بعضهم البعض . فعلى سبيل المثال وجدت حضارة المعادي كواحدة من كبرى
المراكز السياسية و الدينية التي ترجع لعصر نقادة الأولى ( المرحلة الأولى لعصور
ما قبل الأسرات و تبدأ زمنيا من 3900 ق.م و حتى 3600 ) و النصف الأول من عصر نقادة
الثانية ( منذ 3600 ق.م و حتى 3450 ق.م ) حيث إكتشف فيها مجموعة من الآثار الهامة
دلت على وجود الحقائق التالية :
1 – عثر فيها على أدوات و سبائك كاملة من
النحاس مما يجعلنا نتفق مع الرأي القائل بوضع هذه الحضارة في ( بداية العصر الحجري
النحاسي في مصر ) و هو هنا بمثابة ( بداية لعصور ما قبل الأسرات ) في الشمال و لذا
من الممكن أن نؤرخ لبداية هذه الحضارة منذ الأف الرابع قبل الميلاد ( 4000 ق.م ) و
ذلك إذا وضعنا في الإعتبار وجود منتجات من النحاس في حضارة ( البداري ) في أسيوط
تم تأريخها أيضا بالألف الرابع قبل الميلاد ( 4000 ق.م ) و لذا عرفت بإسم ( حضارة
البداري النحاسية ) و هو ما يعني أن بداية المعادي في الشمال عاصرت تقريبا البداية
الزمنية للحضارة البدارية في الجنوب .
2 – لم يستخرج النحاس
بهذه الكميات الكبيرة في أي منطقة تعدين لا في الجنوب و لا في الشمال فلا دليل على
إستخراج النحاس من الصحراء الشرقية و لا شبه جزيرة سيناء في تلك الفترة الأمر الذي
يرجح إستيراده و بكميات كبيرة من جنوب بلاد الشام التي عرفت كيفية إستخرج النحاس
قبل مصر بفترة زمنية طويلة حيث يبدأ العصر الحجري النحاسي هناك بالأف الخامس قبل
الميلاد ( 5000 ق.م ) 
3 - وجود دفنات حمير متعددة بشكل لافت للنظر
في المعادي إستخدمت غالبا لنقل المنتجات و البضائع التجارية من جنوب الشام و حتى
المعادي من خلال قوافل تجارية إنطلقت من هناك . و رغم أن الحمار ظهر في مصر منذ
العصر الحجري القديم الأعلى ( في رسوم القرطة في كوم أمبو و تؤرخ بداياتها بالأف
الرابع عشر قبل الميلاد 14000 ق.م ) إلا نوعية الحمار الذي ظهر في تلك الفترة
يختلف عن نوعية الحمار الذي ظهر في المعادي ، فحمار العصر الحجري القديم هو الحمار
الوحشي الذي إنقرض من مصر مع تغير الظروف المناخية في بداية العصر الحجري الحديث (
يبدأ في الدلتا بالأف السادس قبل الميلاد 6000 ق.م – و يبدأ في الصعيد بالأف
الخامس قبل الميلاد 5000 ق.م ) و هو ما يفسر لنا خلو الآثار المصرية تماما من شكل
الحمار طوال العصر الحجري الحديث إلى ظهور الحمار المستأنس و بكميات كبيرة في
المعادي . 
4 – إعتبر ت المعادي قنطرة أو حلقة وصل بين
تجارة النحاس في جنوب الشام و البداري في مصر العليا و هو ما يفسر لنا سبب قلة
النحاس في البداري لكونه مركز ثانوي في إستيراد النحاس و يبتعد مكانيا عن المركز
الرئيسي المستورد له في الشمال و هو حضارة المعادي . 
5 – إن التجار الذين قاموا بإستيراد النحاس
من جنوب الشام إستقروا في المعادي و الدليل : ظهور طراز من المساكن لم تعرفها مصر
خلال العصر الحجري الحديث و خلال عصور ما قبل الأسرات و يتمثل في عمل خنادق أو
كهوف تحت الأرض و هو طراز عمارة مدنية كان منتشرا في جنوب بلاد الشام منذ العصر
الحجري الوسيط و الذي يبدأ منذ الأف العاشر قبل الميلاد هناك ( 10000 ق.م ) و كان
هذا الطراز المعماري السكني منتشرا في المعادي و لم يظهر في أي مركز حضاري آخر لا
في الجنوب و لا في الشمال كما لم يظهر في أي فترة زمنية لاحقة من تاريخ الحضارة
المصرية القديمة . 
من جانب آخر ظهرت كذلك دلائل لوجود تبادل
تجاري بين مصر العليا و جنوب بلاد الشام منذ عصر نقادة الثانية حيث ظهر الفخار ذي
المقابض المتموجة و الذي كان صناعة مصرية جنوبية ( من مصر العليا ) في جنوب الشام
و هو ما يدل على إنتقال هذا الفخار من : 1 – الجنوب 2 – إلى مراكز الشمال في مصر
السفلى 3 – و أخيرا جنوب الشام ، و لذا إعتبرت مراكز الشمال حلقة وصل لنقل منتجات
الفخار من جنوب مصر و حتى جنوب الشام . 
لا يفوتنا في هذا الصدد أن نذكر كذلك وجود
أواني حجرية مستوردة من جنوب الشام عثر عليها في مقابر زعماء مدينة بوتو كأثاث
جنائزي و تنتمي زمنيا لبداية عصر نقادة الثالثة ( الذي يبدأ زمنيا بحوالي 3300 ق.م
و هي المرحلة الزنية الأخيرة لعصور ما قبل الأسرات في مصر ) الأمر الذي يؤكد على
بروز هذه المدينة كواحدة من أكبر المراكز السياسية و الحضارية في شمال مصر .
إهتم زعماء و كبار القوم في وادي النيل ( مصر
العليا ) و الدلتا ( مصر السفلى ) منذ عصر نقادة الثانية على أقل تقدير بإحكام
السيطرة على هذه الشبكة التجارية فيما بينهم من خلال التبادل التجاري و عن طريق
وضع اليد و بشكل مباشر على طرق التجارة القصيرة و الطويلة فكان هناك سعيا متواصلا
لإمتلاك المواد الخام التي لم تكن متوافرة لا في الجنوب و لا في الشمال مثل :
النحاس ( المتمثل في سبائكه ) و أخشاب الأرز التي إستوردت من جبيل في لبنان و عثر
عليها في مقابر زعماء الجنوب و بعض الأواني فائقة الجودة التي إستوردت من جنوب
الشام و أحجار كريمة مثل اللازورد حيث عثر عليه في مقابر زعماء مدينة نقادة في
الجنوب منذ عصر نقادة الثانية و لا يمكن أن يأتي إلا من خلال : 1 – مركز تجاري في
شمال بلاد الرافدين 2 – قام ذلك المركز بنقله إلى مركز تجاري آخر في شمال بلاد
الشام 3 - ثم قام هذا المركز الأخير بنقله إلى مركز تجاري في الشام 4 – ثم إنتقل
إلى مركز تجاري في شمال سيناء 5 – ثم إنتقل إلى شمال مصر ( مصر السفلى ) 6 – ثم
جاء أخيرا إلى منطقة نقادة في الجنوب ، و هو ما يعني وجود شبكة تجارية ضخمة في
عصور ما قبل الأسرات تكونت من عدد من المراكز التجارية التي نقلت مواد و مصادر و
أدوات التجارة من مركز لآخر . فضلا عن ذلك وجدت منتجات مجلوبة من الصحراء الشرقية
في مقابر زعماء الجنوب كالذهب و الفضة و ربما كانت الصحراء هنا وسيط تجاري بين
النوبة السفلى حيث و جدت بها أيضا تلك المنتجات و بين مصر العليا و لاسيما و أننا
عثرنا على بخور و جلود فهود و عاج في مقابر زعماء الجنوب و التي تم إستيرادها حتما
من النوبة السفلى . 
إن أهم الإكتشافات الأثرية التي وجدت في
مدينة نقادة في الجنوب هو مادة الأوبسيديان و الذي لم يكن متوفرا إلا في بلاد
الأناضول حيث تم إكتشافها في تلك المدينة منذ عصر نقادة الثانية في مقابر زعمائها
الأمر الذي يعني إنتقال هذه المادة من خلال المراكز التجارية التالية : 1 – جنوب
الأناضول 2 – شمال بلاد الشام 3 – جنوب بلاد الشام 4 – شمال شبه جزيرة سيناء 5 –
المراكز الشمالية في مصر السفلى 6 – و أخيرا مدينة نقادة في الجنوب . 
زاد إهتمام الزعماء و كبار النخبة السياسية
خلال عصر الأسرة صفر و الأسرة الأولى ( و كلاهما ينتمي زمنيا لحضارة نقادة الثالثة
– لمراجعة ذلك أنظر المقال السابق بعنوان دور التفاعل الحضاري بين زعماء الجنوب و
الشمال و أثره في قيام المملكة المصرية ) بالتبادل التجاري الخارجي حيث سعوا
لإحكام قبضتهم على التجارة الإقليمية و لاسيما في مدينة بوتو حيث عثر فيها على
واحدة من أقدم العلامات التصويرية الكتابية التي عبرت في شكل كتابي بسيط عن (
إبحار مراكب خرجت من بوتو و سارت بمحازاة ساحل البحر الأبيض المتوسط ) و ذلك
لإستيراد أخشاب الأرز من جبيل في لبنان حيث تم إستخدامه جزئيا في تشييد بعض عناصر
مقابر النخبة السياسية في بوتو منذ الأسرة صفر و الأسرة الأولى بل و مقابر ملوك
الأسرة صفر في أبيدوس ( حيث تم العثور على بقايا خشب الأرز في مقبرة العقرب في
أبيدوس ) فضلا عن تشييد بعض العناصر المعمارية الدينية من هذه الأخشاب في المعابد
المصرية القديمة و لاسيما الأبواب الخاصة بتلك المعابد أو أكتافها . 
و من هنا يمكن وضع الطرح التالي : أن
المنتجات المستوردة بإسم السلطة الملكية في أبيدوس خلال عصري الأسرة صفر و الأولى
كان يعاد توزيعها على النخبة السياسية في مصر ( زعماء المدن و الأقاليم الأخرى ) و
كان نصيب الأسد في هذا التوزيع يخص من وقع على عاتقه إحضار هذه المنتجات بشكل
مباشر ( مثل أخشاب الأرز في بوتو ) حيث تقوم المدينة الشمالية بإستيراد المنتج من
جنوب الشام و تسلمه إلى جنوب مصر حيث الزعامة الكبرى ثم تعود هذه الزعامة لإعادة
توزيع ذلك المنتج على النخبة السياسية في مصر مع الوضع في الإعتبار أن الأولوية
ستكون لزعيم المدينة الذي باشر بنفسه عملية إحضار ذلك المنتج . و ما يرجح ذلك
الطرح السابق هو وجود منتجات أجنبية في مقابر كبار الأفراد و النخبة السياسية في
جبانة سقارة خلال عصر الأسرات ( صفر و الأولى و الثانية ) حيث باشر زعماء منف
المحليين بأنفسهم على التجارة الخارجية بشكل مباشر مما أدى لوجود نصيب الأسد من
هذه المواد التجاري في مقابرهم بل و قاموا بمنح بعض هذه المنتجات التجارية لصغار
الموظفين الذين دفنوا في جبانة حلوان ( شرق منف ) مما يشير إلى تعميم الفائدة
التجارية و الإقتصادية و تحديدا في منف على السكان الذين عاشوا في تلك المدينة
الكبرى و هو أمر لم نشهده في مقابر صغار الموظفين في أي مدينة مصرية أخرى معاصرة
زمنيا لها و هو ما يجعلنا نرجح الحقيقة التالية و هي : أن منف كانت أكبر مركز
تجاري خلال عصر الأسرات ( صفر و الأولى و الثانية ) و أغنى مدينة في مصر من
الناحية الإقتصادية . 
و لعل أهم المقابر التي دلت على وجود مثل هذه
السيطرة التجارية على طرق التجارة الطويلة هي مقبرة الزعيم أو الملك ( العقرب ) –
و هو الملك قبل الأخير في عصر الأسرة صفر و تؤرخ هذه المقبرة بحوالي 3030 ق.م و
ترجع للنصف الأول لعصر نقادة الثالثة أو نهاية عصور ما قبل الأسرات - في أبيدوس و
التي إحتوت على بطاقات عاجية متعددة سجلت عليها علامات تصويرية لحيوانات و رموز
مقدسة كانت بمثابة أسماء لمعبودات الجنوب و الشمال . و هنا يجب علينا أن نشير إلى
مجموعة من الحقائق الهامة عند الحديث عن مقبرة العقرب و هي : 
1 – لم تكن معظم هذه العلامات التصويرية
المكتشفة على البطاقات العاجية و الأواني الفخارية و الحجرية تدل على قيم صوتية ،
فهي علامات تختلف تماما عن شكل العلامات التصويرية التي بدأت في الظهور و بشكل
بسيط منذ عصر نعرمر أي أنها تختلف عن شكل الكتابة المصرية المعروفة خلال بداية عصر
الأسرات المبكر و التي تطورت فيما بعد في عصر الدولة القديمة . 
2 – كشفت بعض هذه العلامات التصويرية عن
أشكال لمعبودات في الجنوب و الشمال كما دلت من جانب آخر على أسماء منتجات تجارية و
ذلك بتصويرها بشكل مباشر و بما تدل عليه في هيئة مباشرة في عالم الطبيعة . 
3 – تركز هذه المنتجات التجارية و بكميات
كبيرة جدا في مقبرة العقرب في أبيدوس و بشكل لم تنافسه فيه أي مقبرة في الجنوب أو
في الشمال يدل على وجود مركز إداري ملكي في أبيدوس أغنى و أقوى من المراكز
السياسية الأخرى في الجنوب و الشمال . 
4 – تم إكتشاف أواني حجرية مستوردة من جنوب
الشام في مقبرة العقرب الأمر الذي يعكس وصولها إلى هناك من خلال وساطة تجارية
تمثلت عمليا في سلطة زعماء المراكز و الممالك السياسية الكبرى في الدلتا و لاسيما
بوتو التي أشرفت على إحضار تلك المنتجات بل و إستفادت منها حيث عثر عليها في مقابر
زعماء بوتو في الشمال و هو ما يرجح : عدم وجود قناة إتصال مباشر بين السلطة
الملكية في مصر العليا و بين جنوب الشام إلا من خلال الوساطة التجارية عبر الشمال
و هو ما يؤكد أن هذه المراكز الشمالية لم تفقد أهميتها السياسية أو الحضارية حتى
بعد وجود زعامة ملكية كبرى في أبيدوس . 
5 – يدل ما سبق أن التحكم في مصادر الإنتاج و
السيطرة على الطرق التجارية الخارجية الطويلة كان أحد العوامل البارزة في قيام و
نشأة سلطة ملكية إعتمدت في عملها التجاري على نخبة سياسية من زعماء الجنوب و
الشمال و ذلك لتحقيق أهدافها في مقابل منح هذه النخبة جزءا من العطايا و الهبات و
المنح الملكية .
 و من
جانب آخر نشير هنا إلى أحد أهم الألقاب التي عبرت عن أهمية التجارة بالنسبة
للملكية المصرية القديمة هو لقب – حامل الختم الملكي – و الذي ظهر صراحة و بشكل
مباشر منذ بداية عصر الأسرة الأولى ، فهو لقب إداري و تجاري يدل على أن صاحبه كان
المشرف الأول على التجارة الخارجية و الداخلية و المفوض بإسم الملك للقيام بهذه
المهمة . و مما هو جدير بالملاحظة أن عدد كبير من الأختام الملكية تم العثور عليها
في مقابر في جبانة طرخان ( 40 كم جنوب منف ) و مقابر جبانة حلوان هناك و تؤرخ بعصر
الأسرة صفر مما يكشف عن وجود أكثر من مشرف على التجارة الخارجية و الداخلية خلال
عصر الأسرة صفر و الذين كانوا مفوضين لممارسوا هذه التجارة بأسماء زعماء مملكة
أبيدوس الكبرى في الجنوب و كانوا مستقرين في منطقتين : مدينة حلوان ( الحد الشمالي
الشرقي لمنف ) و مدينة طرخان ( الحد الجنوبي لإقليم منف ) . و إلى هنا يكتفي
الدارس بما عرضه من أطروحات في دراسته و ينتهي الجزء الأول لهذا المقال و يليه في
وقت لاحق الجزء الثاني بإذن الله        

الجمعة، 31 مايو 2013

منظر لطبق يرجع لعصر نقادة الأولى


منظر لطبق يرجع لعصر نقادة الأولى


 ( المرحلة الأولى لعصور ما قبل الأسرات في مصر - تمتد من 3900 ق.م و حتى 3600 ق.م و يؤرخ هذا الطبق بحوالي 3700 ق.م ) و ظهر فيه تصوير الأسد في منتصف الطبق وسط مجموعة من التلال ذات الهيئة المثلثة . و يمكن إلقاء بعض الضوء على هذا الطبق و ماظهر عليه من رسوم هامة من خلال الملاحظات التالية : 1 - غلب على فخار نقادة الأولى الرسوم التخطيطية البيضاء و هو ما يمكن ملاحظته في رسوم الطبق . 2 - كانت التلال المثلثة الشكل يتم تصويرها عند أطراف الأواني و الأطباق و هي خاصية فنية مميزة لرسوم الفخار في عصر نقادة الأولى . 3 - غلب على تصوير هذا الطبق الشكل النجمي كشكل هندسي حيث برز هذا الشكل من خلال تصوير 7 مثلثات ( تلال ) على أطراف الطبق . 4 - تمكن فنان نقادة الأولى من رسم الأسد في لون أبيض و بملامح بسيطة تمتاز بطابع أقرب للتجريد إلا أنه أراد أن يسلط عليه الضوء بوضعه في بؤرة الطبق . 5 - ظهرت تمائم على هيئة الأسد تم تشكيلها جيدا ، و كشف عنها في نقادة و الجبلين ، و تؤرخ بنهاية عصر نقادة الأولى ( نهاية المرحلة الأولى لعصور ما قبل الأسرات في مصر ) و بداية عصر نقادة الثانية ( بداية المرحلة الثانية لعصور ما قبل الأسرات - و تمتد من 3600 ق.م و حتى 3300 ق.م ) و قد نحتت من مواد مختلفة : الحجر الجيري - السربنتين الأخضر - و العقيق . 6 - لعل حامل هذه التمائم أراد أن يكتسب قوة الأسد و ربما درءا لشره . 7 - إن حيوان الأسد في هذا الطبق قد تم إعتباره منذ عصر نقادة الأولى رمزا من رموز الديانة الشمسية ( قارن ذلك بطبق نقادة الشهير بشمس المشرق و شمس المغرب و المنشور في جميع الجروبات ) . 8 - إن فنان نقادة هنا قام بإستبدال شكل الشمس الذي كان يظهر على فخار نقادة الأولى بعلامة الأسد و لذا فإن الطرح الأكثر إحتمالية هو : أن كل تلين ( مثلثين ) يشكلان مع بعضهما الأفق و أن الأسد هنا الشمس . 9 - إن أطراف الطبق و التي يظهر عليها الأشكال المثلثة ( التلال ) هي تعبير رمزي عن حدود الكون الذي تشرق فيه و تغرب منه الشمس أو بمعنى أدق هي تعبير عن أرض وادي النيل كما أن شكل الأسد هنا يجسد مركز بؤرة هذا الكون . 10 - بما أن تصوير الأسد و إرتباطه بديانة الشمس قد ظهر في نقادة فذلك يدل على وجود أنصار و أتباع للديانة الشمسية في جنوب مصر منذ عصر نقادة الأولى على أقل تقدير و في ظل غياب تصوير الأسد حتى الآن من أي أعمال فنية في الشمال ، فإن التساؤل الذي يطرح نفسه : أين كان المركز الرئيسي للعبادة الشمسية في تلك الفترة ؟ هل كان في الجنوب خلال عصر نقادة الأولى ؟ ثم إنتقل لعين شمس في شمال شرق الدلتا في مرحلة متأخرة من عصور ما قبل الأسرات ؟

منظر لتميمة على هيئة صقر من الرصاص ترجع للنصف الثاني من عصر نقادة الثانية


منظر لتميمة على هيئة صقر من الرصاص ترجع للنصف الثاني من عصر نقادة الثانية - ( من 3450 ق.م إلى 3400 ق.م )


 في المتحف الأشمولي و إرتفاعها 2,7 سم و الصقر هنا ذي جسم قوي و صدر عريض و رأس كبير و منقار قصير معقوف و أطراف قوية و أرجل قصيرة و هو هنا يظهر الصقر في الهيئة الإصطلاحية أو الوضع العتيق الذي يبدو فيه الصقر كما لو كان محنطا ، و طاويا ساقيه تحته و لذا فهناك تساؤل هام : هل الصقر هنا في عصر نقادة الثانية من الممكن أن يعتلي قمة سرخ ( واجهة القصر ) خلال عصر نقادة الثانية ؟ 
التميمة هنا غير كاملة و لكنها تستمد أهميتها من خلال الحقيقة التالية : 
هي أقدم عمل فني معدني في مصر حيث تم تشكيلها من الرصاص - و ليس من الفضة - و هو متوفر في الصحراء الشرقية مما يشير لسيطرة المصري القديم على تلك المنطقة في عصور ما قبل الأسرات و تمكنه من إستخراج المعادن بل و تشكيل تمائم منها .
و ربما طرقت التميمة و ثبتت على نواة من الحجر و الخشب . إن بوادر و إرهاصات تمثيل الصقر في عصور ما قبل الأسرات نجدها فيما يلي : 
1 - ظهور الصقر على رسوم الفخار و منذ عصر نقادة الأولى ( المرحلة الأولى لعصور ما قبل الأسرات ، و تمتد من 3900 ق.م و حتى 3600 ق.م ) 
2 - ظهر الصقر و هو متوجا على بعض ألوية المراكب المصورة في مناظر الفخار الملون و بعض النقوش الصخرية منذ عصر نقادة الثانية ( المرحلة الثانية لعصور ما قبل الأسرات و تبدأ من 3600 ق.م و حتى 3300 ق.م ) الأمر الذي يؤكد إتخاذه كمعبود بشكل مؤكد منذ تلك الفترة . 
3 - و في عصر نقادة الثالثة و الأسرة صفر ( آخر مراحل عصور ما قبل الأسرات و تبدأ من 3300 ق.م و حتى 3000 ق.م ) ظهر الصقر رابضا أعلى بعض الصلايات بل و ظهر و هو يعتلي السرخ على بطاقات عاجية . 
4 - يعتبر السرخ هنا مدخلا بين عالم الآلهة و الموتى و عالم الأحياء كما أن تمثيل الصقر على السرخ يعبر كذلك عن حور إله السماء و العرش الملكي و يتضمن السرخ إسم الملك الحي و هو تجسيد لحور السماء على الأرض . 
5 - يرى الدكتور أحمد سعيد في أطروحته الخاصة برسالة الدكتوراة باللغة الألمانية أن الصقر كان يعتبر رمزا مقدسا للمصريين القدماء في عصور الترحال خلال العصور الحجرية القديمة و قبل إستقرارهم في وادي النيل خلال العصر الحجري الحديث حيث تم إعتباره شكلا مقدسا يتيمن به البدو و الصيادين في صحرواي مصر الشرقية و الغربية خلال رحلاتهم الخاصة بصيد الحيوانات . 
6 - من جانب آخر لاحظ المصري القديم خلال عصور الترحال ( العصور الحجرية القديمة ) و خلال عصور الإستقرار ( العصر الحجري الحديث و عصور ما قبل الأسرات ) أن الصقر يتميز بالخصوبة و سرعة الطيران إلى إرتفاعات شاهقة تقترب من الشمس المحرقة ( و هو ما سيؤهله للإرتباط الديني الوثيق بالديانة الشمسية خلال عصر الأسرة صفر عندما عبر زعمائها عن أنفسهم من خلال مفردات الديانة الشمسية فضلا عن إنتماء معظمهم للصقر حور السماوي ) و سرعة الإنقضاض على الفريسة و من هنا إقترن بعالم السماء و تم تسميته بالعالي أو المرتفع من خلال المنطوق اللفظي ( حر - hr ) . 
7 - تعد هذه التميمة واحدة من تمائم نذرية و أدوات شعيرة مقدسة للصقر حور . 
8 - عثر على هذه التميمة في المقبرة رقم 721 في نقادة و لاشك أن هذا الإكتشاف يلفت إنتباهنا للحقيقة التالية : وجود تميمة للصقر في منطقة نقادة التي كانت تعتبر المركز الرئيسي لعبادة الإله ( ست ) هو أمر يدل على وجود أنصار لهذا المعبود في نفس مركز عبادة ( ست ) في عصور ما قبل الأسرات في مصر و أنه لم يكن هناك أي صراع بين ( حورس ) و ( ست ) في تلك الفترة على الإطلاق فقد تم تقديسهما مع بعضهما البعض في ذات المكان و أن الأسطورة الخاصة بوجود صراع بينهما لن تظهر إلا في العصور التاريخية أما هنا في مرحلة ما قبل الأسرات لا يوجد أي دليل أثري على وجود ذلك الصراع الأسطوري و ذلك على النقيض مما تصوره بعض علماء المصريات مثل إلكسندر موريه و كورت زيته و شتادلمان و غيرهم حيث قاموا برد الجذور الأولى لهذا الصراع لمرحلة ما قبل الأسرات . 
هناك تساؤل هام : هل شكل هذه التميمة يعكس وجود وجود إحتفالات دينية وهياكل أو معابد صغيرة للصقر حور لاسيما و أن التمثيل الفني هنا تشابه مع ألوية المعبودات التي ظهرت على رسوم فخار عصر نقادة الثانية ؟ و هل كان المركز الرئيسي لعبادة الصقر حور في نقادة حيث كثرت هناك تمائمه و صوره و رموزه على رسوم الفخار أم كان في نخن حيث كان من المفترض وجود المعبد الرئيسي له هناك ؟ هل إنتقل المركز الرئيسي لعبادة الصقر حور من نقادة في عصر نقادة الثانية إلى نخن في عصر نقادة الثالثة و الأسرة صفر ؟

منظر لخاتم من العظم يرجع لبداية عصر نقادة الثانية


منظر لخاتم من العظم يرجع لبداية عصر نقادة الثانية


 ( المرحلة الثانية لعصور ما قبل الأسرات و تبدأ بحوالي 3600 ق.م ) و هو في المتحف الأشمولي و تم إكتشافها في المقبرة رقم 1480 من نقادة . و قد تم تشكيل الخاتم في هيئة أسدين متواجهين يحصران بينهما فراغا مستديرا . ما هو المغزى من هذا التصوير الفني ؟ يمكن إدراك المغزى الديني لشكل الخاتم في إطار إعتبار الأسد من رموز الديانة الشمسية حيث أنه واحد من الحيوانات الصديقة للشمس و على إعتبار أن الأسدين يقومان بحماية قرص الشمس ( و هو هنا الفراغ المستدير ) و لاشك أن ذلك التصوير يكشف عن دور الأسود في حماية الشمس وفقا لمعتقدات ديانة الشمس في عصور ما قبل الأسرات و كذلك من خلال ما ظهر على صلايات عصر نقادة الثالثة ( التي تبدأ من حوالي 3300 ق.م ) و الأسرة صفر ( التي تبدأ من حوالي 3150 ق.م ) حيث تم تصويرها و هي تهاجم حيوانات أعداء الشمس في إطار التعبير عن الدعاية السياسية للملكية الناشئة خلال عصر الأسرة صفر و قد إستمرت فكرة التعبير عن الأسد كحامي للشمس خلال العصور التاريخية ( راجع دور الأسد كحام للأفقين في الفصل رقم 17 من كتاب الموتى في عصر الدولة الحديثة ) . كما وجد في مقبرة الزعيم في نخن في نهاية عصر نقادة الثانية تمثيل لأسدين يحيطان برجل و هما لاشك يعبران عن الأفقين . ربما جاء إرتباط الشمس بالأسد بإعتباره أقوى حيوانات البر و لتصور المصري القديم منذ عصور ما قبل الأسرات أن الشمس تشرق من كهف شرقي يحميه أسد و تغرب في كهف غربي يحميه أسد و هو أمر يعود لمشاهدته للأسود فوق تلال الأفقين الشرقي و الغربي مما أدى في نهاية المطاف لتصوير الآقر ( أسدي الآقر ) في العصر العتيق في هيئة أسدين متدابرين يحصران قرص الشمس

دور التفاعل الحضاري بين زعماء الجنوب و الشمال و أثره في قيام المملكة المصرية

دور التفاعل الحضاري بين زعماء الجنوب و الشمال و أثره في قيام المملكة المصرية - طرح آخر حول توحيد مصر السياسي


في البدايات الأولى لعلم المصريات نشأ إعتقاد
بين الباحثين يتمثل في وجود مملكتين واحدة في الجنوب و أخرى في الشمال و لاسيما في
عصر ما قبيل الأسرات و أن سكان الجنوب و هم كانوا في الأصل يمتهنون حرفة الصيد
قاموا بالإستيلاء على أراضي المزارعين في الشمال بعد إقامة معارك ضارية معهم إنتهت
بعمل توحيد سياسي و ثقافي للبلاد و إعلان المملكة المصرية الموحدة تحت حكم الملوك
الثينيين الذين دفنوا في أبيدوس . و ذهب العالم الألماني فيرنر كايزر بطرح هام و
هو : وجود ثقافة جنوبية أطلق عليها تسمية ثقافة نقادة و إعتبر هذه الثقافة ممتدة
نحو الشمال فيما يعرف بإسم ( التوسع الثقافي النقادي ) و إعتبر ذلك التوحد الثقافي
الذي كان مبادرة حضارية جنوبية هو الأساس الأول الذي مهد لقيام الوحدة السياسية في
مصر خلال ما يسمى بعصر الأسرة صفر . 
يهدف هذا المقال لإعادة النظر في مفاهيم : (
ثقافة نقادة الجنوبية ) و ( التوسع الثقافي النقادي ) و ( الوحدة الثقافية المطلقة
بين الجنوب و الشمال ) و ( الوحدة السياسية المطلقة أو أحادية المركز ) كما نشير
هنا بعد إعادة رصد و تحليل المعطيات الأثرية الخاصة بعصور ما قبل الأسرات و حتى
بداية عصر الدولة القديمة إلى حقيقة هامة و هي : أن تطور تكوين الدولة في مصر لم
يتبع خط موحد و لم يتبع سرد منتظم للأحداث كما كان يعتقد العديد من الباحثين من
قبل و لكنها كانت وحدة سياسية بالغة التعقيد بدأت منذ نهاية عصر نقادة الثانية (
أواخر المرحلة الثانية من عصور ما قبل الأسرات و تؤرخ بحوالي 3300 ق.م ) و تنتهي
عند بداية عصر الدولة القديمة على أقل تقدير . 
و ينبغي هنا أن نشير إلى أن المصادر المصرية
في العصور التاريخية ساعدت و لاشك على تكوين تصور بأن مصر قبل الوحدة السياسية
كانت تنقسم لمملكتين في الجنوب و الشمال فهذا هو ما أشارت إليه أساطير نصوص
الأهرام ثم توحدت المملكتان تحت زعامة ملك واحد أطلقت عليه الوثائق الرسمية
الكهنوتية لأول مرة إسم ( مينا – مني ) في نهاية عصر الإنتقال الثاني . و ما ساعد
على تكوين هذه الصورة هو صلاية نعرمر التي ظهر فيها ملك من الجنوب بالتاج الأبيض و
هو يقمع عدو من الشمال . و مع ذلك فلا يجب إعتبار هذه الصلاية مصدر لوقائع تاريخية
ذات معنى حقيقي أو حتى إعتبارها تحوي إشارة لغزو الشمال و هو ما سبق و أن تناوله
الدارس في مقال منفصل سابق عن صلاية الملك نعرمر و منشور في جميع الجروبات حيث كشف
عن الجانب الأيدولوجي و الشعائري لمناظر الصلاية التي لا تتناول واقعة غزو أو
إنتصار عسكري جنوبي ضد الشمال . 
هناك أمر هام يمكن لنا أن نستشفه من آثار
عصور ما قبل الأسرات في الجنوب و هو : لا يوجد حتى الآن أي دليل على وجود مملكة
موحدة في مصر العليا تحت قيادة زعيم واحد تمكن من إخضاع جميع أقاليم أو كل ممالك
الجنوب في عصر الأسرة صفر و من جانب آخر لا يوجد برهان مادي على وجود هيكل سياسي و
إقتصادي يسمح بعمل حروب طويلة الأمد للإستيلاء على أراضي شاسعة تمتد من الجنوب حتى
الشمال و ذلك على النقيض مما تصوره فيرنر كايزر الذي خرج بطرح علمي يتمثل في وجود
تخطيط عسكري منظم و متطور من زعماء الجنوب الذين زحفوا عسكريا و سياسيا و حضاريا
نحو الشمال . 
هناك مجموعة من النتائج ينبغي لنا هنا أن
نشير إليها عند تناولنا لفترة توحيد البلاد سياسيا و ما سبقها زمنيا من أحداث هامة
تتمثل فيما يلي :
1 – لم تشير مصادرو آثار ما قبل الأسرات و
حتى قيام الأسرة الأولى إلى أي شيء يكشف عن وجود مملكتين منفصلتين عن بعضهما البعض
فلم يأتي هذا التصور إلا بعد قيام الأسرة الأولى و ظهر لأول مرة طقس سما تاوي (
تناول الدارس من قبل هذه الشعيرة في مقال سابق منشور على معظم الجروبات ) على حجر
بالرمو التي أشارت إلى حور عحا بوصفه أول ملك يقيم هذه الطقسة . 
2 – ينتمي جميع المصريين إلى نسب ( نيوليتي )
واحد أو بمعنى أدق ترتد الجذور العرقية للمصري القديم الذي تواجد في وادي النيل
طوال عصور ما قبل الأسرات إلى العصر الحجري الحديث ( الذي يبدأ في وادي النيل
تقريبا منذ الألف السادس قبل الميلاد ) فلم يكن هناك فارق عرقي بين إنسان الجنوب و
إنسان الشمال بل و يمكن القول بأن المصريين تعارفوا على بعضهم البعض و لفترة طويلة
من الزمن في صحراوي مصر الشرقية و الغربية خلال العصور الحجرية القديمة و قبل
إستقرارهم في وادي النيل مع بدايات العصر الحجري الحديث . 
3 – وجود إتصالات حضارية و تجارية متبادلة
بين أقاليم و مراكز و ممالك الجنوب و الشمال طوال عصور ما قبل الأسرات مما أدى
لإنتشار بعض المنتجات التجارية و الأفكار و المعتقدات و المفاهيم الدينية هنا و
هناك دون أن يعني ذلك بالضرورة أن ثقافة نقادة الجنوبية حلت محل ثقافة حضارات و
مراكز الشمال و العكس صحيح في نهاية عصور ما قبل الأسرات . 
4 – نشأ و نما و تطور كل إقليم في الجنوب و
الشمال بمعزل عن الإقليم الآخر ، فالنشأة الأولى خرجت من داخل كل إقليم في البلاد
، مما يعني أن التبادل الحضاري و التجاري الموجود الذي كان موجودا بينهم لا يعني
إلغاء التميز و الإستقلالية الثقافية لكل إقليم . 
5 – إن الحديث عن وجود تجانس ثقافي مطلق و
كامل بين مراكز و ممالك الجنوب خلال عصور ما قبل الأسرات هو أمر يحتاج لإعادة نظر و
لاسيما بعد إكتشاف عادات دفن و تقاليد مختلفة و أثاث جنائزي متباين و متنوع بين
ممالك أبيدوس و نخن و نقادة في الجنوب مما يؤيد فكرة التميز الإقليمي و إستقلالية
الثقافة في كل إقليم منهم طوال عصور ما قبل الأسرات و هو ما يلقي ظلالا كبيرة من
الشك حول جدوى مصطلح ( الثقافة النقادية الجنوبية ) الذي إبتكره فيرنر كايزر .
6 – إن أحد الأدلة التي تؤكد على عدم إحلال ثقافة
الجنوب محل ثقافة الشمال في نهاية عصور ما قبل الأسرات هو ما تم إكتشافه في منشأة
أبو عمر ( شمال شرق الدلتا ) حيث وجد عدد كبير من أواني الفخار المحلي و المصنوع
في ورشة محلية شمالية كما أن معظم المقابر هناك إحتوت على آنية واحة فقط في كل
مقبرة تقريبا مستوردة من الجنوب ( و هو الفخار ذو المقابض المتموجة ) كدليل على
وجود تبادل تجاري بين منشأة أبو عمر في أقصى شمال شرق الدلتا و بعض الممالك
الجنوبية آنذاك و من ناحية إختلفت عادات الدفن و تقاليد وضع الموتى و الأثاث
الجنائزي في تلك المنشأة عن نظيرتها في مراكز و ممالك الجنوب منذ عصر نقادة
الثانية و حتى نهاية العصر العتيق الأمر الذي يؤكد مرة أخرة على وجود ( تعدد
للأنماط الثقافية بين مراكز الجنوب و الشمال ) و أن مفهوم ( توسع و إمتداد ثقافة
نقادة الجنوبية نحو الشمال ) لا يخلو من شك كبير .
من هنا يمكن طرح نتيجة هامة بعد إستعراض ما
سبق و هي : 
نشأت و تطورت أقاليم و مراكز و ممالك مصر في
الجنوب و الشمال بشكل تدريجي و من داخلها ، حيث إعتمدت كلا منها على موقعها
الجغرافي و ظروفها البيئية و المناخية و تأثرت كل منها بالأخرى و لكن ( بشكل جزئي
) و ( ليس كلي ) و كان كل إقليم له بلاشك إتصالاته الحضارية و التجارية بالأقاليم
الأخرى الأمر الذي ساعد على إنتشار بعض المنتجات و المعتقدات الدينية هنا و هناك (
بشكل جزئي ) فعلى سبيل المثال وجدت المعبودة نيت و التي كان مركز عبادتها الرئيسي
في سايس بالشمال على رسوم فخار مركز نقادة في الجنوب منذ عصر نقادة الثانية على
أقل تقدير الأمر الذي يشير لعبادتها هنا و هناك في نفس الفترة الزمنية كما يرجح من
جانب آخر وجود علاقة نسب و مصاهرة بين عائلة سايس في الشمال و عائلة نقادة في
الجنوب ؟ 
و من جانب آخر يمكن القول بأن طبيعة و بيئة
أرض الجنوب تميزت عن طبيعة و بيئة أرض الشمال ، فعلى سبيل المثال وجود الصحراء
الشرقية بالقرب من الصعيد و إقتراب وديان الجنوب من مصادر الثروات المعدنية ، أدى
سهولة الإنتقال إليها من جانب زعماء ممالك الجنوب الأمر الذي ساعد على إثراء
الجنوب و هذا ما يفسر لنا لماذا كانت مقابر الجنوب أغنى من مقابر الشمال طوال عصور
ماقبل الأسرات في مصر ؟ كما يفسر لنا لماذا كانت بضائع و منتجات الجنوب نادرة و
قليلة في الشمال ؟ فلا شك أن إستيراد مثل هذه المنتجات من الجنوب كان غالي الثمن و
من ناحية أخرى نجد أن تعدد الفروع المائية و القنوات في الشمال أدى إلى خلق صعوبة
إتصال بين مراكز الشمال نفسها بل و صعوبة وصول هذه الممالك إلى مصادر الثروة
المعدنية في الصحراء الشرقية و الغربية . و هنا يمكن لنا أن نخرج بنتيجة هامة و هي
أن الشمال لم يكن أكثر ثراءا من الجنوب كما
تصور فيرنر كايزر و العديد من الباحثين و لهذا السبب تنتفي فكرة غزو زعماء الجنوب
لأرض الشمال خلال عصر الأسرة صفر بدافع السيطرة على ثروات أرض الشمال التي كانت
أغنى من أرض الجنوب و هو التصور الذي نادى به من قبل عدد لا بأس به من الباحثين . 
و عند هذه النقطة تحديدا يتسائل الدارس عن
مدى إحتمالية وجود منافسة تجارية بين بعض زعماء ممالك الجنوب خلال عصر نقادة
الثانية تحديدا أدى إلى قيام بعض المناوشات العسكرية الصغيرة بسبب محاولات السيطرة
على طرق و مصادر التجارة في الصحراوين الشرقية و الغربية و في النوبة السفلى ؟ و
هو ما يمكن لنا أن نستمده من أكثر من دليل و هم : 
1 – تصوير الزعيم في مقبرة نخن لأول مرة و هو
يقوم بضرب ثلاثة أعداء بمقمعته على جدران مقبرته في نهاية عصر نقادة الثانية .
2 – تصوير الزعيم في نسيج منطقة الجبلين ( في
متحف تورينو ) و هو منتصر على زعيم آخر تم تصويره بمفرده على مركب مستقل و هو موثق
الأيدي كأسير في نهاية عصر نقادة الثانية . 
3 – ظهور زعيم أبيدوس و لأول مرة و هو يمسك
بمقمعة على فخار أبيدوس ( معروض في المتحف المصري ) و ينتمي زمنيا لنهاية عصر
نقادة الأولى و ربما يشير هنا لإنتصاره في معركة ما . 
تطورت و نمت أقاليم و ممالك و مراكز الجنوب و
الشمال في عصر نقادة الثالثة ( آخر مراحل عصور ما قبل الأسرات التي تبدأ من 3300
ق.م تقريبا ) و زادت العلاقات التجارية و الحضارية بينهم كما زادت علاقات النسب و
المصاهرة بين كبرى عائلات زعماء الجنوب و الشمال مما أدى لظهور هياكل سياسية و
إقتصادية قوية عبرت عن نفسها لأول مرة من خلال تصوير ( السرخ – أو واجهة القصر )
الذي عبر عن مكان إقامتهم في أماكن مختلفة في أقاليم الجنوب و الشمال ، فكان كل
سرخ فارغ ( لا يحتوي في داخله على أي علامات تصويرية أخرى ) يعبر عن مملكة سياسية
و دينية صغيرة قائمة بذاتها و مستقلة عن الممالك الأخرى . 
إن وجود السرخ الفارغ في مناطق و مراكز
مختلفة في الجنوب و الشمال يعكس أمرا هاما و هو : إتفاق هؤلاء الحكام على أولى
العلامات التصويرية الكتابية في صيغة و شكل فني معين و متفق عليه في ذلك الوقت و
أنهم أوحوا لبعضهم البعض في إطار حلقة التفاعل الحضاري و السياسي فيما بينهم بهذا
الشكل التصويري المعبر عن السيادة و الزعامة دون أن يكون هناك زعيم واحد مسيطر
سياسيا و بشكل كامل على الزعماء الآخرين فقد تبادلوا تصوير السرخ فيما بينهم داخل
محل إقامتهم ربما لكي يعبروا عن وجود ( إئتلاف سياسي متعدد المراكز ) نتيجة لوجود
تبادل تجاري و صلات حضارية و علاقات نسب و مصاهرة مشتركة بينهم جميعا
و قد تكرر هذا الأمر مرة أخرى عندما قام
بعضهم ربما في مرحلة لاحقة بتصوير صقرين متقابلين على واجهة سرخ فارغ ينظران
لبعضهما البعض و هو تصوير إنتشر في مراكز الجنوب و الشمال على الأواني و الصلايات
و الفخار لكي يعكس نتائج هامة و هي : 
1 - أن الزعيم هنا هو تجسيد لصقرين و هما صقر
الجنوب و صقر الشمال بصرف النظر عن مكان منشأ هذا الزعيم .
2 – أن الصقر هو أكبر معبود ديني و سياسي في
البلاد إنتسب إليه هؤلاء الزعماء لكي يعبروا عن أصلهم الإلهي و منشأهم السماوي و
لكي يدللوا من جانب آخر على شرعية حكمهم داخل أقاليمهم و دون أن تعبر هذه العلامة
بالضرورة عن وجود زعيم قد تمكن من الهيمنة على جميع الممالك الأخرى 
3 - 
إنتشرت هذه العلامة في مراكز الشمال أكثر من الجنوب ، فلم توجد في الجنوب
إلا في منطقة واحدة و هي أبيدوس بينما إنتشرت في مناطق متعددة في الشمال مثل منشأة
أبو عمر و جرزة و طرخان و بوتو و سايس و حلوان و غيرها من المناطق الشمالية الأخرى
4 – عكس وجود هذه العلامة بداية نشأة أسطورة
حورس منذ عصر الأسرة صفر على أقل تقدير و التي تتمثل في أن حورس الملك كان قد حكم
الأرضين ( و لنتذكر هنا شكل العلامة : الصقران في مواجهة بعضهما البعض فوق السرخ
الفارغ ) في فترة زمانية عتيقة فقد كان هو أول ملوك مصر الشرعيين . 
5 – وجود الصقر مرتان فوق السرخ لا يعبر عن
وجود مملكتين بل يشير هنا إلى أرض الوادي و أرض الدلتا و مفهوم الإزداوجية الفنية
و الدينية المستمدة من البيئة المصرية منذ عصور ما قبل الأسرات و التي تتمثل في
وجود شمس و قمر – شروق و غروب – نهر النيل و الصحراء – سماء و أرض .. إلخ . 
و في هذا الصدد نذكر هنا واحدة من أهم وثائق
عصر الأسرة صفر و المتمثلة في مقبض سكين متحف المتروبوليتان و التي صورت مجموعة من
الزعماء و يمسكل كل واحد منهم بعلامة الحقا ( عصا الراعي التي تدل على الزعامة ) و
هم يتجهون ناحية واجهة قصر و قد تم تصوير مجموعة من الأسرى تحتهم و هم موثوقي
الأيدي و يتم إقتيادهم حيث يتجهون ناحية ذلك القصر . 
إن مقبض سكين المتروبوليتان يكشف عن حقائق
هامة تتمثل فيما يلي :
1 – إعتراف مباشر و صريح بوجود زعامات سياسية
متعددة بدليل تصوير كل واحد منهم بعلامة الحقا . 
2 – وجود هدف مشترك بين هؤلاء الزعماء ربما
في إطار إتفاق سياسي و ديني للقضاء على أي معارضات أو مناوئات ضدهم و لذا تم تصوير
مجموعة الأسرى أسفلهم . 
3 – سيعرف هؤلاء الزعماء بإسم الشمسو حور (
أتباع الإله حورس ) و الذين تم تصويرهم على صلاية صيد الأسد التي تنتمي لعصر
الأسرة صفر على مجموعتين حيث تم تصوير كل واحد منهم بشارات السلطة و السيادة (
علامة الحقا و الفأس و الريشة فوق الرأس و الذيل و اللحية ) و هم في صحبة صقر
الجنوب و صقر الشمال لكي يصطادوا أسدا غالبا في أرض الدلتا . 
4 - 
إن إتجاه هؤلاء الزعماء ناحية القصر يعكس وجود زعامة كبرى لأول مرة في عصر
الأسرة صفر ، إلا أن هذه الزعامة الكبرى لم تلغي فعالية أو سيادة الزعماء المحليين
الآخرين و بمعنى آخر لم يكن هذا التحالف يعبر عن وحدة سياسية مطلقة أو أحادية
المركز بل هي وحدة متعددة المراكز . 
بقي لنا أن نقول أن هذه الوحدة المتعددة
المراكز نشأت تحت مظلة زعامة جنوبية كبرى و لاسما و أن آخر الملوك المعروفين في
عصر الأسرة صفر دفنوا في جبانة أبيدوس و هم ( إري حور و كا و العقرب و نعرمر ) و
لا ندري حتى الآن بشكل قاطع و مؤكد الظروف التاريخية التي أدت لظهور تلك الزعامة
الكبرى ذات المنشأ الجنوبي و كيفية تقبلها من جانب الأقاليم الأخرى ؟ 
و لعل ما سبق يفسر لنا إصرار بعض ملوك الأسرة
صفر مثل العقرب و نعرمر على تصوير أنفسهم في صحبة حكام و آلهة الأقاليم الأخرى (
الشمسو حور ) على آثارهم المتعددة ، فالملك لا يكتسب شرعيته كحاكم إلا من خلال
كبرى عائلات الجنوب و الشمال أو بمعنى أدق من خلال آلهة الأقاليم في الجنوب و
الشمال ، فحاكم الإقليم هنا هو أحد أتباع حورس ( الشمسو حور ) الذي يؤكد على منح
البيعة و الشرعية للملك الحاكم من خلال معبود الإقليم الذي ينتمي إليه . و قد
تبلورت تلك الفكرة عمليا في الإحتفال الملكي الشهير المعروف ( بالحب سد ) و التي
ظهرت إرهاصاته الأولى في عصر الأسرة صفر للتأكيد على المعنى السياسي و الديني
السابق و لذلك السبب إستمرت هذه التقاليد الدينية و السياسية من خلال المنشآت الجنائزية
التي شيدها ملوك العصر العتيق في جبانات مصر الكبرى في أبيدوس و سقارة و نخن و
التي إحتوت في داخلها على مقاصير آلهة الجنوب و الشمال التي تعطي شرعية الحكم
للملك من خلال آلهة و عائلات و زعماء كبار البلد في الجنوب و الشمال بل و يمكن
القول أن هذه التقاليد إستمرت حتى عصر الملك زوسر حيث نشاهد ذات المقاصير هناك في
مجموعته الجنائزية و من هنا يمكن لنا أن نستنبط النتائج التالية و هي : 
1 – برغم ظهور زعامة لها السيادة الكبرى من
الجنوب إلا أنها لم تسعى على الإطلاق لإلغاء ثقافة الشمال ، فالزعيم أو الملك هنا
يستمد شرعية حكمه من آلهة الشمال كما يستمدها من آلهة الجنوب و لهذا السبب إحتفظت
الملكية بالشكل المميز لمقاصير الجنوب و مقاصير الشمال و دون أن تسعى لإلغائها على
مر العصور و هو ما يؤكد على الطرح الذي نادى به الدارس و هو : أن ثقافة نقادة
الجنوبية لم تلغي ثقافة الشمال لا في عصور ما قبل الأسرات و لا في عصر الأسرة صفر
و لا في العصور التاريخية . 
 2 –
لم تفرض هذه السيادة الجنوبية زعامتها على أقاليم الجنوب و الشمال من خلال حرب
عسكرية مدمرة فذلك ما لاتؤيده الآثار و لا تشير إلى ذلك على الإطلاق و لاسيما خلال
عصر الأسرة صفر . 
 3 –
إستمرت فكرة آلهة الأقاليم الجنوبية و الشمالية التي تمنح الشرعية السياسية و
الدينية للملك الحاكم معماريا حتى عصر الملك زوسر ( و ذلك من خلال وجود مقاصير
آلهة الجنوب و الشمال في مجموعته الجنائزية ) الأمر الذي يؤكد بعدم وجود سلطة
سياسية مطلقة أو أحادية المركز طوال العصر العتيق بل و حتى بداية الدولة القديمة ،
فالملك هنا لا يتمكن من حكم البلاد إلا من خلال آلهة الأقاليم ( الشمسو حور ) التي
تجسد كبرى عائلات زعماء الأقاليم في الجنوب و الشمال .
4 – إختفت هذه المقاصير كشكل معماري ( و لم
تنتهي كشكل ديني و فني موروث ) إلا عند نهاية عصر الأسرة الثالثة و بداية عصر
الأسرة الرابعة حيث تحول الملك سنفرو عن شكل المجموعات الجنائزية القديمة و تبنى
شكل معماري آخر و جديد و يختلف تماما عن موروثات الأسرة صفر و العصر العتيق و
الأسرة الثالثة و هو شكل المجموعة الهرمية مما كان الدافع الرئيسي الذي جعل بعض
العلماء يعتبرون أن نهاية عصر نقادة الثالثة تبدأ من ما قبل الأسرة صفر أي منذ
نهاية نقادة الثانية و تنتهي عند نهاية الأسرة الثالثة حيث لا حظوا أن موروثات
عصور ما قبل الأسرات إستمرت معماريا و ثقافيا و حضاريا خلال الأسرات الثلاث الأولى
و هو ما يعني وجود و إستمرارية : 
أ – تعدد الأنماط الثقافية المختلفة للجنوب و
الشمال خلال الأسرات الثلاث الأولى رغم قيام وحدة سياسية . 
ب – أن الوحدة السياسية هنا لم تلغي تعدد
الأنماط الثقافية لأنها لم تكن وحدة مطلقة أو أحادية المركز حيث وجدت أدلة متعددة
على عدم وجود تغير ثقافي كلي أو جذري في المعتقدات الدينية الخاصة بحكام الأقاليم
أو حتى عامة الشعب داخل مختلف الأقاليم المصرية . 
 ج –
أن العصر العتيق ينتهي عند نهاية الأسرة الثالثة نظرا لأنه يحتوي على ذات
الموروثات الثقافية للأسرات صفر و الأولى و الثانية بل و لم يتغير كثيرا عن ثقافة
مصر في عصور ما قبل الأسرات و من هنا يمكن قبول الرأي الذي نادى بأن البداية
الفعلية للدولة القديمة تبدأ فعليا مع عصر الملك سنفرو مؤسس الأسرة الرابعة حيث
بدأت ثقافة البلاد تصبح متجانسة و ذات صبغة حضارية واحدة إلى حد كبير في الجنوب و
الشمال . 
و لعل وجود حكام أقاليم العصر العتيق و ما
يشير ضمنيا لوجود دلائل نسب و مصاهرة بينهم وبين الملك الحاكم يرجح ما طرحه الدارس
من قبل بأن هذه السياسة قد بدأت منذ النصف الثاني لعصر نقادة الثانية ( راجع فكرة
إنتشار بعض معبودات الجنوب و الشمال هنا و هناك في هذا المقال ) و هو ما يؤدي
للنتيجة التالية : 
أن هذه العائلات إرتبطت ببعضها البعض من خلال
زعمائها ( الشمسو حور ) عن طريق المصالح التجارية و الصلات الدينية و الحضارية و
علاقات النسب و المصاهرة الأمر الذي نتج عنه وجود ( عائلة كبرى متعددة الأفرع في
الجنوب و الشمال ) إلا أن مركز هذه العائلة كان غالبا في الجنوب و لاسيما في منطقة
أبيدوس مع الإعتراف الرسمي بوجود هذه الزعامات المحلية من خلال منح الشرعية للملك
عن طريق آلهة الجنوب و الشمال في إطار الحب سد و الذي يتم التعبير عن رغبتهم (
رغبة الآلهة لتجديد الشرعية للملك ) عن طريق زعماء الأقاليم الذين لم يكونوا في واقع
الأمر سوى أقرباء البيت المالك و هو ما يفسر لنا وجود نظام إداري ملكي في العصر
العتيق يتكون من بيت مالك يعتمد على أقاربه من حكام الأقاليم ( الشمسو حور ) في
جمع الضرائب و فرض السيطرة و هو ما ظهرت أدلة له على حجر بالرمو و نصوص الأهرام
التي تحدثت عن خروج الملك الحاكم لأقاليم مصر المختلفة في صحبة حكام الأقاليم أو
الشمسو حور ( أقاربه من نفس العائلة الكبرى ذات الأفرع المنتشرة في الجنوب و
الشمال ) لجمع الضرائب و إقامة الأعياد الإلهية و إنشاء المعابد و تقديم القرابين
و أخذ الشرعية من آلهة الجنوب و الشمال و كان المخصص الفني التصويري المعبر عن
الشمسو حور هو شكل المركب إشارة إلى مراكب الزعماء التي صورت منذ عصر نقادة
الثانية على رسوم الفخار و التي عبرت عن أدوات السلطة و السيادة لهؤلاء الزعماء
عندما كانوا على إتصال ببعضهم البعض خلال إقامة التبادل التجاري و إنتشار المعتقدات
هنا و هناك . 
إن ظهور العلامة التصويرية للمركب و المعبرة
عن الشمسو حور في حجر بالرمو و نصوص الأهرام ظهرت فعليا في الآثار من خلال المراكب
المكتشفة في شونة الزبيب بأبيدوس بجوار مجموعة الملك خع سخموي حيث عبرت تلك
المراكب عن مرافقة الشمسو حور ( زعماء الأقاليم الذين يمنحون الشرعية للملك من
خلال آلتهم  و يرافقونه في جميع رحلاته
لمساعدته في فرض السيطرة السياسية و الهيمنة الإقتصادية على الجنوب و الشمال )
للملك نفسه في عالمه الآخر تماما كما كانوا يرافقونه في عالم الدنيا الأمر الذي
يؤكد وجود وحدة سياسية متعددة المراكز و تحت مظلة زعامة كبرى لا تستغني عنهم أبدا
كما لا يستغنون هم أيضا عنها .  
و من جانب آخر نؤكد أنه حتى الآن لا نعلم
بالتحديد تتابع و ترتيب زعماء الأسرة صفر بشكل قاطع ، و الأمر المؤكد أنهم لم
يسيطروا مناطق متعددة من البلاد ( ما عدا الزعماء المنتسبين لأواخر عصر الأسرة صفر
مثل إري حور و كا و العقرب و نعرمر الذين إنتشرت آثارهم في مناطق متعددة من الجنوب
و الشمال و دفنوا في مكان واحد في أم الجعاب بأبيدوس ) و أن معظم عاصر زمنيا بعضهم
البعض و كانوا على إتصالات فيما بينهم كما لم ينحدروا من مكان واحد و هو ما يلقي
بظلال كبيرة من الشك حول مصطلح الأسرة صفر الذي إبتكره الباحثون الألمان فهم ليسوا
من بيت ملكي واحد بل من مناطق متعددة كما عاصر معظمهم بعضهم البعض و دفنوا في
جبانات مختلفة و أقاموا إئتلاف سياسي بينهم متعدد المراكز و الأطراف و قاموا
بالقضاء على الزعماء الذين لم ينضموا ينضموا لهذا الإئتلاف السياسي و دون أن
يخربوا مدنهم . و من ناحية أخرى لم تكن هذه الوحدة السياسية كاملة أو نهائية و
الدليل على ذلك وجود إشارت تاريخية لصراع حدث خلال العصر العتيق بين بعض ملوك
الأسرتين الأولى و الثانية ضد بعض المناطق المصرية مما نتج عنه إنفصال سياسي مرجح
في منتصف عصر الأسرة الثانية بين الجنوب و الشمال و هو ما نستشفه من عدم إنتشار
أسماء بعض الملوك مثل ( ونج ) و ( سنج ) في مواقع الجنوب فضلا عن وجود إشارة أخرى
على قاعدة تمثال الملك خع سخموي في المتحف المصري تشير لإقماع تمرد في بعض المناطق
الشمالية أدى لقتل أكثر من أربعين ألف شخص ( هذا في حالة إذا ما كان الرقم هنا لا
يميل للمبالغة ) كما لا ينبغي لنا أن ننسى وجود حالات لكشط أسماء بعض الملوك خلال
الأسرتين الأولى و الثانية و عدم الإعتراف بشرعيتهم و كذلك ظهور الملك بر إيب سن
في منتصف الأسرة الثانية و تنكره للمعبود حورس و رفعه لراية المعبود ست و إبتعاده
عن جبانة سقارة في الشمال و عودته مرة أخرى لجبانة أبيدوس في الجنوب الأمر الذي
يشير لإحتمالية وجود قلاقل سياسية و هو ما يجعلنا نرجح الخروج بالنتيجة التالية :
أن الوحدة السياسية بدأت منذ نهاية عصر نقادة الثانية و مرت بمراحل تدريجية و لم
تكن مطلقة أو أحادية المركز خلال عصر الأسرة صفر و العصر العتيق و لم تكتمل بشكل
نهائي و لم تستقر بشكل قاطع إلا في عصر الملك زوسر أو ما بعد عصر الملك زوسر كما
يرجح الدارس و تحديدا مع بداية عصر الملك سنفرو الذي أوجد نظاما إداريا يختلف
تماما عن ما سبقه من الملوك ساعده على قبض سيطرته الكاملة سياسيا و دينيا و
إقتصاديا على مختلف الأقاليم المصرية و إلغاء الشكل المعماري لمقاصير الشمسو حور
في مجموعته الهرمية و تبني الشكل الهرمي الكامل و إعلان الملكية المطلقة أحادية
المركز و الإختفاء التام لأي إشارة عن الشمسو حور في عصره و محاولة نشر ثقافة
مصرية ملكية واحدة في جميع البلاد إتضحت معالمها في جبانات الأقاليم مع بداية
الأسرة الرابعة و هو ما يجعل ادارس يتفق تماما مع الطرح القائل بوجوب وضع المراحل
التالية : عصر ما قبيل الأسرات ( نهاية نقادة الثانية و مرحلة نقادة الثالثة ) و
عصر الأسرات الأولى و الثانية و الثالثة في إطار زمني واحد يعرف بعصر نقادة
الثالثة الذي يبدأ من 3400 ق.م و ينتهي تقريبا عند 2690 ق.م و هو ما يعني أن
الوحدة السياسية المصرية الطلقة و الأحادية المركز و ذات الثقافة الواحدة لم تكتمل
في صورتها النهائية إلا بعد ما يقرب من سبعة قرون كما يعترف الدارس من جانب آخر أن
هذه النتائج ليست نهائية و هي قابلة لدرس و التحليل و المناقشة مرات أخرى كما لا
تدعي هذه الدراسة طرح إجابات نهائية على تساؤلات متعددة تتناول فترة التوحيد
السياسي لمصر و لكن سيسعى الدارس بإذن الله نحو المزيد من العمل في المستقبل للكشف
عن الثغرات و النقاط الغامضة من خلال إعادة رصد و تحليل الآثار التي تتحدث عن هذا
العصر و ربما يصل لنتائج أخرى  

تمثال الملك منتوحتب نب حبت رع


تمثال الملك منتوحتب نب حبت رع


 أو منتوحتب الثاني و هو منحوت من الحجر الرملي الملون ، إرتفاعه حوالي 183 سم و يوجد حاليا بالمتحف المصري ، و قد عثر على هذا التمثال ( هوارد كارتر ) في مجموعة الملك منتوحتب نب حبت رع بالدير البحري في غرب طيبة ( الأقصر ) . لا يمكن الحديث عن الظيفة الدينية الرمزية لأي تمثال دون الإشارة إلى السياق المكاني و الزماني و الظروف و الملابسات التي أحاطت به . و من هنا نشير إلى أن التمثال قد تم العثور عليه ملفوف بلفائف التحنيط مما يعني أنه عومل معاملة المومياء بل و وجدت على اللفائف هذه العبارة المكتوبة : " إننا ذاهبون لدفن الملك ... إننا نقتله على هيئة تمثال " . هناك مجموعة من الحقائق الهامة تتعلق بوصف و وظيفة هذا التمثال و هي : 1 - التمثال يمثل الملك جالسا على عرش مكعب بدون مسند بحجم فوق الحجم الطبيعي قليلا . و يرتدي رداء الحب سد الذي يصل إلى ركبته و قد لونه الفنان باللون الأبيض و يضع الملك يديه على صدره في وضع أوزيري كما يضع اللحية المعقوفة . و هنا نشير إلى أن وضع اللحية المعقوفة له تفسيران : أ - ظهر الملك بهيئة أوزيرية و لف بلفائف التحنيط مما يعني أنه قد عومل في العالم الآخر كإله كامل الأمر الذي جعل وضع هذه اللحية ضروري . ب - يرى بعض الباحثين الألمان مثل كورت زيته و شتالدمان أن الملك إعتلى العرش بعد فترة إضطراب و إنهيار لمفهوم السلطة الملكية و قدسيتها و لذلك أراد الملك أن يدعم أسس الملكية و أن يقدس نفسه أكثر مما يجب حتى يبدو في أعين الرعية كإله و الدليل على ذلك أنه ظهر في كل تماثيله و نقوشه واضعا اللحية المعقوفة و الغرض الأساسي من ذلك : رفعة شأن الملكية الإلهية و قدسيتها . 2 - لماذا وضع الملك على رأسه التاج الأحمر ، تاج الوجه البحري ؟ أ - الرأي الأول : بما أن الملك ذي منشأ جنوبي ، فهو إذن ليس في حاجة إلى تأكيد وجود التاج الأبيض . ب - الرأي الثاني : أنه أراد أن يشير إلى إنتصاره على الشمال بوضعه التاج الشمالي على رأسه . ج - الرأي الثالث : التاج الأحمر هنا له بعد أسطوري هام و هو : المنطقة التي إغتيل فيها المعبود أوزير بل و فيها تم بعثه مرة أخرى ( وفقا لما ورد في متون الأهرام ) و فيها أيضا تمت ولادة المعبود حورس إبن أوزير ألا و هي أحراش الدلتا ، فقد كانت هذه المنطقة هي مراد و أمل العديد من المصريين و فيها تأكيد لعودة الحياة و البعث للملك ( قارن بين ذلك المعنى و مناظر مقابر كبار الأفراد في الدولة القديمة و التي صورتهم و هم يقتحمون أحراش الدلتا بمراكبهم في رحلتهم الأخروية ) د - الرأي الرابع : و هو الأهم على الإطلاق و يتمثل في الحقائق التالية : 1 - ذكرت متون الأهرام أن أرباب بوتو آزرت أوزير و أيدته حيث قالت : " إن الأرباب الذين في بوتو يملؤهم الأسى و إنهم ياتون إليك يا أوزير ( الملك ) على صوت بكاء إيسه ( إيزيس ) و نبت حوت ( نفتيس ) " ثم تشير هذه المتون أيضا إلى : " إنهم يقولون لك يا أوزير الملك لقد غدوت و جئت ، لقد غفوت و صحوت ، لقد مت و حييت .. قف و أنظر ما فعله إبنك من أجلك ، إنهض و إسمع ما فعل حور من أجلك .. لقد ذبح لك كثور من ذبحك ( و هي واحدة من المشاهد التي صورت في مقابر الأفراد - مشهد ذبح العجل أو الفخذ - في إطار شعائر فتح الفم للمتوفى ) و نحر لك كالفحل ذلك الذي نحرك و لقد قيد لك من قيدك " 2 - أشارت متون الأهرام إلى مواقف من أسطورة أوزير تتمثل في عمل إيزيس و نفتيس حيث تقومان بتجديد المناحة و العويل و البكاء على أخيهما أوزير الأمر الذي يشير إلى إستثارة الحلفاء من أجل الثأر له ثم خروج الأحلاف و هم يتمايلون من الإنفعال و يدقون على صدورهم و يشدون شعورهم و إذا كان هذا المشهد يعبر بالفعل عن أحد مواقف أسطورة أوزير ، فيمكن رؤية تأثيره على الشعائر الجنزية للمتوفى و التي صورت صراحة في مقابر الأفراد في عصر الدولة الحديثة أما عن موقف إيزيس و نفتيس تمثل في الحدأتين الممثلتين و هما تصاحبان المتوفى في أغلب الجنازة . 3 – يصحو أوزير الملك من الموت على خروج إبنه حور و حاشيته لنجدته و الثأر له من أعدائه الممثلين في الأضاحي ( الثيران ) التي تجري في المواكب الجنزية ( و هي أيضا من شعائر فتح الفم ) و لأمر ما كشفت متون الأهرام عن أن أصول هذا المشهد ترجع لمدينة بوتو التي تروي متون الأهرام أنها تحالفت مع حور و أيدته حتى خرج لينقذ أبيه حيث قالت إحدى فقراتها : " إن بوتو تحف بحور و لقد تم تطهيره هناك ، إنه يأتي طاهرا لكي يحمي أباه " 4 – كان راقصي الموو في الحضارة المصرية القديمة الذين صوروا في مقابر الأفراد في الدولة القديمة و الحديثة هم الذين يلعبون الدور الأسطوري لنجدة أوزير وفقا للدور المنسوب إليهم في متون الأهرام و أن خروجهم لم يكن إلا لأوزير ملك الشمال في الأصل . 5 – كانت تلك الشعائر السابقة تتم للملوك و هم يتجسدون في هيئة المعبود أوزير بتاج الشمال وفقا لمعطيات متون الأهرام و من هنا يتبين لنا الحقيقة التالية : أن أن دفنة تمثال الملك منتوحتب الثاني ما هي إلا نموذج لمثل هذا الطقس و أنها ترتبط بدفن الملك على طراز بوتو و لذلك فإن نسبة التمثال إلى شعائر الدفن الأوزيرية الشمالية هي أقرب من نسبته لطقوس الحب سد . و – الرأي الخامس و الأخير فيما يتعلق بالتاج الأحمر هو : ورد في متون الأهرام كذلك أن إله الشمس رع يشرق على عرشه في الأفق متوجا بالتاج الأحمر و من هنا فربما يكون الطرح كالتالي : أن الملك هو أوزير الإله الذي إغتيل ثم أقيمت له شعائر التحنيط و لف بلفائف الكتان ( أنظر العبارة التي كتبت على لفائف التمثال في بداية المقال ) و الذي سيشرق كإله الشمس رع بالتاج الأحمر لكي يؤكد على إعادة بعثه و إعادة إحيائه من جديد كملك متوج . 3 – لماذا تم تلوين التمثال باللون الأسود ؟ أ – الرأي الأول : اللون الأسود هنا يتناسب مع عالم الظلمات الأخروي و هو عالم أوزير بإعتبار أن الملك أصبح أوزير بعد وفاته . ب – الرأي الثاني : اللون الأسود هو لون الأرض المصرية كمت ( الطين – الطمي ) و من هذه الأرض الخصبة ينمو الزرع . 4 – أما عن المستوى الفني للتمثال : فهو ضعيف و لا يلقى الإعجاب كثيرا و لكن من جانب آخر لا ينبغي أن نتسرع و نحكم على التمثال بمعايير مدرسة الفن في منف في عصر الدولة القديمة ، فجميع سمات التمثال هنا تعبر عن مدرسة فنية جنوبية طيبية ظهرت لأول مرة منذ عصر الإنتقال الأول و تعمدت أن تبتعد إلى حد كبير عن معايير مدرسة الفن في منف و التي تمثلت في الخصائص التالية : من حيث النسب فلا وجود قوي لها – ضخامة الساقين التي كانت مقصودة لذاتها لأمر ما ؟ حيث يرى فيلدونج و زيدل أن الضخامة هنا تسمح بحرية و قوة الحركة في العالم الآخر ؟ على أساس أن الساقين يقف عليهما الإنسان عند تحركه – يتسم التمثال بالخشونة إلى حد ما – ملامح اوجه تعبر عن العظمة و الصرامة – العينان أرادت أن تحاكي فكرة التطعيم – رداء الحب سد هنا لا ينسجم ( و قد تعمد الفنان هنا ذلك التصوير الخاص بالرداء لسبب معين ) مع أردية أوزير الطويلة التقليدية –رأى البعض أن ضخامة الساقين تدل على إصابة الملك بداء الفيل ؟ و هو رأي ضعيف جدا لأنه لم تكن العادة إظهار العيوب البدنية للملوك في تماثيل يأملون أن يبعثوا في هيئتها مرة أخرى – التمثال هنا يمثل الإرهاصات الأولى لمفهوم الضخامة في بعض عناصره ( الساقين و الكتف و قبضة اليد ) و هو الأمر الذي سيتضح في مرحلة لاحقة في التماثيل الملكية الضخمة التي ستظهر منذ بداية الأسرة الثانية عشرة و ستبلغ الذروة في عصر الدولة الحديثة – التمثال هنا باكورة طيبة و فاتحة عهد جديد لمدرسة الفن في طيبة في ذلك العصر و التي حاولت أن تعبر عن سمات مدرستها المحلية وفقا لمعاييرها الثقافية الخاصة . ينبغي لنا هنا أن نشير إلى أن التمثال هو دفنة في مقبرة باب الحصان الشهيرة للملك منتوحتب الثاني ، حيث كانت تلك المقبرة عبارة عن ممر يؤدي إلى بئر يقع في أسفله ذلك التمثال في حجرة دفن و قد تم إكتشافه على تل رملي . في واقع الأمر أن التمثال و الممر و البئر و حجرة الدفن و التل الرملي فضلا عن المعبد الخاص بالملك و الذي يتكون من نظام المسطحات المدرجة يقع في إطار ما يعرف ( بمقبرة الإله اوزير ) و هو ما إطلع عليه الدارس من البحث العلمي للزميلة القديرة للأستاذة عبير مجلي التي تناولت تفصيليا العناصر المعمارية و الفنية لمقبرة الإله أوزير و و لا مجال هنا للحديث عن تلك السمات و العناصر لأنها لا تدخل في صلب موضوع التمثال . و لكن من جانب آخر يمكن القول أن رداء الملك ذي اللون الأبيض الذي يصل للركبة فقط يعكس ما يعرف بوضع ( نصف متأوزر ) فالملك هنا لم يبلغ مرحلة ( التأوزر الكامل ) فإذا كان الرداء الأوزيري كاملا و طويلا يلف صاحبه كالمومياء ، فذلك هو الوضع الأوزيري الكامل للملك ( حالة التأوزر الكاملة ) و هي التي تمت فعليا في مقبرة الملك الحقيقية أسفل جبل الدير البحري في حجرة دفنه التي تبدو كمغارة في قاع الجبل ( و هي من ضمن سمات القبر الأوزيري ) أما هذا التمثال فهو كان موضوع في مقبرة باب الحصان الرمزية التي تعبر عن حالة نصف أوزيرية ( نصف متأوزر ) و بالتاج الأحمر .

منظر لتمثال مكتشف في قرية اللحيوة


منظر لتمثال مكتشف في قرية اللحيوة


 ... و يعود ذلك التمثال لعصر نقادة الثانية ( ثاني مراحل عصور ما قبل الأسرات و تبدأ من 3600 ق.م حتى 3300 ق.م ) و مصنوع من الإردواز و طوله 40 سم و معروض في متحف بروكلين . و هو يمثل إبن آوى منتصبا و قد إستخدم الفنان قطعة مسطحة من الإردواز لتمثيل الحيوان من جانب . و نلاحظ هنا أن الفنان قد أجاد في تمثيل تفاصيل الرأس و لاسيما في الفم البارز و العينين المجوفتين ، اللتين كانتا مطعمتين و الأذن البارزتين و الرقبة السميكة و كذلك أيضا الذيل الكث المتدلي في الخلف . يعتبر هذا التمثال مماثلا للصلايات ذات الهيئة الحيوانية و هو يتوسط تقنيا فني النحت و الرسم . و قد إستطاع فنان ما قبل الأسرات في مصر إستخدام هذه التقنية في تشكيل تمثالين آخرين في هيئة فرس النهر من الجرانيت في متحف برلين و كذلك في تشكيل مجموعة من التماثيل الحيوانية الظرانية و أيضا تمثال لجمل في متحف برلين و هنا ينبغي لنا أن نشير للحقائق التالية : 1 - تقدم فن النحت و الرسم في عصور ما قبل الأسرات في مصر على مواد من الحجر الأمر الذي يعني أن المهارة التي تمتع بها المصري القديم في بداية عصر الأسرات المبكر و الدولة القديمة في التعامل مع الحجر لم تكن أمرا غريبا أو مفاجئا بل لها إرهاصات و بواكير أولى ترجع لعصور ما قبل الأسرات . 2 - يعتبر إبن آوى من الكلبيات البرية التي تسكن الصحراء القريبة من الوادي و قد إشتهر بمهاجمة الجبانات لأكل الجيف و من هنا إرتبط بعدد من الآلهة الموتى و عالم الغرب . 3 - أدى وجود هذا الحيوان في المنطقة التي على الحافة بين الصحراء و الوادي ، و بين العالمين البري و المنظم ، عالم الموتى و عالم الأحياء ، إلى إقترانه بفكرة الإنتقال من عالم إلى عالم . 4 - ظهر إبن آوى في الفن المصري منذ عصر نقادة الأولى ( أولى مراحل عصور ما قبل الأسرات في مصر و تبدأ منذ 3900 ق.م و حتى 3300 ق.م ) في بعض مناظر الفخار ذي الخطوط البيضاء المتقاطعة و كذلك في هيئة تميمة من قرية المستجدة في أسيوط ترجع زمنيا لعصر نقادة الثانية فضلا عن ظهوره في صلايات حيوانات الشمس التي ترجع للنصف الثاني لعصر نقادة الثالثة ( الأسرة صفر و تبدأ من 3150 ق.م و حتى 3000 ق.م ) بإعتباره واحد من الحيوانات المدافعة عن الشمس خلال مسيرتها في العالم الآخر . 5 - ظهر إبن آوى على الألوية المنقوشة على مقمعتي العقرب و نعرمر ( و هما آخر ملكين في الأسرة صفر ) ممثلا للإله وب واووت و هو فاتح للطرق بإعتباره أحد أتباع الملك ( الشمسو حور ) الذين يتولون حمايته كما يعد كذلك فاتحا لطرق الأبدية و العالم الآخر للملك الأمر الذي يربطه بالملكية الناشئة خلال عصر الأسرة صفر . كما تعد هيئة إبن آوى الرابض ممثلة للإله " خنتي إمنتيو " رب الجبانة و الجنازة و العالم الآخر الذي أصبح لاحقا المعبود أنوبيس خلال عصر الأسرة الخامسة . 6 - يرى fazzini ( و هو من المتخصصين في عصور ما قبل الأسرات في مصر ) أن هذا التمثال يمثل تجليا لإله إرتبط بالموتى وضعه المتوفى في مقبرته في عصر نقادة الثانية لينتفع بقواه في العالم الآخر