الاثنين، 8 أبريل 2013

لماذا إهتم المصري القديم بالماضي ؟


بسم الله الرحمن الرحيم

لماذا إهتم المصري القديم بالماضي ؟

لم تكن العلاقة مع الماضي في الحضارة المصرية
القديمة تقتصر على مجرد أحداث عظيمة وقعت في زمان عتيق ، بل هي تختص بفكرة التذكر
المستديم لما قام به الأسلاف بهدف تأطيرها في ( نموذج مستقبلي ) يتعلق بالتخطيط و
بعث الأمل ، بمعنى أن تذكر الماضي المجيد يؤدي التخطيط الجيد في المستقبل و لعل
التساؤل الذي يفرض نفسه في هذا المضمار : هل الماضي كماضي موجود بذاته ؟ و ما هو
مفهوم الماضي ؟ 
إن الماضي في أي حضارة قديمة ( و ليس فقط
الحضارة المصرية القديمة ) ليس موجودا بذاته ! و إنما ينشأ في المقام الأول في
اللحظة التي يبدأ فيها الإنسان بربط نفسه و مصيره بما وقع أو حدث . و مثل ذلك
الأمر قد يثير الدهشة لدى القاريء ، فما من شيء في الوجود أكثر طبيعية مثل نشأة
الماضي : فالماضي ينشأ ببساطة عن طريق أن الوقت يمضي ، و لهذا يحدث مثلا أن اليوم
يصير في الغد ماضيا و يصبح جزءا من الماضي ، فاليوم يصبح عندئذ أمس و هكذا ينشأ
الماضي على نحو واضح . 
و هنا ينبغي لنا أن نشير لأمر هام : أن
المجتمع المصري القديم بذل كل ما في وسعه و قام بتسخير كل ما لديه من طاقات و
قدرات لكي يجعل الماضي في معظم الأحيان في حالة دوام مستمر و هكذا بدت جميع خطط
هذا المجتمع المستقبلية متسقة مع مبدأ الخلود و لذلك السبب وضع الملوك في مصر
القديمة ( الغد نصب عينيهم ) كما كانوا يروون بأنفسهم . إن من ينظر بهذه الطريقة
إلى ( الغد ) و هو لا يزال يعيش في ( يومه ) لابد أنه سيسعى للحفاظ على ( الأمس )
من النسيان و الضياع و لابد أنه سيحاول تخليده عبر الذكرى التي ستنشأ مع الأجيال
اللاحقة في المستقبل .
و لكن هل يصل لنا الماضي بنفس صورته التي
حدثت في أول مرة ؟ 
إن الماضي في أي حضارة بشرية قديمة ( و لا
نستثني الحضارة المصرية القديمة من ذلك الأمر ) أثناء تذكره تتم إعادة تركيبه و
إعادة صياغته من جديد و يظل هذا ( الماضي المركب ) في ذكرى الأجيال اللاحقة و بهذا
المعنى قصدنا ما كنا نتحدث عنه في البداية بأن الماضي ليس موجودا بذاته و إنما
ينشأ بالقدر نفسه الذي ينسب الإنسان نفسه إليه و يتصل به . 
و لكن كيف يتصل الإنسان في الحضارة المصرية
القديمة ( و في أي حضارة بشرية قديمة ) بهذا الماضي ؟ 
ينبغي قبل أي شيء أن يكون هذا الماضي باقيا
في الأذهان و حيا في الشعور و لكي يتحقق ذلك لابد من وجود شرطين هامين هما : 
1 – ينبغي أن لا يكون الماضي الذي نتناوله قد
إنمحى تماما أو بمعنى أدق لابد من وجود شواهد معنوية و دلائل مادية من هذا الماضي 
2 – أن تكون هذه الشواهد و الدلائل في حالة
إختلاف ظاهر و مميز مع كل ما يقع في الحاضر ( اليوم ) 
و لكي نفهم النقطة الثانية جيدا نقول أن
الماضي المجيد لن يظهر لنا كنموذج طيب و يحتذى به إلا بعد ( حدوث قطيعة غائرة )
تعيق عملية ( التواصل ) داخل المجتمع نفسه بين ( ما كان ماضيا ) و ما هو ( كائن
اليوم ) و هذكا ينشأ الماضي . و لذلك فقد كانت البدايات الجديدة لبعض فترات
التاريخ المصري القديم تأخذ دائما شكل العودة و الرجوع إلى الماضي و بقدر ما كانت
هذه البدايات المصرية متجهة نحو المستقبل و تسعى لكي تفتح آفاقه بقدر ما تنتج
الماضي في الوقت نفسه و تعيد تركيبه و مونتاجه لأجل إكتشافه من جديد . ألم ينظر
ملوك الدولة الوسطى لأنفسهم بوصفهم من أعادوا إحياء ماضي الملوك القدماء ؟ ألم
ينظر ملوك الدولة الوسطى لعصرهم بأنه عصر النهضة ؟ فالإسم البراجماتي ( النفعي ) الذي
أطلقه مؤسس الأسرة الثانية عشرة على نفسه هو ( آمون إم حات ) و يعني وفقا للترجمة
الأدق علميا و منهجيا ( آمون في العهد الأول ) و المقصود بآمون في هذا السياق هو
الملك نفسه ، الأمر الذي يؤكد إنتهاج سياسة العودة إلى الماضي و لعل أهم الأمثلة
العملية التي تعكس عودة هؤلاء الملوك لماضي مصر القديمة هي : 
1 – قام ملوك الأسرة الثانية عشرة بإستعارة
صورا فنية و أشكالا معمارية و مناظر طقسية من ملوك الأسرتين الخامسة و السادسة . 
2 – أقام هؤلاء الملوك شعائر تخليد الذكرى و
عبادة أسلافهم من ملوك العصور السابقة . 
3 – إهتم هؤلاء الملوك بتدوين مجموعة من
الموروثات و الحكم الأدبية و زعموا أنها ترجع لأسلافهم الذين عاشوا في عصر الدولة
القديمة و عصر الإنتقال الأول 
4 – إتخذوا من شخص الملك سنفرو مثالا لأنفسهم
يحتذى به و هو ملك عاش في بدايات الأسرة الرابعة و أطلقوا عليه ألقاب ( الملك
الفاضل ) و ( الملك العادل ) و ( الملك الطيب ) .
و بكل هذه الأنماط و السياسات المختلفة
إستطاعوا أن يقيموا الملكية المصرية بمفهوم الماضي الذي لا يزال حيا في أذهان
الناس و هو ماضي طيب و يحمل ذكرى عطرة لدى القوم و من هنا تتأسس الثقة بين الملكية
و الرعية و يتم إضفاء الشرعية على سياستهم المستقبلية . 
و لكن ما الذي جعل المصري القديم يهتم بمفهوم
الإهتمام بالماضي و عدم نسيانه أبدا ؟ 
مما لاشك فيه أن ذلك الإهتمام إرتبط بفكرة
الموت ، فهي التجربة العملية التي تفصل بين التذكر و النسيان و بين الإحتفاظ و
الزوال ، فالموت هنا بمثابة المشهد الأول لتجربة الإنفصال و القطيعة بين ( ما كان
أمسا ) و ( ما هو كائن اليوم ) و لهذا السبب إهتم الإنسان في مصر القديمة بإستدامة
ذكراه بعد موته لدى ذويه و الآخرين و كانت القاعدة المتبعة هي : 
أن الميت يعيش في ذكرى الأجيال اللاحقة كما
لو كان لا يزال يعيش فعليا بين الناس و على الأرض . 
فلا ينبغي أن يتم نسيانه أبدا و يجب أن يظل
إسمه يتردد في الأفواه و عالقا في الأذهان . و لكن من جانب آخر نجد أن عملية إحياء
و إنعاش حياة هذا الميت تتم من خلال الأجيال اللاحقة ، فالميت هنا يدين بالفضل
لعزيمة الخلف الذين لم يتركوه يقع في أغوار النسيان و الضياع . فالخلف هنا يسعى
لكي يحافظ على إنتماء ذلك السلف إليهم كعضو في جماعتهم عن طريق تذكره و إقامة طقوس
عبادته و هكذا ينتقل السلف دائما إلى حاضر الخلف و بشكل مستمر و لا إنقطاع فيه . 
و يجدر بنا هنا أن نشير أن أهم ما تميزت به
الحضارة المصرية القديمة عند إستحضار ماضي السلف هو عدم الإكتفاء بذكرى الميت و
تبجيله بعد موته بل السعي لتأسيس هذه الذكرى بينما لا يزال الإنسان على قيد الحياة
فقد كان الموظف في الدولة المصرية القديمة يبني مقبرته بنفسه و يأمر بنقش سيرة
حياته فيها ، و لكن ليس بغرض كتابة مذكرات أو بهدف كتابة تاريخ و إنما بمغزى تأبين
و إستحضار سابق لذكرى ميت قبل أن يموت .   

السبت، 6 أبريل 2013

رسالة منشآت القبور في مصر القديمة


بسم الله الرحمن الرحيم

رسالة منشآت القبور في مصر القديمة

تميزت الحضارة المصرية القديمة و منذ بداياتها الأولى بوجود مؤسسة دينية خاضعة للدولة تهتم بإنشاء القبور و تحافظ على إقامة ممارسات شعائرية في تلك المنشآت الجنزية لأجل إستدامة ذكرى الموتى أمام الأحياء داخل قبورهم إلى الأبد و إعادة إحيائهم في عالمهم الماورائي . و لعل الصورة التي وردت إلينا في العصور المتأخرة للحضارة المصرية القديمة من الرحالة و المسكتشفين الأجانب كانت في غاية الأهمية حيث لفتت إنتباههم فها هو ( هياكاتيوس ) الذي جاء إلى الأسكندرية عام 320 قبل الميلاد و عاش فيها حتى عام 305 قبل الميلاد و زار جميع أنحاء مصر تحدث عن المصريين و مدى إهتمامهم بإقامة قبورهم قائلا :
" لا يهتم السكان بالوقت الذي يعيشون فيه ، لأنهم يضعون أكبر إهتمامهم على الوقت الذي سيأتي بعد موتهم فهم يسعون دائما لكي يحتفظوا بذكريات عن فضائلهم و أعمالهم الطيبة في أذهانهم كما أنهم يدركون أن منازلهم هي مقرات مؤقتة لأنهم يعيشون فيها وقتا قصيرا . أما قبور الأموات فيسمونها ( البيوت الأبدية ) و التي يقضون فيها وقتهم لزمن أبدي . و لذلك فهم لا يهتمون كثيرا بتأثيث بيوتهم الدنيوية ، بينما لا يضعون أي حدود على مصاريف قبورهم و ينفقون عليها الكثير "
يلاحظ من هذا النص مدى التباين و الإختلاف الثقافي بين حضارة مصر و الحضارات الأخرى ، فهيكاتيوس هنا مدرك لطبيعة هذا التباين من خلال إشارته لفهم المصريين لقبورهم بأنها البيوت الأبدية بينما كان ذلك المصطلح غائب تماما في جميع الحضارات التي عاصرت مصر أو ظهرت في فترة زمنية لاحقة .
و في هذا الصدد توجد لدينا شهادة مصرية أخرى ترجع لعصر الدولة الحديثة ( و هي المقبرة رقم 131 في طيبة ) حيث تحدث صاحب المقبرة عن مقر دفنه قائلا :
" لقد بنيت لي قبرا في مدينتي الأبدية و قمت بالبحث بعناية عن مكان لقبري الصخري في صحراء الأبدية . و ليدوم إسمي به و في أفواه الأحياء لكي تبقى ذكراي عند الناس جيدة بعد السنين التي سوف تأتي . فالحياة الدنيا هي ليست سوى الوقت القليل أما الأبدية فهي هناك . إنه إله مبجل و أصيل هو ذلك الذي يعمل من أجل المستقبل و الذي يفتش بقلبه ليجد السلام فيدفن جسده و يحيا إسمه و هو الذي يفكر في الأبدية "
يلاحظ من هذا النص عدد من الأمور الهامة و هي :
1 – يعود سبب الإنفاق الهائل على منشآت القبور إلى الفكرة التي آمن بها المصري القديم و هي أن الحياة الدنيا هي قصيرة للغاية إذا ما قورنت مع الحياة الأبدية التي يقضيها الناس في المملكة الأخروية
2 – آمن المصري القديم بأن الوسيلة الناجحة لإستدامة ذكراه الخالدة لدى الأحياء و عبر الأجيال المختلفة هو إقامة قبر له ، فالقبر في عالم مصر هو مقر للذكرى الحضارية .
3 – يهتم صاحب المقبرة بنفسه بالبحث و بكل عناية عن مقر إقامته الأبدية بل و يصف أن من يسعى لعمل ذلك هو إله مجيد أو مبجل ، لأن شغله الشاغل هو التفكير في عالم الأبدية و دفن جسده حتى يجد السلام فيحيا إسمه لأنه سعى للنظر ناحية المستقبل .
4 – لا يدخل الإنسان في مصر للعالم الآخر إلا بعد أن يتحول إلى ( نتر ) و هي كلمة إختلف الدارسون في تحديد معناها فمنهم من يرى أنها تعني ( إله ) و منهم من رأى أنها تعني ( كائن طاهر ) و هناك من الباحثين من ربط بين المعنيين و إستنتج بأن المقصود أن من يقتحم العالم الآخر لابد و أن يتسم بالطهارة كشرط للدخول و هي أيضا سمة الآلهة في عالمهم الماورائي .
5 – لا يخشى الإنسان في مصر من يوم موته و من لحظة دفنه في مثواه الأخير الأمر الذي يعكس وجود محاولة نفسية جريئة من جانب المصري القديم للتغلب على مفهوم الموت الذي لا يسعى أبدا لذكره أو كتابته كمصطلح على جدران مقبرته .
6 – لا نجد في هذا النص بالتحديد أي إشارة تتناول أعمال المتوفى الطيبة التي أداها تجاه الآخرين فهو لا يتحدث هنا عن إطعامه للجائع و لا عن إحسانه تجاه الفقير و هي صيغة كنا قد إعتدنا على قرائتها أحيانا في قبور كبار رجال الدولة منذ نهاية عصر الدولة القديمة . فصاحب المقبرة لا يشير لهذه الأعمال بل يتناول مفهوم دخوله للعالم الآخر كإله مبجل لأنه سعى من أجل ذلك عندما كان حيا على الأرض
و لاشك أن مفهوم إبتكار بناء المقبرة بمادة الحجر كان ذو قيمة و أثر فعال في وجدان و فكر المصري القديم . فذلك الإبتكار هيأ له إمكانية ( تخليد الشعائر و المناظر ) التي تهدف لإقامة ذكرى مستديمة له عبر الأجيال و من هنا يقتنع الإنسان في مصر بأن عالم الدنيا هو ذو قيمة ضئيلة جدا إذا ما قورن بأبدية العالم الماورائي و بذلك الشكل تظهر له الحياة الدنيوية و كأنها حلما خاطفا و سريعا
و هناك نص آخر يعرف بنص العازف على القيثار و الذي ورد ذكره على جدران قبر طيبة رقم 50 و يرجع لنهاية عصر الإنتقال الأول أو بدايات لدولة الوسطى حيث يذكر صاحبه ما يلي :
" لقد سمعت هذه الأغاني التي وجدت في قبور السلف و من يتحدثون لرفع قيمة الحياة الدنيا و التقليل من قيمة العالم الآخر . لماذا يساء إلى هذا البلد الخالد ؟ فالناس يرقدون في مصر منذ أوائل الزمن القديم و اللذين سيكونون هنا حتى نهاية السنين . فكلهم يصلون هناك و ليس هناك من يبقى في مصر ( أي في عالم الدنيا ) فالوقت الذي ينقضي في الأرض هو ليس إلا حلما فقط و لكن مرحبا ، فالراحة و البركة لمن يصل الغرب " .
يتضح لنا من ذلك النص الهام الحقائق التالية و هي :
1 – ظهر ذلك النص كرد فعل على التيار الفكري الذي قام بالتشكيك في وجود العالم الآخر و إحياء الموتى في نهاية عصر الإنتقال الأول و هو تيار سعى للتقليل بمعتقدات المصريين الأخروية و الرفع من قيمة الحياة الدنيا و أهمية الإستمتاع بها و بمباهجها
2 – ينتمي صاحب النص للتيار الكلاسيكي المحافظ الذي يؤمن بموروثات الأسلاف و التي نظرت إلى مصر بوصفه البلد الخالد حيث تحتوي أرضه على أجساد الموتى منذ الزمن القديم و إلى منتهى السنين
3 – يؤكد صاحب النص بأن الجميع في مصر يتجه لذلك العالم الماورائي حيث يشير أنه لا أحد يسبقى في عالم الدنيا
4 – إن حياة الإنسان الدنيوية في مصر لم تكن سوى حلما و أن المرء يستيقظ من ذلك الحلم عند وجوده في العالم الآخر فالواقع الفعلي هناك
5 – إن هذا النص ينتمي لمجموعة النصوص التي ألقت بمفهوم جديد خلال عصر الإنتقال الأول و الدولة الوسطى يتمثل في ظهور تيار فكري سعى نحو إبراز فكرة التدين و الورع الشخصي الذي لم يربط بالضرورة بين إقامة القبر من مادة الحجر و الدخول للعالم الآخر بل يهدف للترويج لمفهوم إقتراب الإنسان و إندماجه بالإله و لقائه به الذي لن يتحقق إلا في العالم الآخر و لهذا خاطب صاحب النص ربه في الفقرات الأخيرة قائلا له : " لا تسمح لنا بأن نبتعد عنك ، فأنت الذي يبقى هناك "
يتبين لنا مما تقدم أن القبر المصري هو المكان الملائم لخلق مكان لذكرى المتوفى الحضارية في ذهن الأجيال القادمة فهو رسالة تخاطب القراء من خلال الصيغة الشهيرة ( نداء إلى زائري القبور ) التي كتبت في معظم الأحوال على جدران المقابر المصرية و عبر العصور المختلفة . فهو المقر الذي يظهر فيه صاحبه كمؤلف لسيرته الذاتية و هو أهم ما لديه في هذا العالم و هو العمل الذي يعيش من أجله و ينفق على إكماله كل ما لديه من مال و فكر و جهد و إعتقاد و هو مكان معنويته و فضيلته الأخلاقية بل و قد يظهر أحيانا مدى لهفة الإنسان في مصر إلى تنظيم و بناء منشأته القبرية عندما يرى في منامه أن المعبود قد تجلى له في حلمه لكي يرشده عن المقر المناسب لإقامة قبره فيصبح موقع مثواه الأخير وحيا إلهيا .
و نجد في نص آخر لواحد من كبار رجال الدولة في طيبة في عصر الدولة الوسطى أن كبار القوم كانوا يشيدون قبورهم خلال حياتهم حيث يقول لنا :
" أنا الذي عمر هذه الأرض لكي تكون مدينة الأبدية لي ، فأنفذ فيها أمنيتي و قد إستنفذت إهتمامي عندما كنت حيا لأصل إلى ذلك بعدما وصلت إلى عمر متميز و بعدما قضيت وقتي بين الأحياء "
و لذا يقوم الإنسان في مصر بتعيين و إختيار المكان الملائم لقبره و ينطلق من هذا المكان نحو عالمه الماورائي خلال حياته لكي يبتهج و يسعد بإكتماله فهو المقر و النتيجة الذاتية لتحرياته و هو ينظر لقبره مثلما ينظر في المرآة التي تعكس الشكل المثالي الذي يسعى إليه كما أنه مكان إعلاء القيمة الفردية للإنسان فلا وجود للأخطاء و لا إعتراف بإقتراف الآثام في تلك المنشأة الحضارية ، فالقبر هنا عالم مثالي تهيمن فيه الماعت ( النظام و الحق و الخير و المثالية ) و لا مكان فيه للإسفت ( الفوضى و الباطل و الفساد و كل ما هو شر ) . كما نلاحظ من جانب آخر أن القبر في مصر يشترك في نفس  الهدف مع منشآت الآهرام الملكية و المعابد و المسلات و التماثيل و ما شابه ذلك في خلق مقر مقدس للإستمرارية الأبدية لمن يوجد فيها حيث يضع المصريون أنفسهم في تلك المقرات المقدسة لكي يتحدثوا مع قراء الأجيال القادمة من خلال مادة الكتابة . و هذه الكتابة تعطي صوتا لكل منشأة تجعل صاحبها حاضرا بنفسه و أمام الآخرين فيتكلم معهم و يسمعون له فهو لم ينقطع عنهم بل هو مرتبط دائما بهم ، فالقبور و المعابد و التماثيل تربط الإنسان في مصر بشبكة من الذاكرة الإجتماعية لا تنمحي أبدا .a

الثلاثاء، 26 مارس 2013

أضواء على الفصل رقم 175 من كتاب الموتى


بسم الله الرحمن الرحيم

أضواء على الفصل رقم 175 من كتاب الموتى

يعتبر الفصل رقم 175 من كتاب الموتى هو أحد الفصول الدينية الهامة التي تقع في الجزء الأخير من كتاب الموتى و دون ترتيب ظاهر أو واضح و قد كانت الفصول الأخيرة لكتاب الموتى ( بدءا من الفصل 163 و حتى الفصل 192 ) تسعى لإظهار مفهوم الثناء و المديح على المعبود أوزير رب مملكة الموتى و العالم الآخر و الذي يتخذ في هذه الفصول تحديدا شكل إله الشمس رع في العالم السفلي . و يمكن القول بأن الفصل رقم 175 من أصل إهناسي أو أن كتابته لأول مرة كانت قد تمت في مدينة إهناسيا و من الواضح أن مقاطع هذا الفصل ( رقم 175 ) كانت منفصلة في باديء الأمر و مستقلة عن بعضها إلى أن تم إدماجها في قالب لغوي ديني واحد . و يبدأ هذا الفصل بعنوان " تعويذة من أجل عدم الموت مرة أخرى " ثم نقرأ " كلمات يرددها أوزير فلان قائلا :
" يا جحوتي ماذا يجب علينا أن نفعل بأبناء نوت لقد حرضوا على الحرب ، و تسببوا في الفوضى لقد ذبحوا و ألقوا في السجن " هكذا قال آتوم . ثم نجد الفقرة التي تليها و هي تقول "يجب ألا تسمح بوقوع الخطيئة و قم بتقصير أعمارهم ( حرفيا أعوامهم ) . أنا في حوزة ألوانك يا جحوتي و سأحضر لك محبرتك أنا لست من بين هؤلاء الذين إقترفوا التدمير الخفي ، لذا لن يدمرونني و إن الموت السريع لن يؤثر في " ثم تنتهي هذه الفقرة من الفصل رقم 175 من كتاب الموتى بأن ما سبق هو كلمات تردد على تمثال جحوتي المصنوع من الخزف ليوضع في يد رجل و هذا يتيح الإستمرار على الأرض و ألا يموت موتا سريعا و هذا ما سينقذه .
يتبين لنا من هذه الفقرة مجموعة من الملاحظات الهامة و هي :
1 – إن أبناء نوت في هذه الفقرة يشيرون إلى أوزير و إيزيس و ست و نفتيس و بمعنى أدق إلى الجيل الأول من البشر الذين عاشوا على أرض مصر و تسببوا في إقامة الفوضى ( وردت في النص بلفظ إسفت ) و التمرد ضد رب الشمس الخالق آتوم و الذي يظهر بصفة المتحدث في هذه الفقرة حيث يقوم بتوجيه خطابه لجحوتي .
2 – من المفترض أن يقوم بترتيل هذا النص المتوفى فلان المتحد بأوزير رب العالم الآخر و أن يقوم بتلاوة ما قاله آتوم لجحوتي .
3 – يظهر هنا المعبود جحوتي ككائن متحكم في الخطيئة حيث يطلب منه آتوم بألا يسمح لأبناء نوت مرة أخرى بإحداث الفوضى و التمرد بل و يسأله أن يقوم بتقصير أعمارهم الأمر الذي نستشف منه أن جحوتي هو من يقوم بتحديد عمر و قدر الإنسان في مصر . هل يمكن لنا أن نستشف من هذه الفقرة وجود تأثير ديني حضاري من مدينة هرموبوليس ( الأشمونين ) التي كانت المركز الرئيسي لعبادة جحوتي ؟
4 – عندما يرد في النص عبارة " أنا لوح ألوانك يا جحوتي و سأحضر لك محبرتك " فهنا " لوح الألوان " يشير إلى المعبود أوزير الذي كان يندمج أحيانا بلوحة ألوان الكاتب نفسه ، فالمتوفى هنا يتحدث على لسان أوزير و يحضر لوح الألوان و المحبرة لجحوتي حتى يقوم بكتابة أعمار قصيرة للمتمردين على اللوح و المتوفى هنا يؤكد أنه لم يكن واحدا من هؤلاء الفوضويين و لذا فإن الموت السريع في العالم الآخر لن يؤثر فيه و أن من إقترفوا التدمير لن يدمروه .
5 – في واقع الأمر أن الفكر الديني و الأسطوري لا ينشأ من فراغ و إذا إفترضنا أن هذه الفقرة قد تم تأليفها في هيراكوليوبوليس ( إهناسيا ) وفقا لما يرجحه علماء المصريات فنرجح أن زمن كتابتها يرجع إلى عصر الإنتقال الأول حيث تمت صياغتها لأول مرة من جانب ملوك إهناسيا الذي ورثوا ملكية منف و إعتبروا أنفسهم صورة الإله الخالق على الأرض كإمتداد لصورة الملك في عصر الدولة القديمة و أن أبناء نوت هو إسم أسطوري يخفي ورائه بعض حكام الأقاليم خلال عصر الإنتقال الأول الذين نازعوا ملوك إهناسيا و لم يعترفوا بشرعيتهم بل و دارت بين زعماء إهناسيا و زعماء طيبة معارك ضارية مما كان له أكبر الأثر في كتابة هذه الفقرة الدينية التي شابهت تمرد بعض حكام الأقاليم على ملكية إهناسيا بتمرد أبناء نوت .
ننتقل للفقرة التالية التي هي عبارة عن كلمات يرددها أوزير فلان قائلا :
" يا آتوم كيف يتم إقتيادي إلى الصحراء الخالية من المياه و ليس بها هواء و عميقة جدا و شديدة الظلام و ليس لها نهاية ؟ " فيرد عليه المعبود آتوم " ستحيا في نعيم " فيستنكر المعبود أوزير الرد قائلا " و لكن لن يكون فيها لذة " و هنا يكون رد آتوم " لقد وضعت فيها الإجلال بدلا من الماء و الهواء و اللذة و وضعت فيها الإجلال بدلا من الخبز و الجعة " هكذا قال آتوم . ثم يواصل آتوم خطابه لأوزير قائلا " لن أسمح بأن تكون فقيرا و كل إله حجز مكانا في قارب الملايين و لكن مكانك هو خاص بإبنك حورس . ثم يقوم أوزير بتوجيه سؤال لآتوم قائلا له : " و ماذا عن مدى حياتي ؟ " فيجيبه آتوم " إنك ستعيش ملايين من ملايين السنين ، حياة ستمتد ملايين من السنين و لكنني سأدمر كل ما خلقته و سيعود هذا البلد إلى حالة ( النون ) ، حالة الفيضان ، كما كانت عليه الأمور في البداية و سأكون أنا ( آتوم ) من سيبقى مع أوزير عندما سأتحول من جديد إلى ثعبان لا يستطيع الناس التعرف عليه و لا تستطيع الآلهة رؤيته . كم هو جميل ما فعلته من أجل أوزير لقد منحته الجبانات ( المنطقة الصحراوية ) و إبنه حورس كوريث على عرشه في جزيرة اللهب "
يتبين لنا مما تقدم حقائق و نتائج هامة من خلال تلك الفقرة الأخيرة و هي :
1 – يستنكر أوزير طبيعة العالم الآخر التي يغلب عليها الخلو التام من المياه و الهواء و يسيطر عليها الظلام . و ربما يكون هذا الوصف المؤسف لمملكة الموتى هو سبب إرجاعنا للنص للعصر الإهناسي ( عصر الإنتقال الأول ) الذي طبع الأدب الجنائزي بمسحة من التشاؤم ميزته عن غيره من العصور .
2 – يظهر المعبود أوزير و هو يجهل جهل تام بطبيعة العالم الآخر الذي لا يعلم عنه إلا القليل فهو يظهر دائما في صورة من يقوم بتوجيه التساؤل أما آتوم فهو يعلم علم اليقين طبيعة تلك المملكة الأخروية فيجيب أوزير في كل تساؤلاته و لعل ذلك يوضح أن السيطرة الفعلية هنا على العالم الآخر و وفقا لسياق هذه الفقرة تكون لآتوم و ليس لأوزير و ذلك على الرغم من وصفه في معظم نصوص كتاب الموتى بأنه رب العالم الآخر أو سيد مملكة الموتى الأمر الذي يعكس وجود سيطرة كهنوتية شمسية في بداية عصر الدولة الحديثة أثرت في كتابة أو إعادة كتابة ذلك المتن .
3 – لأول مرة نجد في وصف طبيعة العالم الآخر عدم إحتياج أوزير أو المتوفى للماء و الهواء و اللذة و الخبز و الجعة و لأول مرة يظهر العالم الآخر بوصفه عالما واقعيا يخلو من تلك الملذات و المباهج و المظاهر الدنيوية و هو إتجاه يختلف تماما عن ما هو شائع و معروف في مناظر و نصوص أخرى للحضارة المصرية القديمة . فهنا نجد عالم آخر يتسم بوجود الإجلال الذي سيحل محل المباهج المادية . و من جانب آخر يظهر أوزير ( المتوفى ) و هو الذي يبحث عن هذه الملذات في مملكة الموتى بينما و على الجانب الآخر يظهر آتوم و هو الذي وضع في ذلك العالم الآخر سمة الإجلال و النعيم الذي سيحيا به أوزير بدلا من الماديات التي يبحث عنها .
4 –  إن عبارة قارب الملايين التي ورد ذكرها في النص تعني قارب الشمس التي تمتليء بالملايين ( إلى ما لا نهاية ) من الموتى الأبرار الذين تم تأليههم عند بداية دخولهم العالم الآخر فحجزوا مكانا لهم في ذلك القارب الشمسي .
5 – يؤكد آتوم لأوزير بأن إبنه حورس سيرث عرشه في مكان يدعى جزيرة اللهب و هو مكان إختلف الدارسون على تحديد معناه فمهنم من يراه عالم الدنيا أو مصر  و منهم من يراه مدينة إهناسيا ، مقر حكم زعماء إهناسيا خلال عصر الإنتقال الأول و منهم من يراه مدينة الأشمونين التي قامت فيها معركة أسطورية ورد ذكرها في متون التوابيت بين رع و أعدائه فلما إنتصر عليهم وضع النظام و بدأ الخلق هناك .
6 – يتوجه أوزير بالإستفسار من آتوم عن مدى حياته ؟ فيقول له آتوم بأنه سيحيا ملايين من السنين ثم يستدرك بأنه سيقوم بتدمير كل ما خلقه و ستعود مصر لحالة نون الأولى ( حالة الفيضان ) الأمر الذي يعكس وجود حالة فريدة من نوعها في النصوص الجنائزية الأخروية المصرية تتنبأ بنهاية العالم و لو بعد فترة طويلة من الزمن تمتد لملايين السنين إلا أن هذه النهاية لن تكون سوى عودة لشكل العالم الأول عندما تم خلقه لأول مرة و هي المياه الأزلية الأولى التي ستغمر العالم من جديد في نهاية المطاف و لن يتبقى أحد من الكائنات سوى آتوم و أوزير ( المتوفى ) بل و سيتحول آتوم الخالق نفسه إلى هيئة ثعبان أبدي و هي نفس صورته الأزلية الأولى التي تجلى بها في بدء الزمان و لن يتعرف عليه الناس و لن تستطيع الآلهة رؤيته مما يعكس أنه سيصبح ثعبان غامض و خفي .
ما هي علاقة الفقرة الأولى للفصل رقم 175 من كتاب الموتى بالفقرة الثانية السابقة ؟ فالفقرة الأولى تتناول أبناء نوت الذين تمردوا ضد آتوم و فعلوا الخطيئة بينما تتحدث الفقرة الثانية عن تساؤلات يوجهها أوزير لآتوم عن طبيعة مملكة العالم الآخر . و في واقع الأمر أنه يصعب وجود رابط موضوعي بينهما مما يرجح إستقلالية كل فقرة عن الأخرى في باديء الأمر ثم إدماجهما ببعض في فترة لاحقة و ربما يكون سبب الربط هنا أن المتوفى يحتاج لأن لا يموت مرة أخرى في العالم الآخر و هو ما يتضح من محتوى كلا الفقرتين
أما عن الفقرة الثالثة فهي تبدأ بسؤال يوجهه أوزير لآتوم قائلا :
" و لكن با ( ست ) سترسل إلى الغرب بخلاف كل الآلهة ؟ " فيرد عليه آتوم قائلا " لقد حرصت على أن تظل بائه حبيسة في المركب حتى لا يخشى الجسد الإلهي شيئا " ثم نقرأ " لقد إنتشر المديح في هيراكوليوبوليس و لقد ظهر أوزير كرع بعد أن عاد إليه عرشه و تولى حكم الضفتين المتحدتين و رضي التاسوع إلا أن ست أصبح في حزن عظيم " ثم توجه أوزير بطلب لآتوم فقال له " ليت ست يخشاني عندما يرى هيئتي الشبيهة بهيئتك ، ليت البشر و الآلهة المبرؤون و الموتى يأتون منحني الرأس في إحترام عندما يرونني " و عندئذ فعل رع ( آتوم ) من أجل أوزير كل ما قاله و حينئذ أتى ست و وجهه يلامس الأرض عندما رأى ما قام به رع من أجل أوزير و سال الدم من أنفه و عندئذ قام رع بدفن الدم السائل في الأرض و من هنا كان طقس ( غرق الأرض ) في هيراكوليوبوليس .
و هنا يمكن لنا أن نستشف بعض النتائج الهامة التي وردت في هذه الفقرة و هي :
1 – تبدأ هذه الفقرة بالتأكيد على إقتحام ست للعالم الآخر ( و هو أمر معروف منذ عصر الدولة القديمة في متون الأهرام ) و أن أوزير يخشى من أن يقوم ست بإحداث الضرر و الشر تجاهه الأمر الذي يعكس بشكل غير مباشر عدم قدرة أوزير على مواجهة ست في مملكة العالم الآخر و ذلك على الرغم من أنه ( أوزير ) هو المهيمن عليها فيأتي آتوم لطمأنة أوزير بأن با ( ست ) ستظل حبيسة في مركب الشمس و أنها لن تخرج عن نطاق تلك المركب في العالم الآخر و هو ما يؤكد أن المعبود الذي يمتلك القدرة في العالم الآخر هو آتوم و ليس أوزير و هنا نرى مرة أخرى وجود تأثير كهنوتي شمسي في الفصل رقم 175 من كتاب الموتى في بداية عصر الدولة الحديثة .
2 – لا يستطيع آتوم الإستغناء عن با ( ست ) في العالم الآخر و هو ما يشير بوضوح لأهمية وجود ذلك المعبود و دوره في حماية مركب الشمس و ربها آتوم ( رع ) في رحلته المسائية الأخروية و ذلك للدفاع عنه من مخاطر تلك الرحلة و أن إبقاء ست في مركب الشمس يعني عدم خشية الجسد الإلهي ( جسد أوزير ) لأي شيء . و هنا ندرك مرة أخرى خشية أوزير من سطوة المعبود ست في العالم الآخر فأوزير لا يملك لنفسه الحماية و لا يتمكن من إزالة خشيته من ست على الرغم من وجوده في مملكته . 
3 – يؤكد النص أن المديح إنتشر في هيراكوليوبوليس عندما و عمت فرحة النصر عندما ظهر أوزير كرع بعد أن عاد إليه عرشه و رضي عنه التاسوع إلا أن ست أصبح في حزن عظيم . و هنا نرجح تأليف هذه الفقرة مرة أخرى خلال عصر الإنتقال الأول و ذلك عندما إستقرت الملكية المصرية في إهناسيا حيث سعى ملوك إهناسيا لإضفاء الشرعية على حكمهم عند إعلانهم بأن أوزير تجلى في هيئة رع في منطقة حكمهم إهناسيا و أنه إسترد عرشه فيها و التي عم فيها المديح بعد إنتصار أوزير على عدوه ست و لم يكن ست هنا سوى صورة أسطورية لأي منازع لسلطة ملوك إهناسيا
4 – أن ست لن يخشى أوزير إلا عندما تصبح هيئة أوزير مطابقة لهيئة ( آتوم ) رب الشمس أو بمعنى أدق صورة الشمس الغاربة عند بوابة العالم الآخر و أن آتوم هو الذي وضع خشية أوزير في البشر و الموتى و الآلهة المبرئون بفضل تقمص الشكل الآتومي و هنا نطرح التساؤل التالي : هل يوجد شك لدى القاريء في سيطرة كهنة الشمس على هذا الفصل بالكامل ؟ .... إن آتوم هو صورة الشمس في لحظة الغروب و التي تسبق زمنيا كيان أوزير القابع في العالم الآخر و من هنا جاء تبرير أنصار الديانة الشمسية بأن من يسبب الخشية في العالم الآخر هو آتوم و ليس أوزير .
5 – إن عبارة ( سال الدم من أنف ست ) تعكس إنتصار أوزير على ست و إسترداده لعرشه و هنا يقوم رع ( آتوم ) بدفن الدم السائل في الأرض الأمر الذي يعني إرتواء الأرض بدم عدو أوزير حيث تشير الفقرة هنا بأن طقسة غرق الأرض تمت في إهناسيا و هو مكان إنتصار أوزير على ست . و في واقع الأمر أن عبارة غرق الأرض تشير إلى شعيرة تقليب أو عزق الأرض ( خبس – تا ) و هي شعيرة تقام في منف منذ العصر العتيق خلال مجريات عيد الإله سوكر رب جبانة منف و كانت تهدف لتمهيد الأرض لوضع الحبوب فيها من أجل إستنباتها و عندما إتحد سوكر بالمعبود أوزير و تحول العيد إلى عيد سوكر أوزير تم إضافة معنى آخر للطقسة و هو غرق الأرض التي ضربت بدم عدو أوزير ( ست ) فهنا ترتوي الأرض بدم العدو لتخصيبها من ناحية و للإعلان عن إنتصار أوزير على ست من ناحية أخرى و لذا فالنص هنا يسعى لإيجاد سبب أسطوري لنشأة هذه الطقسة و دون وجود علاقة فعلية بالنشأة التاريخية للشعيرة . و هنا نشير مرة أخرى بأن الدم سال من ست ليس بسبب قوة أوزير و تمكنه الذاتي من ست بل يرجع إلى رؤية ست لما قام به رع من أجل أوزير وفقا لما ورد في الفقرة ذاتها
6 – ربما كان الرابط الموضوعي الذي يصل بين الفقرة الثالثة من هذا الفصل و الفقرة التي سبقتها هي أنه بعد تثبيت حكم أوزير في العالم الآخر في الفقرة الثانية إستلزم ذلك القضاء على عدوه ست رمزيا حتى يؤكد إنتصاره عليه و عدم تمكنه من إحداث الضرر له في مملكته مع التذكير بأمر هام و هو أن فضل الإنتصار هنا يرجع لمعبود الشمس رع
أما عن الفقرة الأخيرة من الفصل رقم 175 من كتاب الموتى فنقرأ فيها :
" عندئذ أصاب أوزير ألم في رأسه بسبب الحرارة التي يسببها تاج الآتف الذي يتوج رأسه منذ أول يوم وضعه على رأسه لتخشاه الآلهة و عاد رع في سلام لرؤية أوزير في هبراكوليوبوليس فوجده جالسا في مقره يعاني من تورم في رأسه بسبب الحرارة التي يسببها التاج و هكذا قام رع بإسالة هذا الدم ثم قال لأوزير " أنظر لقد كونت بركة من الدم فتكونت هذه البركة المقدسة في هيراكوليوبوليس " و لكن أوزير قال لرع " كم أشعر أنني في حالة جيدة و كم يرتاح وجهي من الألم و كم أشعر بالراحة " و يقول رع لأوزير " إنتبه للإسم الجميل الذي أطلقته عليك الذي هو ( حري شا إف ) ذو المقر رفيع الشأن في هيراكوليوبوليس . إن تاج الآتف على رأسك و ملايين و مئات الآلاف و عشرات الآلاف و آلاف الخبز و الجعة و كل شيء طيب يأتي لك كقرابين و سيظل حورس إبن أوزير المولود من إيزيس على عرشك "
و هنا يمكن لنا أن ندرك الحقائق التالية من هذه الفقرة الأخيرة و هي :
1 – إن تاج الآتف أصله تاج شمسي إرتداه رب الشمس رع في بداية حكمه وفقا لأسطورة عين شمس في متون الأهرام إلا أنه هنا و من خلال سياق هذه الفقرة تم منحه للمعبود أوزير و السبب في إرتداء أوزير لتاج رع هو إدخال خشية أوزير عند أرباب مصر وفقا لمعطيات النص . و هنا مرة أخرى لا تحدث خشية و رهبة الآلهة من أوزير إلا عند إرتدائه لتاج الآتف ذو الأصل الشمسي .
2 – إن السبب الذي قدمته هذه الأسطورة لإسالة دم أوزير عند إرتدائه تاج الآتف هو ما سيأتي ذكره في العبارة التي تلت هذا الكلام و هي ( تكوين بركة أو بحيرة من الدم في معبد هيراكوليوبوليس المكرس لعبادة أوزير ) . إن الأسطورة هنا تسعى لإعطاء تفسير أسطوري فيما يتعلق ببحيرة أو بركة معبد هيراكوليوبوليس ( إهناسيا ) و التي إعتبرت مياهها الدم الذي سال من أوزير عند إرتدائه لتاج الآتف و من هنا فإن من يقيم طقسة التطهير في هذه البحيرة يعني حيازته و إرتدائه لتاج الآتف الذي يصبغ شرعية دينية و سياسية على ملوك إهناسيا و هو الأمر الذي يرجح صياغة الأسطورة بهذا الشكل الفريد من نوعه .
3 – يسعى كاتب النص هنا لتوحيد المعبود أوزير بمقر عبادة كبش إهناسيا و هو المعبود ( حري شا إف ) بمعنى ( القائم على بحيرته ) فأوزير حاز في إهناسيا على لقب ( حري شا إف ) وفقا لآلية الأسطورة و من هنا أصبح ( أوزير القائم على بحيرته ) و يتحول كبش إهناسيا لكي يصبح الهيئة الرئيسية لأوزير هناك و لا شك أن عبادة كبش إهناسيا أقدم زمنيا من عبادة أوزير في نفس المكان إلا أن النص يحاول هنا لكي يعطي إيحاء بأقدمية أوزير على كبش إهناسيا في ذات المكان .
4 – إن وضع تاج الآتف على رأس أوزير يتسبب في وهب القرابين له كتدعيم و تأكيد لشرعيته كحاكم تم تتويجه بالتاج الشمسي في إهناسيا و هو الأمر الذي يجعلنا نرجح بأن ظهور تاج الآتف على رأس ملوك مصر و لاسيما في معابد الدولة الحديثة يشير إلى مكان تقدمات قرابين أمام التماثيل أو المناظر الملكية التي صورت بهذا التاج فضلا عن تمثيل التاج على رأس الملك هو إستدعاء أسطوري لما سبق ذكره في الفقرة الأخيرة من الفصل رقم 175 من كتاب الموتى 

الجمعة، 15 مارس 2013

منظر على بطاقة عاجية للملك نعرمر



بسم الله الرحمن الرحيم 

منظر على بطاقة عاجية للملك نعرمر


- حيث يظهر الملك هنا و هو متجسد في هيئة المعبودة السمكة ( نعر ) و يمسك بمقمعته لضرب عدو من الشمال و يلاحظ ظهور علامتي ( نعر ) و ( مر ) دون تأطيرهما في سرخ ملكي . كما تظهر و لأول مرة فيما نعلم حتى الآن الشكل التصويري الفني للربة نخبت و هي تحلق وراء الملك ربما لحمايته و تظهر فوق مبنى مجهول أما في نهاية المشهد ناحية اليمين فيظهر الملك و بكل و عناصر السرخ الملكي و هي : 1 - السرخ . 2 - الصقر الذي يعلو السرخ 3 - كتابة إسم الملك داخل السرخ . و هنا ينبغي لنا أن نشير لعدد من الحقائق الهامة و هي : 
1 - تشابع الشكل الفني لطريقة إمساك الملك بالمقمعة ( ممثلا في هيئة السمكة ) مع إمساكه لها في صلايته الشهيرة الأمر الذي يعكس وجود نمط فني واحد في أسلوب نصوير إمساك الملك لمقمعته . 
2 - تشابه الشكل الفني للعدو المقهور مع هيئة العدوين المصورين على الوجه الأول لصلاية نعرمر عند الجزء السفلي . 
3 - تظهر المعبودة ( نعر ) هنا كواحدة من أقدم معبوادت الأسرة صفر و التي آزرت و دعمت الملكية الناشئة في تأديب و قتل الأعداء 
4 - ربما كان منشأ نعرمر من مدينة تقدس الإلهة ( نعر ) في صعيد مصر ؟ و هو الأمر الذي يفسر لنا ظهور إسم الملك أحيانا على آثاره دون أن يتم إلحاقه بالصقر حور رب نخن إلا أنه و بسبب هيمنة المعبود ( حور ) رب الملكية القديم على سياسة زعماء الأسرة صفر ، ظهر إسم الملك أحيانا أخرى مصورا في سرخ يعلوه الصقر . 
5 - يلاحظ هنا إتجاه جميع العلامات المصورة من اليسار إلى اليمين و ه نفس إتجاه الملك في صلايته و لا سيما على الوجه الثاني عندما يكون في رفقة الشمسو حور ( أتباع حورس ) عندما يتجه لقتل 10 أعداء 
6 - إن المبنى المصور أسفل نخبت يتشابه مع مفهوم المنشأة المصورة خلف نعرمر في صلايته و على الوجه الثاني ( و يرجح أن هذه المنشأة في كلا الأثرين هما عبارة عن أقدم تصوير فني للبر دوات أي بيت التطهير ) 
7 - الملك هنا خرج من بيت التطهير ؟ و إتجه لضرب العدو متجسدا في هيئة المعبودة نعر و هو الأمر الذي يتحقق على صلايته ( الوجه الثاني ) حيث يخرج من بيت التطهير متجها ناحية معبد ( حور مسنو ) لقتل 10 أعداء . 
8 - يكمل الملك مسيرته هنا و بعد ضرب العدو في ظهوره بهيئة السرخ الملكي الكامل ناحية مكان مجهول لم يتم تصويره 
9 - تم كتابة إسم العدو أمامه من خلال العلامة المعبرة عن الآنية و هو إسم يختلف عن إسم العدو المصور أمام نعرمر في صلايته 
10 - يقع المنظر بأسره في إطار مشهد ديني شعائري و لا يعبر بالضرورة عن حدث تاريخي

التقسيمات الزمنية لعصور ما قبل الأسرات في مصر

بسم الله الرحمن الرحيم 

التقسيمات الزمنية لعصور ما قبل الأسرات في مصر


 بداية من عصر حضارة نقادة الأولى و مرورا بعصر حضارة نقادة الثانية و أخيرا عصر حضارة نقادة الثالثة و التي تحتوي على عصر الأسرة صفر . هناك تساؤل يفرض نفسه : متى ينتهي عصر نقادة الثالثة ؟ هل ينتهي هذا العصر بتوحيد البلاد خلال الأسرة صفر ؟ ... سيكون ذلك إن شاء الله عنوان محاضرة في المستقبل بعنوان ( متى ينتهي عصر نقادة الثالثة ؟ )

تمثال قرد الملك نعرمر في متحف برلين


بسم الله الرحمن الرحيم 

تمثال قرد الملك نعرمر في متحف برلين


 - و قد وجد إسم الملك نعرمر آخر ملوك الأسرة صفر على قاعدة هذا التمثال ( إرتفاعه حوالي 52 سم ) - و هنا يظهر الملك متحدا بالمعبود ( حج ور ) بمعنى ( الأبيض العظيم ) و هو أحد أرباب العالم الآخر طوال عصور ما قبل الأسرات و حتى نهاية عصر الأسرة الثالثة و كان الملك يتحد به خلال مراسم العيد اليوبيلي ( حب سد ) بوصفه المهيمن على العالم الآخر و كان يتم تصويره في هيئة القرد المكفن و هو ما ظهر واضحا في البطاقات العاجية للعصر العتيق فضلا عن تصويره في هذا الشكل الجنائزي على إحدى ألواح الملك زوسر المكتشفة أسفل المقبرة الجنوبية و في بعض الأحيان لم يتم تصويره في هيئة القرد المكفن كما كان ذلك القرد يمثل مفهوم الملك السلف الذي إنتقل للعالم الآخر حيث يستمد منه الملك الخلف ( وريث العرش ) شرعية الحكم و من هنا ندرك أهمية ظهوره في شعائر ( الحب سد ) حيث كان يمثل المرحلة الأولى من ذلك العيد و هي مرحلة توحد الملك برب العالم الآخر ( حج ور ) قبل إعادة بعثه من جديد ( المرحلة الثانية ) و التخلص من الكفن مما يعني أن هذا المعبود كان هو الأقدم و الأبرز فيما نعلم حتى الآن و من آثار ما قبل الأسرات و العصر العتيق في إرتباطه بالملوك الأسلاف و الحب سد و عالم الجنازة و إضفاء اشرعية على حكم الملك الخلف و ذلك كله في فترة بعينها لم تكن العقيدة الأوزيرية قد تبلورت أركانها على الإطلاق

السبت، 9 مارس 2013

نقش لأحد زعماء الأسرة صفر و يسمى ( حوت حور )


بسم الله الرحمن الرحيم 

نقش لأحد زعماء الأسرة صفر و يسمى ( حوت حور )

 عثر عليه في منطقة وادي أم البلد في الصحراء الشرقية و في واقع الأمر لا نعلم إلا القليل جدا عن هذا الملك أو الزعيم و يعتبر هذا النقش هو الدليل الوحيد على محاولة سيطرة الزعيم ( حوت حور ) على طرق التجارة في الصحراء الشرقية كتدعيم لسيطرته على مصر . ثارت تساؤلات حول قراءة إسم هذا الزعيم فهل يقرأ ( حوت حور ) أم ( حور حوت ) ؟ و هل من الممكن إعتباره أقدم زعيم ينتمي في إسمه للمعبودة ( حتحور ) و ذلك على الرغم من غياب أي صورة لها في المشهد ؟ كما أن هناك من أثار الشك حول وجود زعيم بهذا الإسم و إعتبر الشكل السفلي مجرد سرخ ملكي متجرد في أبسط الخطوط و فارغ ؟ كما أن هناك من إعتبر أن الشكل المستطيل يعبر عن الهيئة المعمارية لإحدى المجموعات الجنائزية التي تنتمي للفترة المبكرة من عصر الأسرة الأولى ؟