الأحد، 10 فبراير 2013

أسطورة النزاع بين حورس و ست في بداية العصر المتأخر


أسطورة النزاع بين حورس و ست في بداية العصر المتأخر

إن أسطورة الصراع بين حورس و ست التي نقشت على نص لوحة الملك شباكا في عصر الأسرة الخامسة و العشرين و تناولت فكرة نشأة الدولة بالمعنى السياسي و الديني فضلا عن مفهوم الملكية المصرية تحت زعامة واحدة هي نتاج ديني متأخر و إن حملت في ثناياها على بعض المعطيات الفكرية القديمة . و لكن و قبل أن خوض في تناول ما ورد فيها ، ينبغي هنا أن نشير لأمر هام و هو :
إن الأسطورة هنا لا تتحدث عن وقائع تاريخية فعلية حدثت في زمن قديم و هو زمن ما قبل ظهور الوحدة المصرية و الكيان السياسي للدولة المصرية ، فقد كان هدف الكاتب أن يشير لزمن ما قبل وحدة مصر السياسية و ما حدث بعد ذلك عند توحدها و لأول مرة ، فلا شأن بما ورد في هذه الأسطورة بما وقع فعليا من الناحية التاريخية حتى و إن إحتوت على ( بذرة ) أو ( نواة ) حقيقية ، فهذه النواة تظل مجرد نواة حيث تراكم حولها معطيات أسطورية متعددة تسعى لوضع أهداف بعينها في إطار أيدولوجي ديني سياسي .
و النص الذي نتحدث عنه هو مقطع لغوي ورد ذكره على لوحة الملك شباكا و هو أحد ملوك الأسرة الخامسة و العشرين و قد زعم هذا الملك أنه قد قام بتجديد محتوى ذلك النص و نسخه من جديد على الحجر بعد أن كاد الدود أن يلتهم نسخة النص القديمة التي سجلت على ورق بردي قديم . أما عن أهم ما ورد في ذلك النص و تناول قصة النزاع بين حورس و ست فنجده في الفقرات التالية :
" أمر جب التاسوع المقدس للإجتماع به ، و لقد عمل على منع حورس و ست من الإستمرار في النزاع و فصل بينهما و قام بتعيين ست كملك على مصر العليا إلى حدود المكان الذي تمت فيه ولادته و هكذا قام بتعيين حورس كملك على مصر السفلى إلى حدود المكان الذي غرق فيه أبوه و هكذا وقف حورس في مكان و وقف ست في مكان آخر و قد إتفقا حول الأرضين في منطقة ( عيان ) و هكذا كانت الحدود بين الأرضين . و كان من رأي جب أنه ليس من الصحيح أن تكون حصة حورس مساوية لست و لذلك أعطى جب المعبود حورس ميراث أبيه أوزير و ذلك لأنه هو إبن إبنه و هو المولود الأول "
ثم قام المعبود جب بمخاطبة التاسوع قائلا لهم :
" أنا قررت أن يكون حورس خليفتكم و له فقط الميراث فهو الوارث الذي يرث ميراثي و هنا يعود إلى ( حورس ) إبن آوى من مصر العليا فهذا هو الإبن الذي تمت ولادته ( حورس ) في يوم ميلاد وب واووت ، و عندما ظهر حورس كملك على الأرضين كان ذلك في المكان الذي إتحدت فيه الأرضين عند منف و هذا يعني : أن حورس و ست قد إنسجما و إتحدا بواسطة تآخيهم و ذلك لكي يتم إنهاء النزاع بينهما و هما يتحدان في بيت بتاح و هو ميزان الأرضين ( منف ) و قد حدث أن تمت طقسة إتحاد الأرضين – سما تاوي – عند بوابتي معبد بتاح في منف "
و هنا يمكن لنا أن نستشف مجموعة من النتائج الهامة و هي :
1 – أراد كاتب النص في بداية العصر المتأخر و من خلال هذه الأسطورة المتأخرة زمنيا أن طبيعة النزاع القائم بين حورس و ست هو نزاع ذو طبيعة قانونية و بالدرجة الأولى ، فلا يتم إتخاذ أي قرار إلا من خلال إستدعاء مجمع تاسوع عين شمس و من هنا يتسم الحكم الذي سيصدر من خلال هذا المجمع بالصفة القانونية و الشرعية أما القرار فيظهرهنا أنه كان في يد الإله جب رب الأرض و المسئول الفعلي عن منح الملكية الإلهية و بشكل شرعي و قانوني للوريث الشرعي المعبود حورس الذي يتم وصفه بأنه إبن إبن جب بمعنى حفيد جب و إبن المعبود أوزير
2 – أن هذا النزاع لم يتم حسمه بينهما على الإطلاق بأي شكل يتسم بالعنف أو القوة و رغم ظهور إرهاصات أولى لفكرة عدم حسم النزاع بالقوة في متون الأهرام و منذ عصر الدولة القديمة إلا أن الجديد هنا هو التأكيد و الإصرار على تثبيت هذا المفهوم حيث تؤكد الأسطورة في بداية العصر المتأخر أن النزاع قد تم حسمه بشكل قانوني و شرعي من خلال حكم المعبود جب الصادر أمام مجمع أو محكمة تاسوع عين شمس .
3 – نلاحظ من ثنايا هذه الأسطورة أن المعبود جب إتخذ قرار في باديء الأمر بتقسيم مصر إلى مملكتين يحكمهما ست في الجنوب و حورس في الشمال ثم حدث أن تراجع جب عن قراره الأول و رأى أنه من غير الصحيح أن لا يعطي حورس كلا المملكتين فما هو السبب عن تراجعه في هذا القرار ؟
4 – إن تراجع المعبود جب عن قراره يكشف عن أمرين هما :
أ – في القرار الأول أراد كاتب النص أن يقول أن مصر في مرحلة ما قبل الوحدة كانت تنقسم إلى مملكتين ( و هو ما آمن به المصري القديم طوال تاريخه و لا يوجد أساس تاريخي صحيح لمفهوم وجود مملكتين قبل الوحدة السياسية و هو ما سبق و أن تناوله الدارس في أكثر من مقال سابق ) فنحن هنا نتحدث عن فكرة السلطة المزدوجة لحورس و ست في زمن ما قبل الوحدة بالمعنى الأسطوري
ب – في القرار الثاني يهدف كاتب النص لكي يبرز فكرة مرحلة الحكم الفردي المطلق و الشرعي للمعبود حورس و من خلال الرفض الحاسم و القاطع للسلطة المزدوجة ، فمصر هنا أصبحت كيان سياسي واحد أو مملكة سياسية واحدة بعد أن كانت مملكتين ، فالحكم المزدوج لم يتم ذكره في النص إلا لكي يشطب بعدها .
5 – يكشف نص الأسطورة في بداية العصر المتأخر عن ثلاث مفاهيم أو أفكار أساسية تتمثل فيما يلي :
أ – مرحلة أولى مفترضة ظهر فيها نزاع بين حورس و ست إلا أن هذا النزاع لم يصل لدرجة العنف .
ب – مرحلة ثانية يظهر فيها تسوية هذا النزاع من خلال المعبود جب رب الملكية القديم و رب الأرض الذي منح حورس مملكة الشمال و ست مملكة الجنوب و من هنا يحدث تصالح بينهما .
ج – مرحلة ثالثة و أخيرة و هي المرحلة التي يظهر فيها السلام النهائي الذي حل في البلاد كلها بإتحاد الأرضين أو المملكتين تحت سلطة و هيمنة و زعامة واحدة ، و هي سلطة حورس الوريث الشرعي لملكية البلاد .
6 – تحوي هذه الأسطورة في ثناياها على فكرة أن الإتحاد بين الأرضين أو المملكتين قد تم على شكل معاهدة للسلام بين الطرفين و بالرغم من إستحواذ حورس على الأرضين إلا أن ست يظهر و كأنه قد رضخ لقرار المحكمة الإلهية فلا وجود لأي إشارة عن تمرد قام به ست ضد هذا القرار بل أنه لا يتم عزله و لا إقصائه حيث يظل مندمجا و متعايشا مع النظام الملكي الجديد .
 7 – بالرغم من أن نص الأسطورة يرجع لبداية العصر المتأخر إلا أنها تحتوي على بعض المعطيات الفكرية و الدينية و الأسطورية القديمة التي ظهرت منذ العصر العتيق و الدولة القديمة . فهي هنا تسعى لتذكير القاريء بأن كل ملك يحكم البلاد يعيد أسطوريا و رمزيا قصة إتحاد الأرضين القديمة و عند إعتلاء كل ملك لعرش البلاد يتجسد في شخصه حورس و ست حيث يتصالحان و يتآخيان عند صعوده للعرش فيحكم البلاد بأكملها بعد أن كانت منقسمة إلى مملكتين و يبدأ في إجراء طقسة سما تاوي – توحيد الأرضين ( أنظر مقال سابق للدارس بعنوان المغزى الحضاري من شعيرة سما تاوي ) مع التذكير بأنه لا شأن بكل ما ورد بالحقيقة التاريخية . فالأسطورة لا تسجل ما حدث فعليا في الماضي الأول ( الماضي الفعلي ) بل تسعى لخلق الماضي الثاني ( الماضي المركب و الذي يتم مونتاجه ) من خلال تأطيره في دائرة أيدولوجية دينية سياسية .
8 – يتحد حورس في نص هذه الأسطورة مع المعبود وبواووت فكلاهما تتم ولادتهما في يوم واحد و قد إعتبرت هذه الفكرة صدى أسطوري قديم ظهر منذ عصر الدولة الوسطى و تحديدا في لوحات الحج لأبيدوس التي ورد فيها أن وبواووت هو الإبن الذي يدافع عن أبيه المعبود أوزير في يوم القتال ، فهنا يظهر وبواووت و كأنه إبن أوزير و الوارث الفعلي و الشرعي لملكية أبيه و بمعنى أدق لم يكن هناك فارق من خلال هذا السياق الأسطوري بين المعبودين حورس و وبواووت .
و هنا يمكن لنا أن نقول أن أسطورة النزاع بين حورس و ست في بداية العصر المتأخر تشكل نواة قديمة إلا أن هذه النواة كانت دائما ما يتم تركها مفتوحة لأي تطوير أو تعديل ، فالأسطورة المصرية تتسم بالديناميكية و ليست متحجرة أو جامدة . فهي تكشف من ناحية عن أن هذا التصالح قد تم في منف ، بإعتبارها الهوية السياسية و الحضارية و التقليدية لمصر منذ العصر العتيق فالكاتب هنا أراد أن يضفي مصداقية على محتوى و مضمون الأسطورة من خلال إبراز حدث التصالح في مدينة لها أهميتها الحضارية القديمة .
كما تشير هذه الأسطورة المتأخرة زمنيا من ناحية أخرى إلى وجود إفتراض بأن الكيان السياسي لمصر كدولة موحدة هو أمرا مقدرا منذ الأزل ثم تسعى لكي تستند على هذا الإفتراض كشيء موروث و مقدس منذ القدم . و قد رأى عدد كبير من علماء المصريات في السابق أنه من الممكن أن نفهم أو ندرك من خلال هذا النص وجود زخرفة أسطورية لحالة أو واقعة تاريخية حدثت في عصور ما قبل الأسرات ، حيث كانت مصر تنقسم إلى مملكتين و إنتهى الأمر في نهاية فترة ما قبل الأسرات بتكوين إتحاد إنتصر فيه أحد الطرفين ، ثم إنسجم الطرف الخاسر مع المنتصر إلا أن هذه النظرية قد بطلت تماما في علم المصريات و بعدما قد تبين لنا من خلال الشواهد الأثرية أنها فكرة قد إختلقت مع بداية العصر العتيق لتناسب المعطيات الأيدولوجية و السياسية و الدينية للنظام الملكي الجديد .
بينما رأى فريق آخر من الباحثين أن نص أسطورة الملك شباكا يمثل صدى قديم لتطاحن و صراع تاريخي فعلي قد وقع بين مملكتي نقادة و هيراكونبوليس ( نخن ) في الجنوب في عصر نقادة الثانية ( في عصور ما قبل الأسرات ) حيث كانت مملكة نقادة تحت هيمنة المعبود ست و كانت مملكة هيراكونبوليس ( نخن ) تحت سيطرة المعبود حورس . إلا أنه لا يمكن لنا أن نقبل بهذا الطرح لأن الشواهد الأثرية التي تعود لعصور ما قبل الأسرات لا تعكس أي نزاع بين مملكتي هيراكونبوليس ( نخن ) و نقادة بأي حال من الأحوال ، فضلا عن ذلك فقد أماطت الإكتشافات الأثرية اللثام عن أن زعماء مملكة نقادة في الجنوب ( و هي المركز الرئيسي لعبادة الإله ست ) كانوا يحملون لقب ( المنتسب للمعبود حورس ) و لا سيما في الفترة التي كانت البلاد تتوحد فيها سياسيا و فيما يعرف بعصر الأسرة صفر و هو ما يعني بعدم وجود علاقة بين مفهوم الصراع و التفسير السابق
هناك حقائق هامة نستشفها من نص أسطورة النزاع بين حورس و ست في بداية العصر المتأخر تتمثل فيما يلي :
1 – إن النص و برغم إنتمائه كتابيا لبداية العصر المتأخر ، إلا أنه يبرز فكرة قديمة في محتوى الأسطورة ذاتها و هي : أن حورس يمثل هنا القانون أو الوريث الشرعي الذي تمكن من خلال القانون أن يستولي على حكم البلاد بمفرده . أما ست فهو يعكس مفهوم القوة و البأس و الشدة و هي كلها صفات قد ألحقت بالمعبود ست منذ العصر العتيق أو حتى في عصور ما قبل الأسرات . و عندما يندمج ست مع حورس و يتعايش معه فذلك يعني أن القوة تتصالح مع القانون .
2 – ست منذ البداية لا يمثل مفهوم سلبي أو شيطاني ، فهو القوة اللازمة لأي ملك حاكم لتنفيذ القانون ، فلا قانون دون وجود قوة و لا قوة بمفردها دون وجود القانون بمعنى أدق ست هنا يظهر كأحد الأوجه الضرورية و اللازمة للحكم الملكي و الذي تتكامل وظيفته مع وظيفة المعبود حورس .
3 – عندما تعود الشرعية لحورس ، فذلك يعني إخضاع القوة لكي تصبح في خدمة القانون ، قالقوة إن ظلت دون وجود قانون ستصبح سلبية و تتحول إلى عنف و بما أن العنف لا يمكن أن يكون قانونيا لذلك سعى الكاتب هنا لإبراز فكرة : أن القوة و بعد إخضاعها تصبح في خدمة و تحت أمر القانون ( الشرعية الملكية ) .
و لكن ما هو السبب الفعلي لإعادة كتابة هذه الأسطورة في بداية العصر المتأخر و لاسيما في عصر الملك شباكا ؟
إن هذا النص يقع في إطار سياق أسطوري يبدأ بفكرة أن المعبود بتاح تاتنن هو الخالق الأول و بالتالي يتم إعلان الملكية المصرية في بدء الزمان بوصفها الإختراع الأول للمعبود بتاح تاتنن ، فهو الذي قام بخلق جميع الآلهة ثم قام بخلق آتوم رب عين شمس الذي ورث ملكية البلاد من بتاح تاتنن ( و يعني هذا الإسم بتاح رب الأرض الأزلية الأولى ) ثم يقفز النص عبر أجيال الآلهة التي ورثت الملكية جيلا بعد جيل حتى ينشأ مفهوم النزاع على هذه الملكية بين حورس وست . فالأسطورة هنا توضح كيف تم تقسيم المملكة المصرية بعدما كانت متحدة في البداية و بعدما كان يحكم البلاد إله وحيد ورث الملكية من الذي سبقه ( بتاح تاتنن في البداية ثم آتوم ثم شو ثم جب ثم أوزير ) و بالتالي فكاتب النص هنا يسعى للخروج بفكرة أنه ينبغي إعادة الوحدة مرة أخرى و مثلما كانت عليه من قبل على يد المعبود حورس و من هنا تبرز لنا أهمية الأسطورة من خلال ما جرى قبل و خلال عصر الملك شباكا . فذلك الملك و قبل أن يتولى مقاليد الحكم في البلاد كانت مصر تواجه حالة إنقسام تاريخي فعلي و لاسيما خلال عصر الإنتقال الثالث و بداية العصر المتأخر فقد كان يحكمها مجموعة من الأمراء المحليين من ذوي الأصل الليبي ، و كان كل حاكم يعتبر نفسه ملكا في إقليمه ، و لم يسعى الملك ( بيعنخي ) أو ( بي ) – و هو الملك الذي تولى مقاليد الأمور سياسيا قبل شباكا – إلى توحيد البلاد مرة أخرى ، بل عمل على تثبيت حالة الإنقسام السياسي الذي عرفته مصر خلال عصر الإنتقال الثالث و دون أي تغيير . و هنا تأتي أهمية إنجاز الملك شباكا الذي قام بالخطوة الحاسمة و أعاد توحيد البلاد مرة أخرى و قضى على سلطات الأمراء المحليين من ذوي الأصل الليبي ، و أنشأ من جديد الحكم الفردي المطلق لمصر . كما سعى هذا الملك من ناحية أخرى لإعادة العصر الذهبي للملكية المصرية القديمة و كان يعتبر وثائق الملوك القدامى الذين حكموا مصر في الماضي العتيق من الوثائق الدينية المقدسة التي ينبغي إعادة نسخها من جديد ، فظهر ميله ناحية عاصمة المجد القديم ( منف ) فعمل على إعادة بناء و توسيع هذه المدينة ذات الماضي التليد و جعلها مقرا للحكم الملكي تماما و مثلما كان هذا هو حالها في السابق و لذلك يمكن التأكيد على الأمور التالية :
1 – إن حالة ظهور مصر في الأسطورة كبلد موحد سياسيا و منذ ملكية المعبود آتوم ترمز إلى حالة مصر السياسية كدولة ذات سلطة سياسية واحدة قبل عصر الإنتقال الثالث .
2 – إن حالة الإنقسام بين مملكة في الشمال و أخرى في الجنوب و كما ظهر في الأسطورة تعكس و بشكل غير مباشر حالة مصر التاريخية خلال عصر الإنتقال الثالث حيث لم يعد يحكمها ملك واحد و لم تعد تعرف السلطة الملكية المركزية .
3 – عندما يحكم الإله جب بإعادة الملكية للمعبود حورس و تثبيت حكمه و بمفرده على البلاد كلها ( كما ورد في الأسطورة ) فذلك يشير و بشكل غير مباشر إعادة السلطة الملكية لحالة الحكم الفردي المطلق و من هنا تبرز أهمية نص الملك شباكا الذي سعى لإستغلال الأسطورة لتثبيت حكمه أيدولوجيا و بوصفه حورس الذي أعاد بذور الحكم الفردي المطلق تماما كما ورد في الأسطورة .
يتبين لنا مما تقدم أن أسطورة النزاع بين حورس و ست في بداية العصر المتأخر لم تنشأ من فراغ ، فلا يمكن فهمها دون ربطها بالواقع السياسي المعاصر لها زمنيا و لذلك يمكن لنا أن ندرك الحقيقة التالية و هي : أن الأسطورة برغم أنها تتحدث عن ( الماضي ) إلا أنه ( ماضي مختلق ) و ( غير بريء ) و بمعنى أدق أن من يصنع ذلك الماضي هو ( إحتياجات الزمن الحاضر ) فالحاضر هو الذي يخلق الماضي و ليس العكس . فالحاضر هنا هو زمن الملك شباكا الذي يتوارى تماما وراء الأسطورة و ذلك لكي يظهر الحاضر و كأنه يسعى لتقليد الماضي و لا سيما و إذا وضعنا في الإعتبار أن الماضي الذي نتحدث عنه هو ماضي الأسلاف المجيد   

رسالة الملكية في عصر الدولة الوسطى بين إقامة الماعت و إرساء مبدأ القوة القانونية و تحقيق نظام الخلق الأول و قهر أعداء البلاد


رسالة الملكية في عصر الدولة الوسطى بين إقامة الماعت و إرساء مبدأ القوة القانونية و تحقيق نظام الخلق الأول و قهر أعداء البلاد

يسعى الدارس من خلال هذ المقال أن يتناول قضية مفهوم إقامة الماعت خلال عصر الدولة الوسطى و الربط بين ذلك المفهوم و بين مبدأ إرساء القوة القانونية و تحقيق نظام الخلق الأول و قهر أعداء البلاد . و لا يسعني في هذا المقام سوى إهداء هذه الدراسة للزميلة العزيزة و الأخت القديرة ( مايسة مصطفى ) و التي تتجه دائما ناحية حب العلم و معرفة بعض القضايا والإشكاليات التي تتعلق بالفكر المصري القديم . زعم ملوك الأسرة الثانية عشرة أن عصرهم لم يكن سوى تطبيق عملي لمفهوم القضاء على الفوضى و إحلال النظام في البلاد بأسرها و بصورة أبدية . و قد تم التعبير عن هذا البرنامج الأيدولوجي السياسي من خلال النموذج الأدبي الشهير و المعروف بإسم ( تنبؤات نفرتي ) ، فقد كان ذلك النص يعبر عن نموذج أدبي كلاسيكي لوصف الأزمات و الإشكاليات و الفوضى التي سادت في مصر خلال عصر الإنتقال الأول وفقا للصورة التي سعت السلطة الملكية في عصر الدولة الوسطى أن تعلنها على الملأ ، و لذا فقد قامت تنبؤات نفرتي بإبراز سياسة الملكية في عصر الدولة الوسطى كرد فعل على زمن الفوضى السابق من خلال الحقيقة التالية :
أن ممارسة السلطة السياسية و ضع القانون في حيز التنفيذ لا يمكن تطبيقهما إلا من خلال إستخدام ( مبدأ القوة ) حيث ينبغي منع أي قوة منافسة سياسية أخرى للسلطة الملكية من الظهور بل و قمعها إن لزم الأمر ، لأن ترك أي قوى سياسية أخرى منافسة لهذه السلطة يعني جلب الفوضى و إحداث الأزمات في مصر مثلما حدث في السابق .
و لذا فقد تحولت الملكية في عصر الدولة الوسطى إلى دولة القوة القانونية ، و السعي نحو إحتكار هذه القوة و بشتى الطرق فكان ذلك هو سبيلها الأوحد للقضاء على زعماء الأقاليم الآخرين المنافسين لهم و كسر شوكة جيوشهم للأبد و إخضاعهم للسلطة الملكية ذات الصبغة الشرعية الوحيدة .
إن إختلاق نص تنبؤات نفرتي كنموذج كلاسيكي للملكية خلال عصر الدولة الوسطى كشف عن الحقائق التالية :
1 – هذا النص هو تقرير وصفي لفوضى وهمية مختلقة حلت على البلاد بأسرها قبل تولي ملوك الأسرة الثانية عشرة مقاليد الحكم و هو يصور طبيعة الأمور في مصر و العالم عندما لا تتواجد السلطة الملكية التي تسعى لإحقاق الحق و وضع النظام في مقابل الفوضى
2 – وظيفة هذا النص هو التأكيد على عدم إمكانية إحلال السلام في العالم و إستحالة تطبيق النظام و العدالة إلا من خلال وجود سلطة ملكية شرعية إختارها الإله و إصطفاها منذ الأزل .
3 – ترسيخ مفهوم إنتشار الأزمات و الكوارث في مصر إذا غابت السلطة الملكية الشرعية صاحبة الحق في تطبيق مبدأ إستخدام القوة العسكرية مما يؤدي إلى وعي الشعب المصري بالخطر الدفين عند إختفاء هذه السلطة ، فلا سلام و لا نظام و لا عدالة إلا في وجود ملك شرعي يطبق مبدأ إستخدام القوة ذات الصبغة القانونية . 
4 – يوحي هذا النص بأن الإنسان في مصر و العالم لا يميل إلى تحقيق النظام ، بل هو خاضع فطريا و طبيعيا و تلقائيا لإحداث الفوضى ( إسفت ) و هنا يمكن معنى وجود السلطة الملكية التي تحقق الماعت ( النظام و السلام و العدالة و الحق و الخير )
و لهذا السبب قامت النصوص الأدبية الملكية ، ذات الطبيعة الدينية و الأهداف السياسية ، بطرح هذه الإشكالية الخطيرة وفقا لمنظورها الأيدولوجي : كيف سيكون الحال عند إختفاء ماعت ؟
إذا إختفت ماعت كنتيجة لغياب السلطة الملكية ، أدى ذلك إلى إنهيار الصلة التي تربط الإنسان في مصر بعالم الآلهة ، فماعت كانت تربط الفرد بالأحياء و الأموات و الآلهة و الكون ، و عندئذ تتنحى الآلهة عن عالم مصر ، و بما أنها ( الآلهة ) هي التي تعمل على ضمان الخير و الخصوبة للبلاد بأسرها ، يكمن هنا خطر غيابها ، لأن العاقبة ستكون وخيمة حيث تنتشر المجاعات كنتيجة لإنخفاض مستوى الفيضان و يغيب الأمن فيسود القتل و النهب بين الناس مما يفضي لتحطيم الصلات الإجتماعية الطيبة بين جميع الأفراد ، و كأن التساؤل المضمر ( الخفي ) الموجه من السلطة إلى الأفراد : أهكذا يرتضي شعب مصر لنفسه الكوارث التي وقعت خلال عصر الإنتقال الأول و في غياب السلطة الملكية الشرعية ؟
و لعل أبلغ الصور الأدبية البلاغية التي عبرت عن مفهوم إنتشار إسفت في البلاد في ذلك العصر هي الفقرة التي وردت في نص ( إيبوور ) – المختلق خلال عصر الدولة الوسطى – حيث ذكر هذا الحكيم " فإذا سار ثلاثة أشخاص في الشارع ، لا يلبث أن يتبقى إثنان منهم فقط ، لأن العدد الأكبر يقضي على العدد الأصغر ، و يصبح لون النهر أحمر لسيلان الدم فيه " و كلما تصاعدت الوتيرة اللغوية الأدبية البلاغية لإنتشار إسفت ، كلما نمى الشعور بالخطر ، و نشأت الحاجة لوجود السلطة الملكية الشرعية .
و لذلك السبب يتم رثاء إنهيار العدالة – المفترض غيابها خلال عصر الإنتقال الأول - في نص ( إيبوور ) بهذه الكلمات :
" لم يعد هناك أحد يسير في الطريق ، فقد عمت المعارك بالأيدي ، و لم يكن هناك قائد في تلك الساعة " ثم يطرح كاتب النص التساؤل التالي : " أين هو في هذا اليوم ؟ هل هو نائم ؟ ... أنظروا : لا يمكن رؤية سلطته العقابية و لا يمكن لأحد أن يناديه لأنه كان خاليا من الغضب ضد من أحدث الفوضى "
يتبين لنا من هذه الفقرة ملاحظات هامة تمثلت فيما يلي :
1 – من الصعوبة معرفة من هو المخاطب بصورة مؤكدة من خلال عبارة " أين هو في هذا اليوم ؟ هل هو نائم ؟ " ، فهل هو الإله الخالق نفسه الذي تنحى عن العالم ؟ أم هو الملك الحاكم ضعيف الشخصية ( صورة الملكية خلال عصر الإنتقال الأول ) ؟ لكن في كلا الحالتين يبرز هنا النقد الموجه لأول مرة في نص أدبي بلاغي لأي منهما عند إنتشار إسفت .
2 – عدم وجود المقدرة على إثارة الغضب ضد الظلم و هي صفة الملك الضعيف و هي صورة تناقض صورة الملك القوي الذي ينبغي أن يغضب ( الغضب العادل ) – صورة الملكية في عصر الدولة الوسطى .
3 – سعى هذا النص و غيره من النصوص الأدبية الأخرى إلى الترويج لفكرة أن الغضب العادل هو من الفضائل الأخلاقية التي ينبغي للملك و حاشيته أن يتحلوا بها ، فهو يغضب لما يغضب له الشعب إذا غابت العدالة و حل الظلم .
و لذلك فلا غرابة من وجود نص أدبي آخر ، و هو نص سنوهي الذي ينتمي لعصر الدولة الوسطى ، يتناول غضب الملك المصري في عصر الدولة الوسطى وفقا للصيغة الأدبية التالية :
" إذا غضب ، يتجمد أنف كل إنسان فلا يتنفس ، و إذا هدأ يتنفس الإنسان ثانية " .
و هنا ندرك أن الغضب التاريخي الأول كان هو غضب الملكية وفقا للمنظور الأيدولوجي لأدب السلطة في عصر الدولة الوسطى و لم تكن قد ظهرت بعد فكرة الغضب الإلهي في ذلك العصر ، فغضب الإله لم يظهر تاريخيا و للمرة الأولى إلا من خلال النصوص الأدبية السياسية لعصر الرعامسة ( خلال الدولة الحديثة ) و كرد فعل على أحداث عصر العمارنة ، فانتقلت وظيفة حراسة و حماية العدالة من الملكية إلى الإله و بصورة نهائية ، و تحول مصدر الغضب من الملك في الدولة الوسطى إلى الإله في عصر الرعامسة .
إن الجشع و الطمع و الكذب و جميع مظاهر الشر ( إسفت ) الأخرى هي صفات لها جذور طبيعية و فطرية في البشر و في العالم وفقا للتصورات الأيدولوجية لملكية الدولة الوسطى . و لكن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أن هذه الملكية كانت تدعوا لمفهوم مشابه للفلسفة الدينية الغنوصية التي نادت خلال القرن الثاني الميلادي بفكرة رفض وجود العالم بأسره بإعتباره ( شر مطلق ) ، فالعالم وفقا لهذه التصورات الملكية ليس شر مطلق ، بل هو عالم ذو قيمة مزدوجة تتكون من الخير و الشر ، و ينبغي للملك أن يمارس سلطته و بقوة على هذا العالم حتى يتمكن من توحيد القيمة المزدوجة التي تتحول إلى قيمة واحدة إيجابية ، فيحل الخير بدلا من الشر و يحل النظام بدلا من الفوضى . و لكي يحقق الملك هذا الهدف ، تبرز سلطته تارة في شكل رحيم و مسالم و عطوف تجاه الأفراد الطيبيين و تبرز تارة أخرى في شكل عدواني و قاتل تجاه المتمردين و يظهر الوجه المزدوج لهذا الشكل الخاص بالسلطة الملكية بإندماجه بالإلهة ( باستت ) الربة الرحيمة العطوفة المسالمة ، و بإتحاده بالإلهة ( سخمت ) ربة العنف و القتل و العدوانية ، و هو الأمر الذي تجلى بوضوح في نص سنوهي الذي ورد فيه ما يلي :
" هو ( الملك ) باستت التي تحمي الأرضين و من يقوم بتمجيده ( تمجيد الملك ) يصبح تحت ذراعه الحامية ، و هو الإلهة سخمت التي تقف ضد كل من يعصي الأوامر و من يكرهه ( يكره الملك ) سيكون مصيره البؤس و الشقاء "
إن هذه الفقرة التي تنتمي لنص سنوحي تعكس بعض الأمور الهامة التي تتمثل فيما يلي :
1 – إن هذا النص يكشف عن مفهوم الولاء المطلق للسلطة الملكية خلال عصر الدولة الوسطى ، فهو ينتمي لبرنامج تعليمي يهدف لوضع الرعية و تشجيعها نحو طاعة الملك الذي يتعهد بوضع من يطيعه تحت ذراعه الحامية بوصفه الإلهة ( باستت ) التي تحمي الأرضين
2 – يتجه هذا النص من ناحية أخرى لتوجيه تهديد مباشر و صريح لكل من يقف ضد سياسة هذه السلطة أو لا يمتثل لأوامرها ، ففي هذه الحالة لن يجد أمامه سوى الإلهة ( سخمت ) التي يتحد بها الملك لقمع جميع معارضيه .
3 – لا يمكن لأي فرد ينتمي لشعب مصر أو ينتمي للعالم أن يقف – من خلال هذه الفقرة – تجاه السلطة الملكية في موقف المحايد ، فعليه أن يقرر منذ الآن فصاعدا إلى أي جهه سينتمي ؟ هل سينتمي لجبهة الملك و يصبح تحت حمايته ؟ أم سينتمي للجبهة التي تعارضه ؟
4 – تكشف هذه الفقرة عن فكرة لجوء الملكية و إتجاهها نحو الألوهية سواء ناحية باستت أو ناحية سخمت في تثبيت صورتها المزدوجة : المسالمة و العنيفة أمام الشعب المصري ، فالألوهية هنا أقوى من الملكية حتى و إن لم يعترف بها كاتب النص بشكل مباشر أو صريح فلولا وجود ألوهية لها مكانة طيبة و قوية في نفوس الناس لما لجأت السلطة الملكية لهذا التشبيه الأدبي البلاغي .
و هنا ينتقل الدارس لتناول قضية هامة من القضايا الفكرية الهامة و التي لم تقتصر فقط على عصر الدولة الوسطى ، و إن كان تناول مفكروا الدولة الوسطى لها ترك تأثيرا بالغا فيها ، و هذه القضية هي مدى إرتباط مبدأ القوة بتحقيق العدالة ، و القوة التي نتحدث عنها هنا هي قوة الملكية التي تلجأ أحيانا لأقصى عقاب لأجل تحقيق النظام ، فهذه السلطة الملكية قد تلجأ لحكم ( الإعدام ) و هو بلا شك من أعظم الأحكام المؤثرة الذي لا يمكن إصداره إلا من جانب السلطة الملكية أو الآلهة المصرية . فالقتل في الحضارة المصرية القديمة هو إحتكار صارم للدولة ( و ذلك لم يمنع من وجود بعض الحالات التي تم تنفيذ حكم الإعدام فيها في فترات تاريخية معينة من جانب حكام الأقاليم ) فعقوبة الإعدام لا تصدر إلا من جانب الملك الذي يتم توجيه النصيحة له بأن يتروى و يتحفظ للغاية في إصدار مثل هذا الحكم .
و هنا نجد تساؤل هام يطرح نفسه : ما هو السبب الذي يدفع الملك للتروي كثيرا قبل أن يصدر مثل هذا الحكم ؟
مما لاشك فيه أن مثل هذا التحفظ يعود في المقام الأول إلى التصور المتعلق بأهمية روح الإنسان . فخلال عصر الدولة القديمة كان الملك هو الوحيد الذي له الحق في وجود ( با ) بمعنى روح ( مع التحفظ الشديد في ترجمة هذا المصطلح بذلك المعنى ) و أن هذه ( البا ) الملكية تنفصل عن جسد الملك بعد وفاته و تبتعد عن عالم الأرض لتصعد لعالم السماء ، و لكن و بعد نهاية عصر الدولة القديمة و ما تبعها من تغيرات سياسية و دينية خلال عصر الإنتقال الأول ، حدث تحول بارز الأهمية تجاه ( البا ) التي أصبحت حقا للجميع ، فقد ساد الإعتقاد منذ عصر الدولة الوسطى بأن لكل إنسان روح تنتقل معه نحو العالم الآخر بعد وفاته ( و يرى عالم المصريات ألتن موللر بأن مفهوم البا ( الروح ) قد إتسع كثيرا منذ نهاية عصر الدولة القديمة و لم يكن مقتصرا فقط على الملوك و إنما شمل أيضا عدد من الأفراد ) و بسبب هذه السلطة الروحية الكامنة في كل إنسان لا يتم تنفيذ حكم الإعدام إلا في حالات قصوى يكون فيها رضاء الآلهة المصرية مؤكدا وفقا لمفاهيم الأيدولوجية الملكية المصرية ، و ذلك لأن الحاكم نفسه يخشى شكوى روح المحكوم عليه بالإعدام في محكمة العالم الآخر إذا كان حكمه غير عادل . و ما يؤكد هذا الطرح هو النص المعروف بإسم ( تعاليم الملك خيتي الثالث لإبنه مري كارع ) حيث يوجه هذا الملك حديثه و نصائحه لإبنه قائلا له :
" إحفظ نفسك من العقاب غير العادل ، و لا تقتل لأن ذلك لا يجلب النفع لك و عاقب بالسجن أو الضرب و بهذا الشكل ينتعش و يزدهر البلد ما عدا العصاة و المتمردين الذين إنكشفت خطتهم لأن الإله يعلم أنهم عصاة فيجازيهم بالدم . و الحكام الذين يفصلون بين الناس في المحكمة الأخروية ، أنت تعرف أنهم ليسوا طيبين و في ذلك اليوم يأخذ البؤساء حقوقهم ممن ظلموهم "
هناك حقائق هامة تتعلق بهذا النص الأدبي تتمثل فيما يلي :
1 – يعتقد البعض من الدارسين بأن هذا النص قد تمت كتابته خلال نهاية عصر الإنتقال الأول و ذلك عندما كانت الملكية لا تزال تحت سيطرة ملوك إهناسيا و قبل أن تنتقل مقاليد الأمور لزعماء طيبة الذين إنتصروا عليهم في نهاية المطاف و قاموا بتأسيس عصر الدولة الوسطى .
2 – و نظرا لأن الملكية خلال عصر الإنتقال الأول لم تكن على نفس درجة و قوة السلطة الملكية خلال عصر الدولة القديمة ظهر في ذلك النص و لأول مرة إعتراف الملك بأخطائه فهذا شيء جديد لم نعهده من قبل ، فهو ينصح إبنه بعدم تكرار الأخطاء التي وقع فيها عندما يحكم البلاد .
3 – ظهر في ذلك النص و من خلال الفقرة التي وردت هنا أن هناك محكمة في العالم الآخر ، سيحاسب فيها الجميع أمام الآلهة بل و يظهر فيها الملك كشخص يتم محاسبته هو الآخر و إلا لما قال لإبنه " أنت تعرف أنهم ( حكام المحكمة ) ليسوا طيبين " و هو ما يعني أن الملكية خلال عصر الإنتقال الأول كانت تؤمن هي الأخرى بحقيقة إتيانها بالخطأ بل و أنها ستحاسب على ما إرتكبته من أخطاء .
4 – هناك بعض الباحثين يرون أن هذا النص لا يعود لعصر الإنتقال الأول على الإطلاق ، بل هو نص مختلق خلال عصر الدولة الوسطى و تم رده زمنيا لعصر الملك الإهناسي ( خيتي الثالث ) و الذي يظهر فيه كملك مرتكب للآثام مما يعني أنه كان موجها كدعاية سياسية سلبية ضد ملوك العصر الإهناسي من جانب ملوك الدولة الوسطى الذين حرصوا على إبرازهم في تلك الصورة السلبية .
و هناك نص أدبي آخر يؤكد أهمية عدم إصدار حكم الإعدام على أي شخص دون أن يرتكب ذنب محدد و هو نص بردية وستكار الذي تم تأليفه خلال فترة متأخرة من عصر الدولة الوسطى حيث يتحدث هذا النص عن ساحر يدعى ( جدي ) إشتهر بقدرته على الإتيان بالخوارق السحرية ، إلا أنه يمتنع عن إجابة طلب الملك ( خوفو ) الذي رغب في رؤية معجزاته فطلب منه فصل رأس أسير مسجون حتى يرى خوارقه الباهرة و هنا يبدي الساحر شجاعة بالغة و يرفض طلب ( خوفو ) فيقول له : " و لكن ليس على إنسان يا سلطاني و يا حاكمي أنظر إنه غير مسموح بإجراء ذلك على قطيع الإله " . و هنا تغير رأي الملك ( خوفو ) فورا و أمر بجلب أوزة فقطعت رأسها ثم أعيدت لها مرة أخرى فأدرك الملك قدرة الساحر جدي الخارقة .
         ينبغي لنا هنا في هذا الصدد أن نطرح الإستنتاجين التاليين :
1 – يظهر الساحر و ليس الملك في صورة الشخص القادر على الإتيان بالخوارق و المعجزات و هو ما يعكس صورة أخرى للملكية لا تتفق مع ما ورد ذكره عنها من ألقاب و صفات تم تسجيلها على جدران المعابد المصرية القديمة .
2 – هذه البردية من وحي الخيال الشعبي و لم يتم إنتاجها في مصنع الأيدولوجيا الملكية ، فهي تعكس فكر العامة من الناس تجاه بعض الملوك و كان الفكر الشعبي المصري خلال عصر الدولة الوسطى يرى خوفو بوصفه ملكا لا يبالي بالقيمة الإنسانية فيأمر الساحر بقطع رأس أسير لإجراء معجزاته السحرية . و كان هذا الحكم ( قطع الرأس ) من وجهة النظر الشعبية حكما ظالما و لا سيما و أنه يتم على شخص أسير مسجون لم يرتكب ذنبا خطيرا يستوجب ذلك العقاب و لا ينبغي إستخدامه كأداة للتجارب الملكية
 و من ناحية أخرى تبرهن وثائق مؤامرة الحريم الملكي التي كان ضحيتها الملك رمسيس الثالث في عصر الأسرة عشرين على وجود مثل هذا التحفظ في إصدار حكم بالقتل على المتآمرين ضد الملك . فلم يتم إعدام المجموعة التي حرضت على إرتكاب هذه الجريمة و بالرغم من إثبات ذنبهم إلا أنهم لم يعدموا و إنما حكم عليهم بالإنتحار حيث كان هذا التحفظ تجاه القتل يرجع لسبب الخوف من المحاكمة في العالم الآخر و إمكانية محاسبة من تسببوا في قتلهم من جانب آلهة العالم الآخر و من هنا نستنتج حقيقة بارزة الأهمية و هي :
إن تطور عقيدة المصريين في عصر الدولة الوسطى فيما يتعلق بوجود حساب في محكمة أخروية فضلا عن فكرة خلود الروح لجميع الناس و إمكانية تقديم شكوى لهذه الروح ضد من ظلمها ، ترك تأثيرا كبيرا في العمل السياسي للملكية منذ عصر الدولة الوسطى و حتى نهاية العصر المتأخر و أن توخي تطبيق العدالة و إستخدام مبدأ القوة ضد المتمردين لا يعني على الإطلاق إفراط يد الملك في القتل .
هل لجأت السلطة الملكية في عصر الدولة الوسطى و ما تلاها من عصور إلى عمل إجراءات أخرى لممارسة الحكم السياسي ؟
 في واقع الأمر أن السلطة الملكية بداية من عصر الدولة الوسطى لم تعتمد فقط على مفهوم إستخدام القوة لتطبيق العدالة في ممارستها السياسية ، و لكن إعتمدت أيضا على إستمرارية إجراء الطقوس ذات الطابع السحري في المعابد المصرية للسيطرة على نظام الحكم في البلاد ، فنظام الحكم الملكي في مصر يرتبط إستقراره بمفهوم الحفاظ على دورة أو مسار الشمس في العالم ، فإذا كانت الشعائر تهدف للحفاظ على مسيرة الشمس فذلك يؤدي إلى وجود ملكية مستقرة و تتميز بتحقيق بالعدالة مما يعم بالنفع و الخير على الجميع .
و كان إجراء هذه الطقوس السحرية الشمسية في المعابد المصرية القديمة يهدف فعليا لتحقيق أمرين هما :
1 – هي شعائر تعمل على الإبادة التامة لأعداء إله الشمس رع و هي موجهة في الأساس لثعبان الفوضى عبب ( الذي ظهر في نصوص الحضارة المصرية لأول مرة خلال عصر الإنتقال الأول ) . إن ظهور ذلك الثعبان كخطر يهدد المسيرة الشمسية في الكون يعني أن العالم لم يعد كما كان من قبل يتمتع بقيمة الخير وحده بل أصبح يتكون من قيمتين : الخير و الشر و هي صورة دراماتيكية تكونت لدى الفكر المصري بعد سقوط الملكية في نهاية عصر الدولة القديمة .
2 – لم تكن هذه الطقوس الشمسية السحرية موجهة فقط ضد أعداء الإله ، بل كانت موجهة أيضا ضد العدو السياسي للسلطة الملكية و تحديدا منذ بداية عصر الدولة الوسطى .
و لكن و من جانب آخر ينبغي أن نشير لأمر هام و هو : أن الطقوس السحرية لإبادة الأعداء ظهرت إرهاصاتها الأولى منذ فترة متأخرة من عصر الدولة القديمة و لاسيما فيما تعارف عليه الدارسون بإسم طقسة ( تحطيم الأواني الحمراء ) التي ورد ذكرها في متون الأهرام إلا أن هذه الظاهرة زادت خلال عصر الدولة الوسطى و أصبحت نموذج بارز للملكية خلال تلك الفترة . و تتمثل هذه الشعيرة في تحطيم مجموعة من الأواني الحمراء و التي نقش عليها أسماء أو كينونة أعداء الإله أو الملك كما ظهر عليها بعض النصوص الطقسية الموجهة ضد ( الأمراء الأجانب و حاشيتهم و كل المصريين من رجال و نساء من الذين يثيرون الفوضى ) حيث نقرأ وصفهم فيما يلي
" هم يتمردون و يثيرون الفتن و يضمرون العصيان في جميع أنحاء البلاد " بل إن هذه الطقوس التي سجلت كنص على هذه الأواني إتجهت ناحية كل ما يفكر فيه العدو أو المتمرد من شر داخل قلبه و لم يخرجه بعد إلى حيز التنفيذ ، فالفكرة السيئة يتم القضاء عليها قبل أن تدخل في نطاق التنفيذ بفضل هذه الشعائر فنقرأ النص التالي الموجه صراحة ضد :
" كل الكلمات السيئة و الشريرة و الصفات الدنيئة و كل الفتن السيئة و كل الخطط و الأمور السيئة و كل الأحلام السيئة و كل نوم سيء "
  و هنا يمكن لنا أن نستشف النتائج التالية و هي :
1 – إن الطقوس هنا تقوم و منذ عصر الدولة الوسطى برقابة سحرية حول الأمور التي لا تقبل الرقابة من أي جهة أو سلطة بصورة قاطعة مثل : صورة الملك في حديث معين بين الناس بل و حتى في أحلام الرعية ذاتها ، فإن تناول أحد الأفراد ذكر الملك بشكل سيء ، تم توجيه هذه الطقوس ضده .
2 – تظهر هذه الطقوس السحرية ( كعنصر مكمل ) و ليس ( كعنصر بديل ) لأجهزة و مؤسسات الرقابة الملكية ، فالطقوس السحرية تبدأ مفعولها عندما تعجز أجهزة الرقابة عن أداء عملها بكل فعالية ممكنة .
3 – تتجه هذه الطقوس السحرية ضد الخطر الذي تحاول الملكية صده و مواجته سواء من الخارج أو الداخل . فالأجانب و المصريون يتم وضعهم على مستوى واحد إذا كانوا من المتمردين و المعارضين
4 – إن فكرة الغضب الملكي العادل التي أشرنا إليها من قبل تتجه ضد ظلم علني و واضح و ظاهر ، و لكنه لا ينصب أبدا ضد أفكار و خطط و وجهات نظر مستترة ( خفية ) ، و من هنا تظهر أهمية هذه الطقوس السحرية التي توجه ضد حقد ( الذين يحقدون على الملك في قلوبهم ) - وفقا للتعبير المصري – فمن يفعل الشر و يرتكب جريمة ظاهرة للعيان يقع ضحية غضب الملك و من يكره الملك في قلبه ( و هي جريمة غير ظاهرة ) يستحق غضب الملك و عقابه السحري .
إن رسالة الملكية في عصر الدولة الوسطى و ما تلاها من عصور تاريخية لاحقة تمثلت في إبراز الحقيقة الفكرية التالية :
خضوع الجميع أمام الشعائر السحرية التي تحمي الملك من أحقاد الأجانب و المصريين من المتمردين . فالمسألة هنا تتعلق بأحقية الملوك الشرعية لهذه السلطة السياسية . و في نظر الفكر الملكي لا توجد سلطة دون تمرد و لا يوجد النور دون الظلام و كما أن الشمس تكافح خلال مسيرتها الكونية للقضاء على أعدائها ( و هي فكرة ظهرت تاريخيا و لأول مرة خلال عصر الأسرة صفر من خلال تصوير الزعيم أو الملك كواحد من المشاركين في القضاء على أعداء الشمس في صلايات تلك الفترة ) من خلال إصدار أشعتها المتوهجة و الحارقة نحوهم ، مما يعني أنها لا تتمكن من البقاء في العالم إلا من خلال التوهج المحرق للأعداء ، كذلك ينبغي أن تكون السلطة الملكية التي لن تتمكن من البقاء إلا من خلال القضاء على الأعداء المتمردين و الذين يسعون لإحداث الفوضى في البلاد .
و معنى ذلك أن لجوء الملكية للقتل يبرز أنها الحل الأخير الذي تلجأ إليه عند إنعدام أي وسيلة أخرى للإصلاح . و الملكية ظهرت منذ البداية و هي تعبر عن نفسها في صورة عدوانية ظاهرة ، ففي صلاية الملك نعرمر يظهر منظر قطع رؤوس الأعداء للتعبير عن العقاب الملكي الموجه ضد المتمردين و لكن ألا يمكن أن نعتبر هنا و في تلك الفترة تحديدا ( نهاية الأسرة صفر ) أن مثل هذا القرار كان أمرا مسموحا به نظرا لأن ( البا ) كانت حكرا على الملك نفسه و لم تكن فكرة وجود ( البا ) للجميع قد ظهرت في تلك المرحلة المبكرة ، و من هنا لم يكن هناك ضرر من تنفيذ قرار قطع رؤوسهم و عدم الخوف من محاسبة الملك من جانب هؤلاء المتمردين في العالم الآخر بل و تصوير ذلك الأمر فنيا على الصلاية ؟
و بالرغم من وجود البا لأي شخص بعد ذلك كفكرة ترسخت منذ عصر الدولة الوسطى ، إلا أن الملكية لم تستغي عن الصورة العدوانية القاتلة تجاه أعدائها ، فقد تكرر منظر قطع رؤوس الأعداء في مناظر كتب العالم الآخر في عصر الدولة الحديثة ، و كل التغيير الذي حدث أن هذا الحل لم يكن سوى حلا مرضيا عنه من جانب الآلهة و السلطة الملكية و ذلك عند إنعدام الحلول السلمية الأخرى و هنا يمكن إبراز الحقيقة الفكرية التالية :
إن ترسيخ ماعت ( النظام و الحق و العدالة و الخير ) في العالم من جانب السلطة الملكية لن يتم إلا من خلال قمع إسفت ( الفوضى و الباطل و الظلم و الشر ) حتى و لو تم ذلك بالقتل و قطع رؤوس الأعداء و المتمردين ، فعالم مصر لن يكون جدير بالثقة و لن يصبح قابل للسكن إلا من خلال تنفيذ هذه الوسيلة و هنا يسود السلام و الهدوء و النظام فتهيمن ( ماعت ) على العالم بل و تصبح مشاهد ضرب و قتل الأعداء قابلة للعرض و الرؤية من جانب الجميع و لا ينبغي لأحد أن يشعر بالرعب من وجود مثل تلك المناظر لأنها ضرورية فلولاها لما سادت ( ماعت ) في الكون بأسره . و لذلك هناك بعض الباحثين الذين تناولوا مشاهد أيادي و أعضاء الذكورة للأعداء و التي تم تصويرها و هي مقطوعة على جدران المعابد المصرية خلال عصر الدولة الحديثة ، حيث يرون أنه رغم التقدم و التنوير النسبي الذي حققه ملوك الدولة الحديثة ، إلا أنهم و من خلال إصرارهم على إبراز المشاهد الدموية لم يختلفوا كثيرا عن الملوك السابقين و أنه ليس هناك شك في صحة هذا التصوير و كما يبدو فإن عظمة نجاح أي معركة كانت تقاس بعدد قتلى الأعداء و تصويرهم صرعى في ميدان القتال بكل فخر و زهو . 
و لكن ينبغي لنا هنا في هذا الصدد أن نتناول أمرين في غاية الأهمية فيما يتعلق بمشاهد ضرب و قتل الأعداء أو المتردين و هما :
1 - إن هذه المناظر الفنية ليست بالضرورة تعبر عن واقع تاريخي فعلي ، فنحن نجد دائما أن عددا كبيرا منها كان يتم إستنساخه من نصوص و مشاهد أقدم زمنيا . فالمهم هنا هو ليس التعبير عن الحقيقة التاريخية و ليس من الضروري أن يكون هذا أو ذاك الملك قد قام بمعركة فعلية و إنما تهدف هذه المشاهد لعرضها للرؤية لكي تردع سحريا المتمردين و العصاة عندما يشاهدون مثل تلك المناظر و هي في ذات الوقت تشد من أزر المؤيدين للسلطة الملكية فيثقوا في قوة و حماية الملك لهم .
2 – ترتبط مشاهد ضرب و قتل الأعداء دلاليا بفكرة طقوس الإبادة السحرية الموجهة ضد الأعداء الخارجيين و المتمردين الداخليين و التي زادت خلال عصر الدولة الوسطى ( و منها على سبيل المثال طقسة تحطيم الأواني الحمراء ) فهي تتفق معها في نفس المعنى و ذات الهدف ، فهي عبارة عن تهديدات و لعنات سحرية أيقونية ( تصويرية ) تتقي بها السلطة الملكية أي تمرد من الخارج أو الداخل
و ينتقل الدارس هنا إلى معالجة فكرة الأعداء الأجانب و التأكيد على الصورة التي رسمتها الملكية المصرية خلال عصري الدولة القديمة و الوسطى لعالم مصر ، فمن خلال هذه الصورة تأخذ مصر مكانا في عالم النظام و الإستقرار الذي خلقه إله الشمس رع حيث وضع ممثله على الأرض و هو الملك لكي يضع ( الماعت ) بدلا من ( إسفت ) كما أن الحدود السياسية للمملكة المصرية تنتهي عند العالم الذي خلقه إله الشمس فقط أما الشعوب التي تعيش بجوار المملكة المصرية فهم لا ينتمون لمصاف العالم المنظم و المخلوق بل ينتمون لزمن الفوضى إلا أن الملكية المصرية و لا سيما خلال عصر الدولة الوسطى عرضت كيفية التعامل مع هذه الشعوب من خلال وصفهم بأنهم خارجين عن المجتمع المصري و لكن ليس هناك داع لإبادتهم و لا لإدماجهم في المجتمع المنظم ، فالشيء الهام هو الإبقاء على هؤلاء الأعداء خارج عالم مصر المنظم و هذا ما نجده في نص تعاليم الملك خيتي الثالث و الموجه لإبنه مري كارع حيث نقرأ ما يلي :
" إن الآسيوي بائس حقا بسبب المكان الذي يعيش فيه ، فالمياه لديه شحيحة جدا و هو لا يتمكن من الوصول إلى مصادر المياه هناك برغم تعدد الطرق المؤدية إليها بسبب الجبال التي تعيقه عن ذلك و هو لذلك لا يعيش في مكان واحد ، فقلة الغذاء لديه تجعله في حالة تنقل و ترحال دائم و هو في حروب منذ زمن الإله حورس و لا ينتصر و لا يمكن هزيمته و لا يعلن أبدا عن يوم الحرب و هو مثل اللص المنبوذ من قبل المجتمع "
يعكس هذا النص لإبراز النتائج التالية :
1 – يتناول هذا النص لأول مرة فكرة تعرف المصري القديم على الظروف الطوبوغرافية و البيئية لشعوب بلاد الشام و لاسيما بعد إحتكاكه بهذه الشعوب حضاريا .
2 – يشير هذا النص إلى هجرات هذه الشعوب و عدم إستقرارها في مكان واحد لقلة المصادر المائية و الغذائية و صعوبة الوصول إليها مما يجعلها دائما في حالة بحث دائم عن تلك المصادر .
3 – إن صورة الأجنبي هنا تعني رفض الملكية لإقامة أي سياسة خارجية معه ، فلا يمكن عمل تعاقد أو حلف سياسي مع ذلك الأجنبي و لا يمكن الإنتصار عليه كما أنه لا يهزم أبدا من أحد ، فهو ليس عدو و لا صديق ، لأن العدو يعلن الحرب في معاد متفق عليه أما هذا الأجنبي فهو مشغول دائما بالكفاح لأجل الحصول على الماء و الغذاء و لذلك ينبغي فقط تخويفه و الحد من خطره ، فيتم عزله في عالمه الخارجي حتى لا يقترب من مصاف العالم المنظم و هو عالم مصر الذي خلقه إله الشمس رع
و لذلك نجد الملك ( سنوسرت الثالث ) و هو يصف لنا سياسته تجاه النوبيين على نص لوحته الشهيرة قائلا :
" لقد كونت حدودي و ذلك بزحفي نحو الجنوب و حصلت على أكثر مما حصل عليه أسلافي و ذلك بذهابي بعيدا عن ما كلفت به ، و قد هاجمت المهاجمين لأن السكوت عن الهجوم تجاه العدو يعني دعوته للعدوان ، فالهجوم يعني القوة ، و التراجع يعني الضعف ، فالجبان هو الذي يذعن و يخضع لطرده من بلده و النوبي ينبغي إرجاعه إلى محله و سكنه ، فإذا هوجم يتراجع و هو لا ينتمي للبشر ( = المجتمع المصري المنظم ) و لا يستحق الإحترام فهو شقي و قلبه محطم "
فهذا النص يؤكد على أن الأجانب لا يعتبرون كطرف يمكن التعامل معهم سياسيا خلال عصر الدولة الوسطى و هو ما يمكن تأكيده من جانب آخر من خلال نص تعاليم مري كارع حيث نقرأ ما يلي :
" إن الآسيوي هو مثل التمساح الذي يقف على الضفة ، فهو يعض فقط في الطرق المعزولة ، إلا أنه لا يقوم بفعل ذلك في الأماكن المزدحمة "
فالأجنبي بسبب تمرده لا ينتمي أبدا لمصاف العالم المنظم و المخلوق من رع و لذلك ينبغي للملك و حاشيته أن يجعلوه في حالة خوف و فزع دائم بتأديبه من آن لآخر و لذلك ظهرت فكرة إنشاء القلاع و الحصون العسكرية بكثافة خلال عصر الدولة الوسطى سواء في الشمال أو الجنوب لمنع تقدم هؤلاء الأعداء ناحية مصر و توجيه ضربات عسكرية تجاههم أحيانا و ذلك للإبقاء عليهم في الخارج و لعزلهم عن عالم مصر المنظم .
و إذا كانت هذه هي السياسة الملكية خلال عصر الدولة الوسطى تجاه الشعوب الأجنبية في الخارج فإن السياسة الملكية نحو الداخل و كما أشرنا في أكثر من موضع في هذا المقال كانت تتجه نحو إقامة الماعت ، فملكية الدولة الوسطى هي التي تتعايش مع العالم المنظم ( عالم مصر ) و هي التي تضمن المعيشة في جميع أنحاء البلاد بأمان و سلام عند إقامتها للماعت . فماعت هنا تعني تحرير الضعفاء من سطوة و بطش الأقوياء و لاشك أن فكرة التحرر من الظلم تحمل في ثناياها مبدأ تحقيق العدل من جانب السلطة الملكية و تحقيق المساواة بين الجميع على الأقل من الناحية النظرية .
و هنا ظهرت متون التوابيت في عصر الدولة الوسطى لكي تعالج قضية في منتهى الأهمية و هي : هل عدم المساواة الموجود بين المصريين يرجع للنظام الذي خلقه إله الشمس رع منذ بداية الزمان ؟
إن نصوص التوابيت تتحدث عن إله الشمس رع الذي خلق الرياح و الماء و قام بتقسيمها على الجميع بالتساوي ثم وضع في قلوب البشر الخشية من الموت و ذلك لكي يقدموا القرابين للآلهة المحلية التي توجد في معابد المدن المصرية المختلفة و نقرأ على سبيل المثال ما يقوله إله الشمس عن نفسه في نص متون التوابيت التالي :
" لقد خلقت كل واحد مثل أخيه و منعتهم جميعا من الظلم و لكن قلوبهم تمردت و عصت أوامري "
و هنا ينبغي لنا أن نتوقف لكي نرصد الملاحظات التالية :
1 – إن عدم المساواة لا تعود على الإطلاق إلى النظام الذي خلقه إله الشمس رع في بدء الزمان و تلك ملاحظة في منتهى الأهمية إذا ما قورنت بما كان موجود في حضارات أخرى ، فعلى سبيل المثال إعتبرت أنثروبولوجية ( الدراسات الإنسانية ) الإغريق القدماء أن الفوارق بين الأحرار و العبيد هي فوارق طبيعية من صنع الآلهة
2 – على الرغم من أن المصريين في عصري الدولة القديمة و الوسطى إعتبروا أنفسهم هم ( البشر الوحيدين ) في هذا العالم و أن عالمهم هو العالم النظامي المطلق ، إلا أنه لم يكن يخلو من التفاوت وعدم المساواة بينهم و لكن عدم المساواة هنا ليس من إرادة الإله الخالق و إنما هو من صنع الإنسان الذي قام بإرادته الحرة و من قلبه برفع راية التمرد و العصيان ضد الإله .
3 – إن رفع راية التمرد و العصيان ضد الإله ينتمي للأعمال الجشعة التي سيطرت على الإنسان و هو ما عرفه المصري القديم في نصوصه و أطلق عليه تسمية ( جشع القلب ) و الذي لم يخلقه إله الشمس رع منذ البداية .
4 – إن جشع القلب هو الذي أدى لوجود التفاوت و عدم المساواة بين البشر و هو يمثل أحد ظواهر الفوضى ( إسفت ) التي جاءت السلطة الملكية خلال عصر الدولة الوسطى للقضاء عليها و هنا تكمن رسالة الملكية في ذلك العصر .
5 – إن إقامة الماعت تعني العودة لنظام الخلق الأول الذي لم يكن فيه أي تفاوت أو عدم مساواة و هنا فقط و عند تحقيق ذلك الهدف يصبح العالم ( عالم مصر ) قابلا للسكن و يسود الهدوء و السلام فيه مثلما كان في الزمن الأول الذي خلقه إله الشمس رع .
  و لهذا السبب يتم توجيه النصيحة للملك و ذلك لكي ينتقي موظفيه الذين سيسعون معه لإقامت الماعت ، فينبغي له أن يختار الموظفين طبقا لكفاءاتهم الفردية و ليس وفقا لمعيار الطبقة الإجتماعية التي ينمتون إليها و يجب تطبيق مبدأ المساواة بين الجميع أمام القانون و لذلك يؤكد الملوك دوما في نصوصهم بأنهم لم يفرقوا بين الغني و الفقير و بين القوي و الضعيف و بين الذين يعرفونهم و الذين لا يعرفونهم . كما تؤكد النصوص من ناحية أخرى أن التفاوت بين البشر لا يزول و لكن ينبغي أن يكون متوازنا في المجتمع و هذا التوازن يعني : إعطاء و رد الحق لأي إنسان مظلوم ، فهذا هو العمل الإنقاذي الذي تقوم به السلطة الملكية ، فهي تنقذ الضعيف من طغيان القوي و لذلك يظهر الإله الخالق ( و الذي لم يكن سوى الملك الحاكم في حقيقة الأمر ) في متون التوابيت و هو يقول :
" أنا أحكم بين القوي و الضعيف "
و هنا ندرك أنه بالرغم من أن هذا الخالق ( أو بمعنى أدق ممثله الملكي على ) لم يكن مسئولا عن الظلم الموجود في العالم ، إلا أنه مسئول عن عدم ترك الظلم يهيمن على العالم و هو يعمل بتصميم على إعادة نظام الخلق الأول الكامل و الذي قام الإنسان بإفساده و من أجل المحافظة على نظام الخلق الأول ، أعطى هذا الخالق للإنسان ( ملوك و هم في البيضة – بمعنى منذ الأزل - لكي يحمون الضعفاء من بطش الأقوياء ) - وفقا لنص متون التوابيت – و هنا تمكن رسالة الملكية في عصر الدولة الوسطى .
هل كان ملوك الدولة الوسطى هم أول من تناولوا مفهوم تحقيق العدالة و المساواة و عدم التفرقة بين الجميع ؟
هناك دلائل تشير إلى أن طبيعة الحكم الملكي العادل لم تكن موجودة منذ البداية ، فنصوص عصر الدولة القديمة و لا سيما نصوص الأهرام لا تتناول هذه الفكرة إلا بشكل نادر و سطحي إذا ما قورنت من ناحية الكم بنصوص التوابيت و نصوص أدبية أخرى في عصر الدولة الوسطى و لكن من ناحية أخرى لم تكن فكرة تطبيق الحكم العادل من إختراع ملوك الدولة الوسطى ، و إنما هي من نبت و إبتكار حكام الأقاليم خلال عصر الإنتقال الأول الذي وضعوا أنفسهم في صورة الزعماء و الأبطال الذين أنقذوا أقاليمهم من المجاعة و عملوا على تحقيق العدالة و المساواة بين الجميع ، فهم الذين قاموا بتكوين نظام حكم جديد في أقاليمهم كبديل لنظام الحكم الملكي الذي إنهار و سقط في نهاية عصر الدولة القديمة و إعتمد هذا النظام على مفهوم مواجهة الفوضى و الخطر و تحقيق الماعت و إفناء إسفت و لذلك فقد جاء ملوك الدولة الوسطى و إعتمدوا على نفس المفاهيم و أعادوا بناء السلطة الملكية المركزية من جديد بناءا على مفهومين أساسيين إرتبطا ببعضهما البعض و هما :
1 – إعادة تصوير الملكية ذات الطابع الإلهي المقدس و الذي كانت عليه خلال عصر الدولة القديمة .
2 – تصوير الملك و هو يقوم بنفس وظائف حاكم الإقليم خلال عصر الإنتقال الأول من تحقيق للماعت و إفناء للإسفت و إنقاذ الجميع من المجاعة و البؤس و الشقاء و الظلم .
و بهذا الشكل تكونت صورة الملك ( كراعي طيب ) للشعب و ذلك من خلال الرسالة الملكية الموجهة للرعية في عصر الدولة الوسطى فهو يحمي رعيته ليس فقط من الجوع و الفقر ، و إنما يتكفل في المقام الأول بحماية الضعفاء من ظلم و إستغلال ذوي السلطات
يتبين لنا مما تقدم أن رسالة ملكية الدولة الوسطى تسعى للتأكيد على شرعية تنفيذ مبدأ القوة القانونية فبدون هذا المبدأ لن تتحقق الماعت كما أن هذه القوة نتجت عن سبب ضعف قلب الإنسان الذي تمرد ، فالإنسان بطبيعته ليس عادلا و لكنه قادر على تقبل العدالة و إنجذابه نحوها إن قامت السلطة الملكية بفرضها ما عدا القليل من الأشرار الذين يصعب إصلاحهم و لذلك تظهر السلطة الملكية ( كمنظمة أخلاقية ) تسعى للعدالة و المساواة لإنقاذ ( الفضيلة الإجتماعية ) و إبعاد الأعداء عن عالم النظام ( عالم مصر ) الذي خلقه رع منذ البداية ، فيصبح واضحا لدى العقلاء أن الإنسان لا يمكن أن يعيش في سلام دون وجود هذه السلطة و تلك هي رسالة ملوك الدولة الوسطى

الأحد، 27 يناير 2013

قراءة تحليلية عميقة لمعركة قادش


بسم الله الرحمن الرحيم 

قراءة تحليلية عميقة لمعركة قادش

تعتبر معركة قادش واحدة من أروع الأعمال الفنية و الأدبية المؤثرة و الفريدة في التاريخ المصري القديم . و قد تم تدوين أحداث هذه المعركة و كل ما أحاط بها من ظروف و ملابسات في نص لغوي أدبي طويل حيث قام الكتبة بتسجيله على الكثير من جدران معابد الملك رمسيس الثاني في هيئة قصيدة فضلا عن تصويرها في مشاهد تمثيلية فنية في المعابد المصرية القديمة و التي إعتبرت ( كتقرير مكمل للقصيدة الشعرية المدونة على هذه الجدران ) . و لا يسعني في هذا الصدد سوى أن أهدي هذه الدراسة للصديق العزيز و الأخ المحترم الأستاذ الدكتور شريف شعبان و الذي يعتبر واحدا من أفضل المتخصصين في مجال المصريات و تاريخ الفن في العالم .
و وفقا للمعطيات و المفاهيم الأيدولوجية التي هيمنت على كتابة هذه المعركة أمكن لنا أن نتعرف عليها من خلال المنظور التالي :
سار الملك رمسيس الثاني بجيشه و معداته الحربية في اليوم التاسع من الشهر الثاني لصيف العام الخامس من حكمه في نيسان عام 1274 ق.م متجها نحو الشمال . و خلافا للتقارير الإعتيادية لحروب عصر الدولة الحديثة ، لا يبدأ النص بسرد أو ذكر السبب الذي أدى لإتخاذ جلالته قرار الحرب ، فالحرب في عصر الدولة الحديثة ظهرت في نصوص المعابد كرد فعل من جانب الملك تجاه إعتداءات أو تمرد قام به الأعداء ضد القصر الملكي ، إلا أن نص قادش لا يذكر في البداية شيئا من هذا القبيل و هو أمر جدير بالملاحظة . فبعد مسيرة الجيش لمدة شهر دون عناء ، و هو ما ظهر في العبارة التالية - " فقد عبرت جيوش جلالته المضايق و كأنها تسير في شوارع مصرية " ، ثم وصل الملك في اليوم التاسع من الشهر الثالث لصيف تلك السنة إلى مدينة ( شابتونا ) الواقعة جنوب ( قادش ) مباشرة . و هناك تمكنت فرقة من قوات الإستطلاع المصرية من القبض على إثنين من البدو المعرفين بتسمية ( بدو الشاسو ) ، قالا بأنهما هربا من قبضة الجيش الحيثي ليقولا لجلالته :
هو ( ملك الحيثيين ) خائف جدا من جلالته ، و لذلك فقد تراجع نحو ( حلب ) في الشمال إلا أن هذين البدويين لم يقولا الحقيقة لجلالته فالعدو هو الذي أرسلهما ليستطلعا عن مكان جلالته و لكي يمنعاه من أن يعد جيشه ، لقد جاء ( ملك الحيثيين ) مع جيوشه و معداته و مع جميع أمراء البلاد التي تقع تحت سيطرة خيتا ( = مملكة الحيثيين ) و كانت الجيوش و العربات التي جلوبها معهم ليقاتلوا بها جيش جلالته و كانوا مختبئين خلف مدينة ( قادش  القديمة ) دون أن يعلم جلالته بأنهم هناك .
إن الإشكالية التي تواجهنا في هذه الفقرة هي مدى مصداقيتها و مدى مطابقتها لما هو معروف تاريخيا عن معارك الشرق الأدنى القديم التي كانت تتم في أماكن و نقاط محددة حيث كان يتم الإتفاق عليها من جانب الطرفين المتناحرين و حتى توقيت أو زمن المعركة كان يحدث بموجب إتفاق مسبق بين الجانبين المتحاربين ، إلا أن مفهوم ذلك الإتفاق تم تجاهله تماما في النصوص المصرية التي تعود لعصر الدولة الحديثة وفقا للمفاهيم الأيدولوجية الملكية التي لم تعترف بالطرف الآخر كطرف يمكن الإتفاق معه قبل أو بعد الحرب و ذلك على أقل تقدير من الناحية النظرية الشكلية . فبداية المعركة هنا تبدو و كأنها خدعة مدبرة من جانب العدو الذي يظهر في صورة ( المخادع ) الذي لا يعرف سوى الطرق الملتوية لتحقيق المكسب
و رغم ذلك هناك من يرى من الباحثين أن هذه الفقرة تحمل مضمون تاريخي فعلي ، و يطرح التصور التالي :
أنه في الحالات و الظروف الإعتيادية كان على الجيش المصري أن يتوقف في مدينة ( شابتونا ) بعد القبض على هذين البدويين لتجميع القوات المصرية لكي يدرس و يتفحص الحالة الطارئة و أن يقترب بحذر بالغ لمفتاح قلعة العدو ( قادش ) أو يتم إرسال فرقة أخرى من قوات الإستطلاع المصرية للتأكد من مدى مصداقية خبر إنسحاب الملك الحيثي من قادش و إتجاهه نحو حلب . و لكن أتت الرياح بما لا تشتهي السفن و نجحت خطة الحيثيين و إستمر رمسيس الثاني في الزحف نحو قادش في الشمال دون أن يجمع قوى و فيالق جيشه ( و التي كانت عددها أربع فيالق و تم تسمية كل فيلق بإسم إله و هم : آمون و رع و بتاح و ست )  التي كانت لا تزال بعيدة عنه . و كما يبدو من قصيدة معركة قادش أن فيلق آمون قد إستقر غرب القلعة ثم جاءت فقرة أخرى من النص تصور الموقف الجديد على النحو التالي : " جاء مستطلع من حاشية جلالته و معه إثنين من المستطلعين الحيثيين ، فقال جلالته لهما : من أنتما ، فقالا : نحن ننتمي لملك خيتا و قد أرسلنا لكي نستعلم عن مكان جلالته و إنه ( ملك الحيثيين ) مختبيء خلف مدينة قادش القديمة و معه جيشه و جميع الشعوب المتحالفة معه مسلحين و مستعدين للقتال " .
و هنا و عند تأزم الموقف و إكتشاف الملك لهذه الخديعة ، جمع ضباطه و شاورهم في هذا المأزق ، فلم يكن هذا الأمر مجرد خديعة عادية و إنما تبين بأن أمراء بلاد شمال بلاد الشام و حتى زعماء الوحدات الحامية لمصر و التي لا يمكن أن تختفي عنهم تحركات الجيش الحيثي في المنطقة ، كانوا مشتركين في هذه المؤامرة . لذلك كان من الضروري الإسراع في إرسال الوزير لكي يستحث وصول الفيلق الثالث ( فيلق بتاح ) العسكري و بشكل سريع و قد إستغل ملك الحيثيين ( مواتاللي ) هذه الفرصة للهجوم و لذا نجد النص يقول :
" و بينما جلالته كان جالسا في المجلس العسكري مع الضباط ، جاء العدو الخاسيء بجيشه و معداته و هجموا على فرقة جلالته بعد أن باغتوا من قبل فرقة رع بالهجوم ، فانهزمت قوات و عربات جلالته أمامهم و مكث جلالته وحيدا ، فأحاطت به مجموعة من الأعداء بجانب حاشيته الصغيرة التي كانت معه "
و هنا يمكن لنا أن نستشف من هذه الفقرة الأخيرة ما يلي :
1 – تمكن الجيش الحيثي من القضاء على الفيلق الثاني للملك و هو فيلق رع الذي كان يسير للحاق بفيلق آمون عند غرب قادش و لم يكن هذا الفيلق يعلم شيئا عن هذه الخديعة .
2 – لم يكن هجوم الجيش الحيثي على فيلق آمون – و هو الفيلق الذي يترأسه الملك – معركة طويلة الأمد ، بل كان غارة عسكرية و حسب و الدليل على ذلك عدم تقدم قوات مواتاللي بأكملها ناحية معسكر آمون ، بل تقدمت فرقة عسكرية واحدة فقط ، فضلا عن ذلك أن مواتالي ظل في مدينة قادش القديمة مع بقية قواته هناك و البالغ عددها 37000 رجل .
3 – ربما كان الخطأ الذي وقع فيه الملك الحيثي ( مواتالي ) وفقا لما يمكن فهمه و بشكل غير مباشر ، هو إنتظاره الطويل قبل قيامه بأخذ مبادرة الهجوم المفاجيء .
4 – لأول مرة تذكر النصوص المصرية بأن ملك مصر تعرض لخديعة كبرى في ميدان القتال و لأول مرة تؤكد هذه النصوص على بقاء الملك وحيدا في ساحة المعركة بل و حصاره من جانب الأعداء و لم يكن ذلك الأمر متعارف عليه بل هو حدث فريد من نوعه .
و هنا يتناول النص اللحظة الدرامية الكبرى عند ترك الضباط و الجنود مليكهم وحيدا في ساحة المعركة و هو كما يلي :
" و هنا ظهر جلالته غاضبا مثل أبيه ( مونتو ) ، فاستلم أسلحة القتال و تسلح بالدروع و قد كان مثل ( ست ) في بطشه و بأسه و كان جلالته ذو سطوة و قلب شجاع و قد إشتعلت النيران حوله و قد أحرق وهج جمراته جميع البلاد الأجنبية و قضى جلالته على كل الأعداء من المتمردين و قد سقط جيشهم و تحطمت معداتهم واحدة تلو الأخرى ، و كل ذلك قد حدث بينما كان جلالته وحيدا في ساحة المعركة " ثم يتحدث الملك قائلا " لقد تركني جيشي مع العربات الحربية و لم يتراجع منهم أحد لكن أب آمون باركني و مثلما أعيش حقا يكون حب رع لي حقيقة "
و هنا ينبغي أن ندرك مجموعة من الحقائق الهامة :
1 – إن هذه الفقرة الأخيرة تعتبر بلاغة أدبية تقليدية ولا تعبر عن مصداقية تاريخية ، و لا سيما بعد وصف الملك بصفات أسطورية تقليدية وردت في نصوص عصر الدولة الحديثة بشكل متكرر في حروب و معارك الملوك .
2 – إن مفهوم ترك الملك وحيدا في ميدان القتال يهدف لتصوير هذه اللحظة كخلفية مساعدة لإبراز ما سيأتي بعدها و هو لحظة إنتصار الملك بمفرده الملكي على جميع الأعداء و لاسيما بعد إنصهاره في آلهة الحرب المصرية المدمرة ( مونتو و ست و سخمت ) و التي ورد ذكرها جميعا في النص .
3 – رد الملك الحيثي على رمسيس الثاني خلال مفاوضات السلام التالية للمعركة من خلال نص لوحة بوغاز كوي في تركيا " هل تركت وحيدا في ميدان القتال مثلما تزعم ؟ " و كان ذلك النص المعارض وجوده ضروري نظرا لأنه يضع الفقرة السابقة في محل نقد و تشكيك بشكل كامل .
و تستمر الدعاية السياسية الملكية من خلال تصوير الأعداء في نص المعركة و هم يعيشون ظاهرة الخروج المذهل للملك رمسيس الثاني عليهم بوصفه كائن خارق للعادة فيقولون :
" إن الذي يقف بيننا هو ليس إنسان و إنما هو ( ست ) عظيم القوة و الأعمال التي يقوم بها هي ليست أعمال إنسان و إنما أعمال من لا مثيل له و الذي ينتصر على مئات الألوف دون أن يكون له جيش أو معدات حربية فقوموا سريعا و دعونا نهرب منه لننقذ حياتنا ، قوموا لكي نحصل على نفس الحياة "
و لنا هنا وقفة أخرى لكي نحلل ما سبق عرضه فيما يلي :
1 – إن هذه الفقرة الأخيرة تشكل لب و جوهر الملكية المصرية عبر جميع العصور و الذي سعى ملوك عصر الرعامسة لإبرازه و تطويره في شكل مستحدث حيث تمثل في مفهوم الملكية الخارقة للعادة و التي لا تقوم إلا بعمل الإنجازات الخارقة الكبرى ، فهي ملكية لا تنتمي لعالم الإنسان و أعماله كما أنها و من خلال خاصية الإتيان بالمعجزات و الخوارق تستمد دليل قداستها و ألوهيتها .
2 – يلاحظ تكرار إسم المعبود ست في نص معركة قادش و غيره من نصوص معارك عصر الرعامسة ، فهو المعبود الذي سعى نحوه ملوك تلك الفترة لإبراز أهميته الحربية كرب مقاتل و مشارك للملك في جميع حروبه خارج الوطن ، فالمعبود ست وفقا لأيدولوجيا الدولة الحديثة هو إله يقف بجانب رب الشمس رع على مركبه الشمسية لكي يقضي على أعداء الشمس و حتى تستمر مسيرة الشمس في العالم بأسره ، و هنا يظهر الملك المتحد بست كمافع عن النظام الشمسي العالمي و الدورة الكونية للأبد .
3 – تطابق مضمون هذه الفقرة من نص معركة قادش مع ما تم تصويره على جدران المعابد بتمثيل الملك ذو القدرات الخارقة و هو يقوم بتصويب سهامه و هو بمفرده فوق عربته الحربية ضد مجموعة من الأعداء الذين سقطوا في نهر العاصي مرعوبين بعضهم فوق بعض و يسعون لإنقاذ أنفسهم بالسباحة . و من جانب آخر ظهر المنظر الساخر لأمير حلب الذي إبتلع كمية كبيرة من المياه فوجب على أتباعه أن يقلبوه على رأسه لكي يخرج الماء منه .
و لاشك هنا أن المبالغة التي تحدث عنها النص مقصودة لذاتها و ذلك من خلال إبراز الأعداد الهائلة للأعداء الذين سقطوا أمام الملك في ساحة المعركة حيث تحدث رمسيس الثاني عن نفسه قائلا :
" إنهزم أمامي الملايين ، و أخضعت ملايين الشعوب وحدي ، و قتلت بسيفي مئات الألوف " و لا ريب أن هذه العبارة الأخيرة تذكرنا بالصورة التقليدية المتداولة للملكية منذ عصر الأسرة الثامنة عشرة و التي وصفت نصوصها شخص الملك بأنه :
" هو واحد يعادل الملايين ، أما آلاف الناس غيره ، فهم من التافهين و هو الذي يصوب سهمه مثل ( سخمت ) فيصيب الآلاف من الذين يجهلون سلطته " . إن هذه الفقرة تكشف عن أمرين هامين و هما :
1 – لا تظهر عظمة و أهمية و مكانة و معجزات الملكية إلا من خلال وضعها في مقارنة مع ( الملايين ) من الناس .
2 – تصور هذه الفقرة قدرة الملك على الإيقاع بضحاياه مثل قدرة المعبودة سخمت ربة الصيد و الحرب و القتال التي لا تخطيء هدفها أبدا و من هنا نفهم عدم تحرج الملكية من توصيف قدرتها القتالية و مشابهتها لهذه القدرة بقوة أنثوية خارقة و هي بقايا أصداء عبادة الإلهة الأم القادرة و المقتدرة و المعروفة في مصر منذ عصور ما قبل التاريخ .
و في سياق آخر من نص قصيدة هذه المعركة ، يظهر و لأول مرة دعاء حار و قوي موجه من الملك ناحية المعبود آمون لإنقاذ الملك من ورطته في ساحة المعركة ، حيث تركه من حوله وحيدا و هو محاصر ب 2500 من العربات الحربية المعادية و من خلال هذا المأزق يأتي الدعاء الملكي الموجه لآمون حيث يقول :
" ماذا بك يا أبي آمون ؟ فهل نسي يوما الأب إبنه ؟ و هل عملت أنا يوما شيئا دونك ؟ فماذا يعني هؤلاء الآسيويين التعساء بالنسبة لك يا آمون ؟ ألم أقم لك آثارا كثيرة ؟ ألم أقدم لك في معبدك كل القرابين ؟ فأنا أناديك يا أبي آمون و بينما أنا في وسط المجموعة التي لا أعرفها و إتحدت جميع البلاد الأجنبية ضدي و بقيت وحيدا و ليس معي أحد"
و نلاحظ هنا في هذه الفقرة أن من يتحدث هو ملك لا يتكلم كمذنب ، فالملك لم يرتكب أي ذنب حتى يقع في هذه الورطة فقد أدى ما عليه تجاه ربه آمون ، فالملك يظهر في صورة المتدين الذي يعاقب على طاعته و أعماله الحسنة و الطيبة تجاه الإله ، و كان ذلك الأمر هو شيء جديد و مستحدث في النصوص الملكية . و لكن من ناحية أخرى يظهر هذا الدعاء الملكي بسمة هامة و هي : إدراك الملك لرحمة الإله المنقذة ، و هي نفس الفكرة التي تجلت فيما بعد عند عامة الشعب و لاسيما عند عمال دير المدينة الذين كانوا يتحدثون عن مآسيهم في عصر الرعامسة فيقول الواحد منهم :
" وجدت آمون و قد حضر بنفسه عندما ناديته ، فأعطاني يده ففرحت كثيرا " و لذا فقد تدخل آمون في قادش و من خلال ما قاله الملك :
" لقد وجدت آمون كان أكثر خيرا لي من ملايين الجنود و مائة ألف من عربات القتال ، لقد وجدت قلبي  قد أصبح صلبا و قد تساقطت جميع العربات الحربية التي كانت تحيط بي ككومة فوق بعضها أمام خيولي ، و هو ( آمون ) أثمن و أعظم كثيرا لمن يضعه في قلبه و هو ( آمون ) بمفرده أقوى من مئات الألوف "
هناك مجموعة من الإستناتاجات و الحقائق الهامة تمثلت فيما يلي :
1 – يظهر و لأول مرة من خلال هذا العرض أن الإله آمون – و ليس الملك – هو الذي قام بالمعجزة و هو الذي دخل المعركة بنفسه و ربط مصيره بها . و من هنا ظهرت فكرة تدخل الإله في الأعمال الملكية الكبرى و الملاحم البطولية التي لا يوجد لها مثيل و يبدأ منذ هذه اللحظة مفهوم تدخل الإله في مجريات و أحداث التاريخ ، و تتداخل العناصر الأسطورية بالمعطيات التاريخية . و لكن و رغم قوة هذه الملاحظة المغرية ، يحق لنا أن نعترض و نتسائل : ألا يمكن أن نعتبر أن الإرهاصات و البذور الأولى لمفهوم تدخل الإله في التاريخ قد ظهرت في مصر منذ نهاية عصر الأسرة صفر و تحديدا على صلاية الملك نعرمر و التي ظهر من خلالها المعبود الصقري حور أمام الملك ذاته و هو يقوم بضرب العدو ، أليس رب الملكية القديم هو أول من قام بمؤازرة و مباركة كل أعمال الملك ؟ أليس الإله حور – منذ عصر الأسرة صفر - هو صورة الملك الحاكم الذي يدخل ميدان القتال لضرب الأعداء ؟
2 – قام الإله آمون بتزويد الملك بالقوى الخارقة بسبب عامل هام و هو التدين و الورع الشخصي للملك تجاه آمون مما يعكس إزدياد ظاهرة التدين و الورع تجاه المعبودات المصرية كلها خلال بداية عصر الرعامسة و ربما كرد فعل مضاد لما حدث خلال فترة العمارنة و ما صاحبها من تجاهل لهذه الأرباب ، فالملكية هنا تسعى قدر الإمكان لتصوير نفسها في صورة ترضي عامة الشعب ، الذي إتجه بكل جوارحه نحو أربابه و لاسيما تجاه آمون فزادت ظاهرة الورع الشعبي منذ نهاية عصر الأسرة الثامنة عشرة كرد فعل على سياسات العمارنة  التي منعت هذه الظاهرة تماما و بمعنى أدق إذا كان هناك ورع و تقوى تجاه آمون و بقية الأرباب فإن الملك الحاكم هو الورع الأول و هو أكثر الأتقياء .
3 – تأكيد الملك في النص بأنه وحده الذي رأى الإله آمون في المعركة ، و هو ما يفسر لنا الغياب التام لصورة المعبود في مناظر معركة قادش على جدران المعابد المصرية رغم إتحاد و إنصهار الملك به في تلك اللحظة و من هنا ندرك أيضا حقيقة في غاية الأهمية و هي : لم تكن مناظر معركة قادش في المعابد المصرية القديمة تصور كل ما ورد ذكره في نص المعركة ، فهناك من الفقرات ما تم تصويرها كمناظر و هناك من الفقرات الأخرى ما لم يتم تصويره أبدا و ذلك وفقا للمعايير الأيدولوجية الدينية و الفنية التي حكمت عقلية الفنان المصري القديم فضلا عن تنوع و إختلاف هذه المناظر في بعض التفاصيل من معبد لآخر و من مكان لآخر فلم يكن هناك إتفاق عام حول كيفية تمثيل مناظر المعركة .
و الحال أن نص المعركة قد كشف عن تدخل فرقة عسكرية أجنبية من المرتزقة من بلاد آمورو عرفت بتسمية ( ناعرونا ) و كانت مهمة هذه الفرقة تتمثل في تأمين الساحل الغربي لبلاد الشام و منع أي ضربات عسكرية مفاجئة توجه للجيش المصري من ناحية الغرب و تمكنت هذه الفرقة – وفقا لما ورد في نص المعركة – من الوصول في الوقت المناسب إلى شمال غرب قادش ، فلما رأت المأزق الملكي تدخلت في ساحة المعركة فقتلوا جميع الأعداء .
و هنا نلاحظ نتيجتين بارزتين  و هما :
1 – لم يتم تصوير تدخل هذه الفرقة العسكرية على جدران المعابد المصرية ، بل قام الفنانون بتصويرهم في وضع ساكن و هادي و ثابت بجوار معسكر آمون الملكي و ذلك على الرغم من الإعتراف بهذا التدخل في نص المعركة . و هنا نفهم أن المناظر الفنية للمعركة لم تبرأ من الأيدولوجيا ، فربما كان سبب عدم إبراز أهمية دورهم في ساحة المعركة هو أصلهم و منشأهم الأجنبي .
2 – سعى كاتب النص و بشكل غير مباشر لإبراز فكرة أن الحيثيين لم يكونوا مهيئين لمعارك طويلة الأمد بسبب إعتمادهم على العربات الحربية فقط في الهجوم و لذلك فقد أصبحوا في موقف حرج لشدة المقاومة التي زادت بعد تدخل قوات النعرونا و لهذا بدأ إنسحابهم من ساحة المعركة مما سبب لهم خسائر فادحة و هو ما تم تصويره فعليا في مناظر معركة قادش ، فهنا و في هذه الحالة تحديدا يتوافق مضمون النص مع ما تم تصويره في منظر الإنسحاب .
و عند هذا الحد إستنتج علماء المصريات أن الملك رمسيس الثاني لم يكن في حالة إستراتيجية جيدة نظرا لخسائر فيلقين من فيالقه الأربعة و فضلا عن ذلك فقد كان في الضفة الأخرى من نهر العاصي و عند مدينة قادش القديمة ، يمكث مواتاللي الملك الحيثي مع جيشه البالغ عددهم 37000 رجل – وفقا لما ورد في النص – و من هنا لم لم يكن هناك أي إستعداد مصري لحصار القلعة و لذا فقد تمكن الملك رمسيس الثاني - و كما يبدو - من عمل هدنة تمكنه من الرجوع بسلام إلى أرض الوطن . أما الحيثيون و وفقا لما جاء في مصادرهم فقد إستمروا في زحفهم نحو الجنوب و قاموا بتخريب مناطق من دمشق التي كانت تحت سيطرة مصر قبل معركة قادش بل و أجبروا بلاد آمورو للعودة مرة أخرى لكي تكون تحت سيطرتهم .
إن أهم منظر قام الفنانون بتصويره على جدران الصروح و المعابد هو الإعتراف بعدم النجاح في إحتلال قادش من جانب القوات العسكرية المصرية رغم نجاح الملك بمفرده في فك الحصار عنه و القضاء على الأعداء ، فتظر قلعة قادش في المناظر و هي لم يلحق بها أي ضرر علاوة على ظهور جميع الجنود بداخلها في ثبات و هدوء ، فلم يصيبهم أي سهم ملكي و هو ما يعني الإعتراف الواضح و الصريح بفشل الحملة العسكرية في هدفها و هو إحتلال قادش و ردها مرة أخرى للحظيرة الملكية المصرية و هنا يتوافق مضمون النص مع ما ورد في المنظر و يعطي له مصداقية كبيرة .
و لكن هل نعتمد فقط على النصوص و المناظر في إثبات عدم تحقيق أي نجاح عسكري في هذه الحملة ؟ .........
إن المنهج الذي يعتمد عليه الدارس – الذي ينتمي للمدرسة التاريخية الأنثروبولوجية - هو الآثار المادية الغير المغرضة ، فهناك غياب تام لإسم الملك رمسيس الثاني في مدينة قادش ، فلا يوجد له أي أثر هناك فآخر أثر لملك مصري تم العثور عليه في قادش هو لوحة الملك سيتي الأول و تسجل إنتصاره هناك و هي تذكرنا بلوحات الحدود التي تركها الملكان تحتمس الأول و الثالث في الفرات و ذلك لتحديد الحدود المصرية و أقصى مدى لهذه الحدود و قد عثر على هذه اللوحة الأثاري ( بيزارد ) و التي أعطت مصداقية تاريخية لنص و منظر معركة قادش التي سجلت على الجدران الشمالية الخارجية لصالة الأعمدة الكبرى في الكرنك .
أما عن أهم ما يمكن رصده و تحليله لهذه المعركة فيتمثل فيما يلي :
1 – إن الشيء الذي يفاجئنا و يذهلنا هو أن الملك قد جعل لهذه المعركة الفاشلة بالذات موضعا فريدا في التمثيل الفني و الأدبي الضخم و الذي لا نجد له مثيلا على الإطلاق في تصوير المعارك العسكرية على جدران المعابد المصرية ، فيظهر فشل الجيش المصري من ناحية ، كما يظهر إنتصار الملك بمفرده من ناحية أخرى .
2 – منح الملك رمسيس الثاني لهذه التجربة أهمية هائلة تتمثل في إهتمامه الشخصي و المتزايد بتصوير تفاصيل متعددة لهذه المعركة مثل التمثيل الفني لصفوف جيوش الأعداء و زحف الجيش المصري ناحية قادش و المناورات التضليلية من جانب الأعداء و حصار الملك و لأول مرة من جانب الخصوم و ظهور الناعرونا في ساحة المعركة دون إبراز تدخلهم العسكري كمناظر مع الإعتراف بدورهم في النص و حتى تدخل آمون ميدان القتال لإنقاذ و مؤازرة الملك ، و لهذا السبب لم تكن معركة قادش تنتمي للزمن الدوري بل تنتمي للزمن المستقيم ( حول شرح هذين المصطلحين أنظر المقال السابق للدارس بعنوان " الصورة الأيقونية الفنية للملكية المصرية في المناظر الحربية منذ بداية عصر الدولة الحديثة و حتى بداية عصر الرعامسة " ) ، فهي أحداث فريدة من نوعها لم تتكرر من قبل و ذلك هو ما يعطي لها أهمية سياسية و دينية بارزة في ذلك العصر .
3 – إن معركة قادش تعبر عن حدث ، فما هو المقصود بمصطلح الحدث وفقا لمفاهيم الأيدولوجيا الملكية المصرية ؟ .......
إن الحدث هو مجموعة من الوقائع التي تخترق العمليات و الإجراءات التقليدية المعتادة ، فالحدث ليس عمل إعتيادي متعارف عليه ، بل هو شذوذ عن القاعدة ، فهو يكتسب أهميته لكونه شاذا عن العادة و لذلك فهناك علاقة ما تربط بين مفهومي ( الحدث ) و ( المعجزة ) . فالمعجزة هي كذلك ( حدث ) يشذ و يخرج عن قواعد القوانين الطبيعية ، فيرفع من قيمتها فتفرض نفسها كواقعة فريدة من نوعها . و من جهة أخرى هناك تضاد واضح بين مفهومي ( الحدث ) و ( النظام ) ، فالنظام مؤسس و مبني على توقع الأمور الإعتيادية المتعارف عليها ، فعلى سبيل المثال كانت العادة هي تصوير الملك دائما في المناظر العسكرية الفنية و هو يقتل جميع من في قلعة الأعداء فلا يفلت منهم أحد إلا و أصابه سهم ملكي ، فالنظام المتوقع وجوده في قادش هو ذلك التصوير الفني السابق و لكن الملكية لم تلتزم بذلك التصوير الكلاسيكي ، لا في هذا المشهد و لا في معظم المشاهد الأخرى ، و ذلك لكي تعطي صفة الحدث لكل ما تم تصويره في المعركة و هنا تكمن أهمية قادش .
4 – عمل نحاتوا الملك فترة طويلة من الزمن ، و ربما لعشرات السنين ، للكشف عن أهمية هذا الحدث فلم يتم تصوير معركة قادش وفقا لنموذج نمطي فني واحد و ثابت ، بل إختلفت التفاصيل من معبد لآخر كما إختلف الزمن الذي صورت فيه المعركة على جدران المعابد فهناك من الإشارات و القرائن من خلال النص ذاته أن هذه المناظر كانت تتعدل من عصر لآخر ، فيتم إدخال بعض التعديلات الهامة على مناظر المعركة وفقا لأيدولوجيا الملكية في عصر رمسيس الثاني فعلى سبيل المثال عندما إزدادت أهمية الحرس الملكي من المرتزقة ( و هم يعرفون بتسمية الشردانا ) في فترة لاحقة من حكمه ، ظهروا على جدران معبد أبيدوس للملك رمسيس الثاني و قد زاد عددهم إلى 16 رجل يحيطون بالملك و يحمونه بعد أن كان العدد المتعارف عليهم لا يزيد عن أربع رجال فقط يحيطون بالملك في المعابد الأخرى و علاوة على ذلك قام فنان أبيدوس بتصويرهم في دور إيجابي ، فهم ظهروا هناك و قد شاركوا في المعركة و ذبحوا مجموعة من الأعداء و ذلك على النقيض من وضعهم في المعابد الأخرى التي ظهروا من خلالها في وضع ثابت وساكن و لا يشاركون في القتال مما يعكس أن مناظر قادش في أبيدوس  تم نقشها في فترة متأخرة زمنيا من حكم الملك رمسيس الثاني .
5 – لا ينتمي حدث معركة قادش للزمن الدوري بل ينتمي للزمن المستقيم فهذا الحدث يقسم تيار الزمن إلى ما قبل المعركة و ما بعد المعركة ، و لذا فهو حدث غير قابل للإعادة الدورية أو التكرار ، فهذا الحدث يعمل على تغيير الواقع السياسي في مصر و الشرق الأدنى القديم ، فنتيجة القتال في قادش لا تكمن فيما آلت إليه ، و لاسيما بعد ضياع آمورو و قادش من الملك ، بل تكمن في نتيجتها الهامة و هي : تحقيق السلام ( و هو الهدف الغير معلن في النصوص المصرية القديمة ) و إنهاء القتال ، فالملك يدرك تماما بأن الحرب مرتبطة بزمن معين و على هذا فهي حالة من الممكن إنهائها و بأن السلام هو النتيجة الحقيقية للقتال . فنتيجة قادش ليس النجاح العسكري الذي لم يتحقق أو المشكوك فيه على أقل تقدير ، و إنما هو السلام .
6 – لأول مرة يتم عرض فشل القوات العسكرية المصرية على جدران المعابد المصرية و لا سيما في النص المرافق للمعركة و إلا فكيف يمكن تبرير سقوط الملك في كمين قد أعده الأعداء له ؟ و علاوة على ذلك يوجه الملك تقريعا و توبيخا حادا لضباطه الذين خذلوه فيقول لهم : " ماذا بكم يا ضباطي ، و يا جيشي و يا عرباتي الحربية ، لماذا لم تتمكنوا من القتال ؟ لماذا خذلتموني و أنا في وسط المعركة ؟ ألم تكونوا من الفقراء المساكين عندما إعتليت العرش ؟ فجعلتكم بنعمتي اليومية من كبار القوم ، إن الجريمة التي قام بها جيشي و عرباتي هي أكبر من أن يصفها أحد " .
7 – من الصعب أن نتغاضى عن الإستنتاج القائل بأن نص تقريع و توبيخ الجيش المصري على جدران المعابد هو وثيقة فريدة من نوعها تهدف للقدح و الطعن في قدرة الجيش المصري ، و قد كان هناك رأي آخر معاكس و سائد بين علماء المصريات يتمثل في رغبة الملك رمسيس الثاني في في إعطاء جيشه درسا لا ينساه و لا سيما بعد تخاذله في قادش ، و حتى لا يكرروا هذا الخطأ في المستقبل ، و لكن يحق لنا أن نتساءل في هذا الصدد : هل كانت جدران المعابد المصرية هي المكان الملائم و المناسب لعرض هذا التوبيخ أمام الجميع ؟
8 – كان هناك إعتقاد يسود بين علماء المصريات أن نصوص و مناظر معركة قادش المصورة على جدران المعابد قد تم تنفيذها مباشرة بعد إنتهاء المعركة ، و لكن وفقا لما تقدم شرحه إستغرق تصوير أحداث هذه المعركة في وقت طويل ، فلا يمكن أن نتصور أن طبيعة هذه المناظر و النصوص المتعددة و المتباينة قد تم نقشها فورا و بمجرد عودة الجيش المصري لأرض الوطن و إنما إحتاجت لسنين طويلة ، وقد تبين لعدد كبير من علماء المصريات أن مناظر قادش قد نقشت بدءا من العام الحادي عشر من حكم الملك و حتى ما بعد العام الأربعين من حكمه .
9 – إن أهمية تصوير معركة قادش تكمن في العقد الثاني من حكم الملك رمسيس الثاني و لاسيما في ذات الوقت الذي بدأت فيه مفاوضات السلام بين الطرفين المصري و الحيثي – و هو الهدف الغير معلن في النصوص المصرية و إنما تم الكشف عنه من خلال وثائق الحيثيين الذين تناولوا هذا الموضوع في بلادهم – و هنا تجدر الإشارة أن مفاوضات السلام لم تكن قد تمت في عهد الملك الحيثي الذي واجه الملك رمسيس الثاني و هو مواتاللي بل في عصر أخيه خاتوسيلي الثالث و قد توجت هذه المفاوضات بعمل معاهدة سلام بين الطرفين ( لم تكن هي الأولى على الإطلاق بين الطرفين ، بل أشارت نصوص الحيثيين لمعاهدات أخرى كانت أقدمها زمنيا ترجع لعصر الملك تحتمس الثالث ، و ما يعطي مصداقية تاريخية للنص الحيثي هو ذكر إسم مملكة الحيثيين في حوليات الملك تحتمس الثالث في الكرنك مرتين في سياق واضح و يفهم منه إرسال الهدايا لملك مصر من جانب ملك الحيثيين آنذاك ) ، في العام 21 من حكم الملك رمسيس الثاني فضلا عن عقد الزواج مع إحدى بنات الملك الحيثي في العام 34 من حكم رمسيس الثاني ، و بمعنى آخر تم تصوير معركة قادش في نفس الوقت الذي قامت فيه مصر بإستهلال مفاوضات و عقد معاهدة السلام مع الحيثيين و هنا تبرز أيدولوجيا المعركة ذاتها .
10 – إن أيدولوجيا التصوير الفني و الأدبي لمعركة قادش تأثرت بسياسة السلام التي فتحت أبوابا هامة و جديدة في تصوير هذه المعركة ، فمن المعروف أن ملوك الرعامسة في بداية الأسرة التاسعة عشرة قد وصلوا للحكم تحت مظلة الجيش ، فقد كان رمسيس الأول القائد الأعلى للقوات المسلحة في عصر الملك حورمحب ، و قد شغل سيتي الأول نفس المنصب في عهد أبيه رمسيس الأول ، و هو نفس ما حدث للملك رمسيس الثاني و لهذا السبب و لكي يتمكن الملك رمسيس اثاني من تحقيق سياسة السلام ( التي لم تعرف كمصطلح لغوي مباشر على الإطلاق في الحضارة المصرية القديمة ) كان عليه أن يتنصل من الجيش و أن يعلن إنهاء الأحكام العرفية الطارئة التي إبتدعها الملك حورمحب بعد أزمات عصر العمارنة السياسية و التي ساعدت على تحويل الدولة إلى كيان عسكري ديكتاتوري برآسة حورمحب و من جاء بعده و هنا نلمس رغبة رمسيس الثاني بالإبتعاد  الكلي عن الهدف الذي جاءت من أجله أسرته المالكة للحكم ، كما يعني في ذات الوقت إعادة المباديء التي تم القضاء عليها قبل 50 عاما من تولي الملك حورمحب لحكم البلاد و الذي أعاد الحروب العسكرية مرة أخرى ضد مملكة الحيثيين بعد قتله للأمير الحيثي ( زنانزا ) و الذي كاد أن يتزوج زوجة ملكية ( مجهولة الهوية ) في عصر العمارنة ترملت بعد موت زوجها الملك فأرسلت لملك الحيثيين تطلب الزواج من إبنه ( إن هذا الطلب يعكس فكرة وجود معاهدة سلام أخرى بين الطرفين المصري و الحيثي في عصر العمارنة ) إلا أن حورمحب القائد الأعلى للقوات المسلحة إغتال هذا الأمير مما كان سببا في إندلاع الحرب مرة أخرى بين الطرفين ، و لذلك قام رمسيس الثاني بطعن الجيش بلا هوادة في نص و مناظر قادش و تحميله مسئولية الفشل في قادش لإقامة سياسة السلام على المستوى الخارجي و إنهاء عصر الأحكام العرفية و التنصل من فكرة وصول أسرته المالكة للحكم بإسم الجيش .
11 – إن فكرة تصوير الأعداء لأول مرة و هم يحاصرون الملك رمسيس الثاني في ميدان القتال هي فكرة بارزة الأهمية على المستوى الديني ، فقد عمدت النصوص المصرية في مرحلة زمنية لاحقة لتوصيف و مشابهة الأعداء الذين حاصروا الملك بالثعبان الكوني الخطير ( عبب ) و الذي ظهر في مناظر كتب العالم الآخر في عصر الأسرة الثامنة عشرة و الذي يهدد بإبتلاع المياه التي تسير عليها مركب الشمس خلال مسيرتها الكونية في الرحلة الأخروية مما يعني توقف المركب و دمار العالم ، و أحيانا كان يتم تصوير ثعبان الفوضى ( عبب ) و هو يحيط بقصورة الشمس ذاتها داخل المركب مما يشكل خطورة أكثر على إله الشمس و لذا قامت النصوص الملكية بمشابهة الأعداء المحاصرين للملك بثعبان الفوضى ( عبب ) الذي يهدد إله الشمس ( و هو هنا في هذا السياق الملك نفسه ) و بشكل مباشر ، و لذا فإن إنتصار الملك بمفرده على الأعداء يعادل إنتصار رع على ثعبان الفوضى ، و هنا يتحول التاريخ ( معركة قادش ) إلى تمثيلية دينية أسطورية مقدسة ( معركة رع ضد ثعبان الفوضى ) مما يعني أن عدد كبير من نصوص و مشاهد قادش قد تأثرت بالأسطورة و معاييرها و هكذا كانت مصر تميل لدنيا المقدسات أكثر من ميلها لتصوير ماحدث فعليا على أرض الواقع .     

خلق الماضي بين عصري الإنتقال الأول و الدولة الوسطى


بسم الله الرحمن الرحيم 

خلق الماضي بين عصري الإنتقال الأول و الدولة الوسطى

تناول الدارس في أكثر من مقال سابق عصر الإنتقال الأول لمحاولة فهم و إدراك ثقافة المصري القديم خلال تلك الفترة ، كما سعى الباحث نحو ربط ذلك العصر بالدولة الوسطى نظرا لوجود العديد من المفاهيم و القيم الحضارية المشتركة بينهما . فقد إنتهج ملوك الدولة الوسطى ( و لاسيما ملوك الأسرة الثانية عشرة ) نفس السياسة التي إتبعها حكام الأقاليم خلال عصر الإنتقال الأول ، فتبنوا مفهوم ( البطل الأوحد ) الذي يعول و يحمي التابعين و الأنصار ممن إرتضوا لأنفسهم الخضوع لسلطته و الإعلان عن ولائهم له . كما إهتم الأمراء و كبار رجال الدولة و حكام الأقاليم خلال عصر الإنتقال الأول بإبراز إنجازاتهم و صدهم للكوارث و الأزمات التي حلت في البلاد ، حيث نجحوا في التغلب على جميع الإشكاليات السياسية و الإجتماعية و الإقتصادية و الدينية وفقا لزعمهم ، فكان ذلك هو السبيل الوحيد للحصول على الشرعية السياسية و الدينية للحكم في مناطق نفوذهم و لذا فقد جاء ملوك الدولة الوسطى ( الأسرة الثانية عشرة ) و إقتبسوا نفس الفكرة السابقة و قاموا بتبرير شرعيتهم في الحكم من خلال مواجهتهم و صدهم للكوارث التي كانت موجودة قبل مجيئهم للحكم و بعبارة أخرى كانت ملكية الدولة الوسطى في حاجة ماسة لإظهار عصر الإنتقال الأول كزمن يسيطر عليه الفوضى و الكوارث و الأزمات و ذلك لكي تظهر السلطة الملكية ( خلال الأسرة الثانية عشرة ) في صورة المنقذ الأوحد ، فلا أحد يستطيع إنتشال البلاد من عثرتها سوى هؤلاء الملوك . فبينما يشير حكام الأقاليم في عصر الإنتقال الأول إلى مفهوم إسفت ( كل ما هو ينتمي لعالم الفوضى و الغش و الكذب و الخداع و القتل و الشر و الأزمات ) على أنه حالة للشقاء و البؤس كانت سائدة في أنحاء البلاد – ما عدا المكان الذي يحكمون فيه بالطبع – ليبرهنوا على كونهم المنقذين لكل ما سبق ، إحتاجت ملكية الدولة الوسطى لإقتباس مفهوم ( إسفت ) من هؤلاء الحكام السابقين لتثبيت تلك الفوضى على زمنهم بالكامل ( زمن عصر الإنتقال الأول ) ، فهم لم يستثنوا منهم أحد و من هنا قاموا بخلق صورة للذكرى عن ذلك الماضي الغير مرغوب فيه فظهرت النصوص الأدبية الملكية في الدولة الوسطى و هي تمجد و تبجل و توقر الحالة الآنية ( الزمن الحاضر لملوك الدولة الوسطى ) و التي تعني مواجهة و وقوف الملك ضد كل الأحوال السيئة .
و لكن ينبغي لنا أن نطرح تساؤل هام :
هل إستخدام مفهوم إسفت خلال عصر الإنتقال الأول يتطابق في المعنى مع ذات المفهوم في عصر الدولة الوسطى ؟
إن ذلك المفهوم إقتصر إستخدامه طوال عصر الإنتقال الأول على جميع أقاليم مصر التي تعاني من وجود أزمات على جميع المستويات أما في عصر الدولة الوسطى توسع مفهوم الأزمة و إمتد لخارج البلاد و أصبح يشمل العالم بأكمله و لذا تحولت صورة السلطة الملكية و أصبحت مسئولة مسئولية تامة عن العالم و كل ما يحيط بمصر من بلاد أخرى و حل جميع الأزمات التي تعاني منها . فالملك المصري هو البطل الوحيد الذي يمكنه أن يصد الشقاء الموجود في العالم البائس ، فهو المنقذ الأوحد للعالم و الذي بشرت بقدومه النصوص الأدبية للدولة الوسطى و هو البطل الذي يعد الجميع بالخلاص و السعادة إن أعلنوا عن ولائهم له و بمعنى أدق إن رسالة الأسرة الثانية عشرة لم تكن في الواقع سوى شكل تصاعدي ممتد لأيدولوجية ( ولاء المقربين و الأنصار و تبعيتهم لمن يعولهم و يحميهم و يعدهم بالخلاص الدنيوي و الأخروي ) و التي برزت خلال عصر الإنتقال الأول و إستغلت بشدة في الدولة الوسطى .
و قد تم تصوير هذه الفكرة السياسية بشكل واضح في نص ( تنبؤات نفرتي ) الشهير ، حيث يعالج هذا النص دور السلطة الملكية التي تعمل على إنقاذ العالم بصورة جذرية و شاملة ، فهي لا تكتفي بحماية الجميع من المجاعات المحتملة و إنما تمد هذه الحماية على العالم الخارجي إن إرتضى لنفسه الخضوع لسلطة ملك مصر و تكمن أهمية هذا النص في إنتشاره في برديات الدولة الحديثة ، الأمر الذي يعني أنه أصبح النص النموذجي لمفهوم الملكية الناجحة خلال الزمن اللاحق . و يبدأ هذا النص بذكر ملك من الأسرة الرابعة و هو سنفرو حيث رغب في التحدث مع أحد الحكماء فوقع إختياره على ( نفرتي ) و الذي تنبأ له بقدوم ملك منتظر سيخلص العالم من الفوضى التي سبقت زمانه و يظهر هنا من خلال هذا النص الأدبي أن أحداث عصر الإنتقال الأول الفوضوية كانت متوقعة منذ زمن سنفرو ، كما يظهر من ناحية أخرى صورة إيجابة طيبة عن ذلك الملك السلف ( سنفرو ) الذي يظهر في هيئة الملك المتواضع الذي يستمع لذلك الحكيم و رغبته نحو معرفة ما سيحدث في البلاد في الزمن اللاحق و ينبغي لنا هنا أن نشير لمجموعة من النتائج الهامة :
1 – إن نص نفرتي موجه لعامة الشعب في عصر الدولة الوسطى و ذلك من خلال إبراز شخصية لها تقدير بالغ في عقول و أذهان الناس و هو شخصية الكاهن المرتل و الذي كان حكيما وفقا لمعايير العامة من الناس و لذا قام مفكروا البلاط الملكي في بداية الأسرة الثانية عشرة بمخاطبة الشعب المصري من خلال هذا النص و عبر شخصية يعتز بها الجميع و هي شخصية تكتسب أهميتها من منصبها لا من إسمها ، فقاموا بإختلاق إسم ( نفرتي ) أو ( نفررهو )  و ردوه زمنيا للوراء حتى عصر الملك سنفرو .
2 – إكتسبت شخصية الكاهن المرتل مصداقية كبرى لدى الناس كما إشتهرت بإتيانها للخوارق و المعجزات دلالة على صدقها و ورعها و تقواها أمام الجميع .
3 – إرتبط ملوك الدولة الوسطى و لاسيما مؤسس الأسرة الثانية عشرة من خلال نص نفرتي بالسلف القديم سنفرو و جعلوا أنفسهم منحدرين من صلبه و منتهجين لنفس سياسته و ذلك لكي يستمدوا منه شرعية حكمهم و لذلك إتجه البعض منهم لبناء مقابر هرمية في دهشور ( مقر دفن السلف سنفرو ) و ذلك لكي يحظوا على نفس شعبيته و قداسته مما يضفي شرعية على حكمهم أمام العامة من الناس الذين إتخذوا من سنفروا ربا شعبيا لهم .
4 – إتجه نص نفرتي لتصوير ماضي عصر الإنتقال الأول في شكل سلبي بينما إتجه في ذات الوقت لتصوير ماضي الدولة القديمة الممثلة في نموذج ملكية سنفرو في شكل مثالي و نموذجي و لذا أصبح الملك سنفرو ملكا عادلا و طيبا و رحيما و متواضعا و هي الصفات التي ألحقت به خلال الدولة الوسطى و لا نجد لها حتى الآن سند مادي من عصر الدولة القديمة .
5 – لا نعلم حتى الآن لماذا تم إنتقاء الملك سنفرو و حكمه من جميع ملوك الدولة القديمة في نص نفرتي ؟ فهل يرجع ذلك لمجهود كهنته الذين صوروه أمام عامة الشعب خلال عصر الإنتقال الأول كرب شعبي يلبي و يجيب و يستمع لدعواتهم و ندائهم ؟ أم يرجع لإختيار مجهول الأسباب من ملوك الدولة الوسطى الذي سعوا لإبرازه في شكل الملك المثالي حتى يستمدوا منهم شرعيته كسلف لهم فقاموا بتحويله لرب شعبي و أحييوا عبادته في معبده الجنزي عند هرمه المنكسر في دهشور و هو ما دلت عليه بالفعل شواهد عبادة له في تلك الفترة ؟
6 – ظهور صورة الملك سنفرو من وجهة النظر الشعبية في عصر الدولة الوسطى كملك لا يعلم الغيب و لذا فهو يحتاج لشخصية ذات مواصفات غير عادية يحبها عامة الشعب و يصدقها و هي شخصية الكاهن المرتل و الحكيم الذي يظهر وفقا للمفاهيم الشعبية كشخص قادر على التنبؤ بالغيب و هو ما يعني أن الملكية في الدولة الوسطى لم تكن في نظر العامة قادرة على فعل ذلك العمل و ذلك هو ما يبرر إستخدامها لتلك الشخصية ذات الإسم الوهمي المختلق .
إن نص نفرتي قام بتصوير الفوضى على أنها عالم مقلوب على رأسه فالنظام الكوني و العدالة الإجتماعية و المحبة بين الناس لم يكن لهم وجود خلال عصر الإنتقال الأول وفقا لمفاهيم النص ، فهو يقول :
 الشمس محتجبة و لا تشع و لا يمكن لأحد أن يعيش إذا ظهرت الغيوم و حجبت ضوء الشمس ، أما عن الماء فقد جف نهر مصر و أصبح من الممكن عبوره بالأقدام و أما عن الإتصال بين الخالق و المخلوق فقد إنفصل رع عن البشر و لم يعد أحد يعرف متى سيظهر و كل ما تم تشييده من منشآت في السابق فقد تهدم ، و لذا فينبغي لرع أن يعيد خلق الكون من جديد فقد ضاعت البلد بأكملها أما عن العلاقات بين الناس فقد تحول الإبن كخصم لأبيه و الأخ كعدو لأخيه ثم تظهر البشارة التي يتنبأ بها نفرتي أمام سنفرو قائلا :
يأتي ملك من الجنوب إسمه إميني ( الإسم المختصر لأمنمحات الأول ) و هو إبن إمرأة من تاستي ( أسوان ) و هو طفل من مصر العليا سيضع ( ماعت ) في مكانها و يطرد ( إسفت ) .
و يمكن لنا أن نستشف مجموعة من الملاحظات الهامة من خلال تحليل هذه الفقرة من نص نفرتي :
1 – إرتباط شخصية الملك المنقذ بما وقع من كوارث سبقت عهده فلا يمكن فهم معنى و وظيفة الملكية في مصر دون تخيل وجود أحوال سيئة قبل صعود الملك على العرش .
2 – أن الملك هنا يقوم بدور شخصية الإله الخالق الذي وضع ماعت في مكانها عند بداية الخلق ، فهذا الإله الأول خلق الكون بالماعت و كان العالم في إنتظام كامل و لم يكن هناك أزمات و من جانب آخر نجد أن وضع ماعت يعني طرد إسفت ( كل ما ينتمي لعالم الشر و الفوضى ) التي كانت موجودة قبل خلق الكون و هنا نفهم رسالة مؤسس الأسرة الثانية عشرة التي تتمثل في أن كل ما وقع في مصر خلال عصر الإنتقال الأول ينتمي لعالم إسفت ، عالم الفوضى و الشر و الظلام الذي كان يهيمن على مصر قبل خلق الكون ، و هنا يأتي الملك الذي يمثل رع الخالق ليعيد خلق الكون من جديد و يقضي على إسفت التي عاشت فيها البلاد فترة طويلة
3 – ما زال هناك نزاع حول كيفية فهم هذا النص . فمن الباحثين من يعتقد بأن النص هو وصف تاريخي أمين لما حدث في مصر فعليا خلال عصر الإنتقال الأول . و هناك من يميل ( و الدارس منهم ) إلى الإعتقاد بأن النص مجرد دعاية سياسية لصالح الملك أمنمحات الأول و لذا فقد بالغ مفكروا البلاط الملكي في إظهار مساويء عصر الإنتقال الأول لكي يتم وضع هذه الصورة كخلفية يستند عليها الملك لتبرير صعوده على العرش .
4 – إن هذا النص أصبح يمثل نموذج لكل ملك يحكم البلاد لكي يضع ماعت و يقيم النظام و العدالة و الحق بدلا من الفوضى و الظلم و الباطل ( إسفت ) .
5 – نلاحظ من نص نفرتي أنه عندما حلت إسفت في العالم ( إنفصل رع عن دنيا الناس ) و هذه العبارة الأخيرة ملفتة للنظر ، نظرا لأنها تحمل في ثناياها البذور الأولى لأسطورة هلاك البشرية التي ستتبلور في عصر الدولة الحديثة ، حيث إعتمدت هذه الأسطورة على وصف الفوضى و التمرد الذي أحدثه البشر تجاه الإله الخالق مما أدى لإنفصاله عن البشر و صعوده نحو السماء ، فالمكونات و العناصر الدينية لنص نفرتي و أسطورة هلاك البشرية تتلاقيان في نقاط كثيرة و من ناحية أخرى نجد أن الأسطورة المصرية كانت تروج بشكل عام لعدم التمرد على السلطة الملكية و إلا عادت إسفت و إنفصل رع عن دنيا البشر و حل الظلام و برزت الفوضى .
يتضح لنا مما تقدم شرحه أن الشكوى التي ظهرت في نص نفرتي تسعى لخلق عالم وهمي مليء بالأزمات و ذلك في مقابل عالم النظام الذي قامت السلطة الملكية في الدولة الوسطى لتحقيقه ، فهو عالم يبرز فيه الملك مثل ( الراعي الطيب ) و هي الأيدولوجيا التي خلقها مفكروا البلاط في ذلك العهد ، مما يعني أن نص نفرتي ينتمي للنصوص السياسية الدعائية المغرضة التي ليس لها سند تاريخي من الشواهد المادية و لاشك أن هذه القراءة لنص نفرتي كانت ضرورية لكي تقف ضد نظرية القراءة التاريخية الساذجة لمثل هذه النصوص من قبل عدد من علماء المصريات القدماء .
و لكن ينبغي أن نضع في الحسبان كذلك أنه بالرغم من أن هذا النص لا يمثل وصفا تاريخيا أمينا لما حدث خلال عصر الإنتقال الأول ، إلا أنه لم يكن كذلك أوهاما تاريخية تقليدية أيدولوجية بشكل كامل ، فأي نص يحتوي على قدر من التضليل و قدر من المصداقية و قد تزيد نسبة التضليل إلى حد كبير و لا سيما في النصوص ذات الطابع الدعائي و لكن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال الإنتفاء التام لصحة كل ما ورد في النص ، فدائما ما تكون هناك ( نواة تاريخية ) صحيحة في أي نص ذو طابع دعائي سياسي ، و يتم الكشف عنها من خلال الآثار و الشواهد المادية الغير مغرضة ، فإن إتفقت هذه الشواهد مع ما ورد في النص ، كانت تلك النواة صحيحة تاريخيا ، و أهم ما كان صحيحا من وجهة النظر التاريخية في نص نفرتي ( النواة الأولى للنص ) هو عدم وجود سلطة ملكية مركزية مسيطرة على البلاد بأكملها خلال عصر الإنتقال الأول فضلا عن حدوث بعض المجاعات نتيجة لإنخفاض مستوى نهر النيل في ذلك العصر و هو ما تم إثباته فعليا من جانب علماء المصريات و الجيولوجيا و الذي كان أحد الأسباب الرئيسية التي أدت لتفكك و إنحلال السلطة الملكية في نهاية عصر الدولة القديمة . أما ما تم إضافته حول هذه النواة من صور أدبية بلاغية دعائية لصالح السلطة الملكية من الوجهة السياسية يدخل في نطاق الأيدولوجيا المغرضة و الغير صحيحة .
و لذا يمكن القول بأن نص نفرتي هو صيغة  تهدف من جانب آخر إلى تكوين ( ذكرى للماضي ) الذي وقع خلال عصر الإنتقال الأول و الذي يتم توظيفه أيدولوجيا من جانب ملوك الدولة الوسطى و إلى هنا يتجه البحث لتناول مفهوم الماضي لدى المصري القديم و كيف يتكون و متى يتذكره في عدد من العناصر و الخطوات الهامة و هي :
1 – الماضي في حد ذاته غير موجود ، فما حدث خلال الدولة القديمة و عصر الإنتقال الأول لم يظهر إلا من خلال تدوينه لاحقا في عصر الدولة الوسطى .
2 – لا يظهر الماضي إلا من خلال إطار أهداف الزمن الحاضر و هنا نجد ملوك الدولة الوسطى و هم يشكلون و يصيغون ما وقع خلال الدولة القديمة و عصر الإنتقال الأول و بمعنى أدق سنجد أن الحاضر هو الذي يصنع الماضي .
3 – لا يظهر الماضي إلا من خلال من يتذكره ، فالماضي يتجلى في هيئة ذكرى مما يعني كذلك وجود حاجة ماسة لهذه الذكرى ، فلولا مفكروا البلاط الملكي في عصر الدولة الوسطى لما تذكر أحد ما حدث في السابق و لولا حاجتهم لتبرير شرعية حكم ملوك تلك الفترة لما ظهرت صورة ذلك الماضي .
4 – الماضي لا يظهر في صورته التي وقع بها بشكل مطلق بل يظهر في صورة ماضي ثاني ، و هو في واقع الأمر من إنتاج الزمن الحاضر ، و لا يتطابق ذلك الماضي الثاني مع الماضي الأول الفعلي إلا بقدر ضئيل ، فالماضي الثاني يعكس أهداف الزمن الحاضر الذي لا يسعى و لا يهتم لإبراز ما وقع في الماضي الأول الفعلي . فعلى سبيل المثال سعى ملوك الدولة الوسطى ( و هم يمثلون الزمن الحاضر ) لإبراز صورة الفوضى و عالم إسفت و قيام ثورة إجتماعية في البلاد في نصوصهم الأدبية خلال عصر الإنتقال الأول ( و هذا هو الماضي الثاني الذي أنتجوه ) أما ما حدث فعليا خلال ذلك العصر ( و هو الماضي الأول ) و الذي لا نعرفه إلا من خلال الآثار الغير مغرضة فقد تم طمس معظم معالمه لأجل أيدولوجيا الماضي الثاني المختلق في معظمه .
يتضح لنا مما سبق أن الماضي في الذكرى الحضارية المصرية القديمة كان ماضيا بأهداف أيدولوجية سياسية تسعى لإبراز أهمية الملك الأوحد أو البطل المنقذ من الأزمات و ذلك من خلال وصف وهمي لمعظم الأحداث التي تنتمي لذلك الماضي ، فتبرز أهمية الحاضر الذي يربط نفسه بماضي من نوع آخر و هو الماضي المثالي المطلق ، ماضي الملوك و الآلهة الأوائل التي حكمت مصر في سالف الزمان و كان ذلك الماضي هو الأفضل على الإطلاق و من هنا يجاهد ملك مصر في إعادة ذلك الماضي المطلق حتى تسعد البلاد بحكمه و تعيش الرخاء الذي كان موجودا في أول و أقدس الأزمان

الصورة الأيقونية الفنية للملكية المصرية في المناظر الحربية منذ بداية عصر الدولة الحديثة و حتى بداية عصر الرعامسة


بسم الله الرحمن الرحيم

الصورة الأيقونية الفنية للملكية المصرية في المناظر الحربية منذ بداية عصر الدولة الحديثة و حتى بداية عصر الرعامسة


يسعى الدارس من خلال هذا المقال لتناول أيدولوجيا الحرب الملكية منذ بداية عصر الدولة الحديثة  و حتى بداية عصر الرعامسة  و محاولة رصد التغير و التطور الذي طرأ على الصورة الأيقونية الفنية للملك المصري و التي ظهرت على جدران المعابد المصرية القديمة خلال تلك الفترة الممتدة زمنيا منذ بداية حروب التحرير و حتى عصر الملك سيتي الأول – المؤسس الفعلي لعصر الرعامسة -  و لا يسع الدارس في هذا المقام إلا أن يهدي هذه الدراسة للزميلة القديرة الأستاذة ( مي سعيد ) نظرا لعشقها البالغ لعلم المصريات و شغفها نحو معرفة كل جديد . لعبت شخصية القائد العسكري في عصر الدولة الحديثة و لاسيما مع بداية عصر الرعامسة دورا بارزا و كان لها تأثير بالغ في الفكر السياسي و الديني لذلك العصر . فقد تحول الملك في بداية عصر الرعامسة إلى قائد عسكري من الطراز الفريد ، حيث يتمتع بمواهب و قدرات خارقة تمكنه من الإنتصار على الأعداء في ميدان القتال ، كما تغيرت صورة الحرب و ما يتعلق بها من مشاهد صورت على جدران المعابد المصرية القديمة في بداية عصر الرعامسة ، فلم تلعب الحرب و كل ما يتعلق بها قبل ذلك العصر دورا بارزا وفقا لمفهوم الصورة التقليدية للملكية المصرية و العالم الذي يحيط بمصر .
فقبل بداية عصر الرعامسة خلقت الأيدولوجية الملكية صورة خاصة لمصر بوصفها تقع في مصاف العالم المنظم الذي خلقه إله الشمس رع و كان الملك هو صورة ذلك الإله الخالق على الأرض و المكلف بوضع ماعت ( النظام و الحق ) بدلا من إسفت ( الفوضى و الباطل ) ، فالملك المصري يسعى لمطاردة إسفت و القضاء عليها كما أن المملكة المصرية قبل عصر الدولة الحديثة لم تعترف بأنها دولة واحدة في إطار دول متعددة تقع حولها و لم تعترف بوجود حضارات أخرى مجاورة لها – على الأقل من الناحية النظرية الشكلية – و إنما هي الدولة الوحيدة القائمة في العالم و محاطة بمناطق غير معروفة و مليئة بالفوضى و لا تزال تنتمي زمنيا لعالم ما قبل الخلق و مسكونة من قبل الأعداء ( الذين لا يمكنهم أن ينتصروا و لا تلحق بهم الهزيمة ) فهكذا روجت ملكية الدولة الوسطى لصورتهم في النصوص الأدبية السياسية . و لذلك لم يقبل هؤلاء الأعداء بالخضوع الدائم لملوك مصر ، كما لم يتمكن المصريون من القضاء على الفوضى التي خلقها هؤلاء الخصوم و لم يندمجوا في مصاف العالم المنظم و هو عالم مصر وفقا لما روجت له ملكية الدولة الوسطى ، فكان الحل العملي الذي لجأ إليه ملوك ذلك العصر هو بناء القلاع و الحصون العسكرية على حدود مصر الشرقية من أجل الإبقاء على هؤلاء الأعداء خارج مصاف العالم المنظم ، و كانت هذه الحصون هي حدود العالم الذي خلقه إله الشمس و التي حصنت مصر من خطر شعوب الشرق الأدنى القديم الذين ينتمون لزمن ما قبل الخلق الذي يتسم بالظلام و الفوضى و العدمية و هي كلها سمات ( إسفت ) .
و عند خروج الملوك في عصر الدولة الوسطى لعمل معارك حربية ضد شعوب الشرق الأدنى و تحديدا تجاه جنوب بلاد الشام ، لم يكن الهدف منها إحتلال هذه المناطق عسكريا ، فقد كانت مجرد حملات قمعية و تأديبية تهدف لإبراز صورة الملك الذي يجاهد من أجل قمع قوى الفوضى التي تهدد العالم المنظم ( عالم مصر ) ، أي أنها حملات لا تؤدي إلى تغييرملموس و ليس لها نتيجة فعالة ، فتظل الأمور على حالها ، و تظل مصر في مصاف العالم المنظم و يبقى أعدائها في نطاق العالم الفوضوي و لهذا السبب فإن جميع حروب ما قبل الدولة الحديثة تقع في إطار الزمن الدوري ، و هو الزمن الذي يحتوي على جميع الأفعال المتكررة و التي لا تؤدي في النهاية إلى تغيير واضح أو نتيجة جديدة ، فتتحول الحرب إلى ما يشبه الطقس الديني الذي يتم إنجازه بتكرار و بشكل منتظم عند تولي كل ملك عرش البلاد .
و مما لاريب فيه أن هذه الصورة قد تغيرت خلال عصر الدولة الحديثة و لاسيما بعد التجارب التاريخية لحروب التحرير ضد الهكسوس مما كان له تأثير بالغ الأهمية في دلالة الحرب مع بداية ذلك العصر ، فجميع حروب التحرير لم تكن مجرد حملات قمعية طقسية دورية متكررة ، فهي لا تقع في إطار الزمن الدوري بل تنتمي للزمن المستقيم ، و هو الزمن الذي يحتوي في داخله على أحداث فريدة من نوعها تؤدي في نهاية المطاف إلى تغيير و تبدل في الأحوال و يصبح هناك نتيجة جديدة كما لا يمكن تكرارها أبدا ، فحروب التحرير كانت تهدف لطرد الهكسوس من الدلتا و هو حدث فريد من نوعه و غير قابل للتكرار و نتيجته هي تحرير مصر بأسرها من وجود الحكام الأجانب فيها .
و في هذا الصدد ينبغي طرح تساؤل هام : هل أثرت حروب التحرير ذات النتائج الجديدة و الملموسة على صورة الملك المصري في عصر الأسرة الثامنة عشرة و هو يردع الأعداء على جدران المعابد المصرية التي تنتمي لتلك الفترة ؟
لم تتأثر مناظر ضرب الأعداء من جانب الملك المصري على جدران المعابد المصرية القديمة ( و لاسيما الصروح ) فظلت تصور في الإطار التقليدي حيث لا يزال يظهر الملك و هو يضرب الأعداء بسلاحه بشكل مطابق تماما لصورة الملك في صلاية نعرمر ، فبرغم وجود نتائج ملموسة و جديدة في عصر الأسرة الثامنة عشرة تمثلت في مد رقعة الحدود المصري ناحية بلاد الشام ( و هي حملات تنتمي للزمن المستقيم ) ، إلا أن ذلك لم يؤثر على شكل الملك الذي ظل يظهر على صروح و جدران معابد الأسرة الثامنة عشرة ، فكانت صورة الملك الفنية تظهر في إطار الزمن الدوري و هو ما نلمسه بشكل واضح في صورة الملك تحتمس الثالث و الذي وضعه ملوك الرعامسة كنموذج يحتذى به في الحروب و كسياسة ينبغي إتباعها من جانبهم ، فكان من وجهة نظرهم صاحب أعظم إنتصارات عسكرية في منطقة الشرق الأدنى القديم ، و يمكن القول بأن الملك تحتمس الثالث قد أثنى على نفسه و مدح أعماله العسكرية في نص الحوليات الشهير في الكرنك في قالب شعري يتطابق تماما مع صورة الملك في عصر الدولة الوسطى ، مما يعني أنه رغم وجود نتائج جديدة في عصر ذلك الملك تمثلت في إحتلال مناطق متعددة من بلاد الشام ( تنتمي للزمن المستقيم ) إلا أن صورته الفنية و الأدبية ظلت على حالها ( تنتمي للزمن الدوري ) و هو ما يفسر لنا الغياب التام لأي تفاصيل فنية لهذه المعارك على جدران المعابد المصرية آنذاك .
و مع بداية عصر الرعامسة و تحديدا في حكم الملك سيتي الأول تغيرت الصورة التقليدية الفنية و الأدبية للملك المصري في الحروب العسكرية ، إذ لم يكن معنى هذه الحروب يقع في إطار الزمن الدوري و إنما في النتيجة الملموسة التي تعمل على تغيير كل ما يحيط بمصر فهي تقع في إطار الزمن المستقيم فنيا و أدبيا و فكريا و سياسيا . و هنا ينبغي لنا أن نشير لمجموعة من النتائج الجديدة التي أوجدها عصر الرعامسة و تم تمثيلها على جدران و صروح المعابد و هي :
1 – لم يكن الهدف من حروب ذلك العصر غزوة واحدة و إنما سلسلة من الغزوات المتتالية و تمثيلها فنيا على جدران المعابد و بشكل تفصيلي لأول مرة .
2 – قام كهنة طيبة في الكرنك بتصوير معارك الملك سيتي الأول المتتالية ( و عددها ستة معارك ) على الجدار الشمالي الخارجي لصالة الأعمدة الكبرى و ظهر فيها لأول مرة خرائط تفصيلية لميدان القتال و بعض الملامح الطوبوغرافية لأراضي الأعداء فضلا عن ظهور الملك المصري في هيئة البطل ذو القدرات الخارقة .
3 – تحدثت النصوص المرافقة لهذه المناظر عن أن هدف هذه المعارك هو إحلال الماعت ( النظام ) في تلك المناطق بدلا من الإسفت ( الفوضى ) التي كانت تسيطر عليها ، الأمر الذي يؤدي في النهاية لإحلال ( السلام ) و هو مصطلح لم يكن موجود على الإطلاق في اللغة المصرية القديمة ، و لا حتى في عصر الرعامسة و لكن يمكن إستنباط مفهوم السلام بشكل غير مباشر من خلال بعض العبارات التي رافقت هذه المناظر العسكرية ، حيث أشارت إلى أن الملك و بعد الإنتصار على الأعداء في مناطقهم أصبحت تلك البلاد تخضع لعالم مصر بعد القضاء على الفوضى التي كانت فيها ، و لذا فإنها مناطق مصرية منذ الآن و صاعدا فيهب لها الملك نفس الحياة فتعيش في كنف ملك مصر
4 – إن مفهوم السلام و هو الهدف الغير معلن عنه في النصوص المرافقة لهذه المناظر يعني وفقا لأيدولوجية الرعامسة الخضوع لمصر التي مدت حدودها للخارج و أصبحت تلك المناطق الخارجية في مصاف العالم المنظم ( و لكن بعد القضاء على الفوضى التي كانت فيها ) و تحولت أحراش و مستنقعات مصر إلى بلاد الشام
5 – لعب الملوك هنا دورا جديدا في إطار هذه السياسة الجديدة لم يكن معروفا من قبل في صورة الملوك التقليدية و هي سياسة تحقيق السلام مع العالم الخارجي بعد إخضاعه و لكن يمكن لنا أن نكتشف إرهاصات أولى لهذه السياسة قبل عصر الرعامسة و تحديدا منذ عصر الملكين ( تحوتمس الرابع ) و ( أمنحتب الثالث ) حيث توصلا إلى عقد السلام بعمل معاهدات و تحالفات و زواج سياسي مع ممالك الشرق الأدنى القديم دون الإشارة بشكل مباشر لمصطلح السلام ( الغير موجود لغويا ) و كان هذا العمل أمرا ملفتا للنظر من الناحية السياسية ، فالحرب تؤدي للسلام حتى و إن لم يتم الإعلان عنه صراحة و العدو يتحول إلى صديق و إن لم تشير النصوص المصرية بشكل مباشر إلى ذلك و مما لاشك فيه أن ثنائية الحرب – السلام و العدو – الصديق هي الشيء الجديد في عصر الدولة الحديثة .
و لكن كيف إنتهت الأمور في نهاية الأسرة الثامنة عشرة و مدى تأثيرها على صورة الملك المصري و مشاهد الحرب العسكرية مع بداية عصر الرعامسة ؟ ...............
كان الضابط المصري ( رعمسو ) هو قائد الجيش في نهاية عصر الأسرة الثامنة عشرة ( عصر الملك حور محب ) و كان ممثلا لطبقة إجتماعية عسكرية جديدة تعتبر نفسها من الأرستقراطيين العسكريين الذين كانوا يميلون إلى حد كبير تجاه طبقة نبلاء الجيش الآسيوي ( و هو ما ظهر واضحا في الصورة الفنية التي ظهر بها هذا الملك و من جاء بعده في العاصمة الشمالية – قنتير ، أنظر كذلك منظر لوحة الربعمائة الشهيرة و ما ظهر فيها من سمات فنية تبرز الملك ممثل و صورة الإله ست المتأثر بالآسيويين ) أكثر من ميلهم نحو كهنة و موظفين مصر . و من صفات هذه الطبقة الشعور بالعزة و التميز تجاه الآخرين . ثم جاء الملك سيتي الأول إبن رمسيس الأول و قد كان معجبا بشخصية حور محب الذي قام بتعيين أبيه كوزير و كقائد أعلى للقوات المسلحة المصرية فقام بتبجيل ذلك السلف العظيم و إعتبر فترة حكمه تالية و بشكل مباشر للملك أمنحتب الثالث بعد أن تجاهل فترة ملوك العمارنة الذين تم تأطيرهم في دائرة الملوك المارقين فلم تسجل أسمائهم الملكية على قوائم الملوك في المعابد و من ناحية أخرى بدأت النصوص الدعائية في عصر سيتي الأول تروج له بأنه الملك الذي إختاره إله الشمس رع منذ أن كان ( هذا الحاكم في البيضة ) و هو تعبير تقليدي قديم و معروف يشير إلى أزلية الملك الحاكم و أزلية توليه مقاليد الأمور في البلاد ، فلقد كان هذا الأمر مقدرا منذ الأزل و هنا نجد أنفسنا أمام الحقيقة التالية :
سيطرة الجيش المصري على مقاليد السلطة الملكية أثناء إنتقال الحكم من نهاية الأسرة الثامنة عشرة و حتى بداية الأسرة التاسعة عشرة و هو الأمر الذي تنبه له عالم المصريات الألماني ( هلك ) الذي إنفرد بدراسة تفصيلية عن تلك الفترة مشيرا إلى بداية وجود تغيرات في الدلالة الأيدولوجية للحرب وفقا لملكية الرعامسة فضلا عن تحول الدولة المصرية بعد سيطرة حور محب ( القائد الأعلى للقوات المسلحة في عصر توت عنخ آمون و آي ) و من بعده رمسيس الأول  على السلطة الملكية إلى دولة ذات ( ديكتاتورية عسكرية ) فقد دخلت السلطة العسكرية و تغلغلت في جميع مهام الحياة  و سيطرت على مختلف الوظائف الدينية و المدنية في دولة الرعامسة و تحول رجال الجيش إلى طبقة مسيطرة على جميع الأنشطة في ذلك العصر .
و في واقع الأمر لم تكن الأمور السياسية و العسكرية على ما يرام في نهاية عصر الأسرة الثامنة عشرة و لاسيما بعد تقلص و إنحسار الحدود المصرية في منطقة بلاد الشام . و من جانب آخر إندلعت مجموعة من المعارك العسكرية بين مصر و مملكة الحيثيين في النصف الثاني من عصر الأسرة الثامنة عشرة و كانت مملكة عسكرية ناشئة تقع في بلاد الأناضول و ورد ذكرها لأول مرة على الآثار المصرية في نص حوليات الملك تحتمس الثالث في الكرنك و لم تكن معظم نتائج هذه المعارك في صالح الجيش المصري و لاسيما و أنها أدت إلى تقلص حدود الإمبراطورية المصرية في بلاد الشام و تحديدا في عصر العمارنة بعد إنتهاج ملوكها لسياسة متراخية إلى حد كبير مما كان يشكل تهديدا دراميا لمصر مع بداية عصر الرعامسة و يتضح لنا ذلك من خلال الإجراءات السياسية و الدينية التي إتخذها الملك سيتي الأول فور إعتلائه العرش تمثلت فيما يلي :
1 – أعلنت النصوص الملكية في عصر سيتي الأول أن مصر أصبحت تواجه غضب الآلهة بسبب ما أحدثه الملك المهرطق ( إخناتون ) تجاههم و الذي تم وصفه بلقب ( مجرم آخت أتون – العمارنة ) و لهذا السبب إستهل الملك سيتي الأول حكمه بإنشاء معابد ضخمة و متعددة في أنحاء البلاد في إطار برنامج ديني و سياسي يهدف للتصالح مع آلهة مصر الغاضبة .
2 – أما على مستوى السياسة الخارجية فكان من أهم الأمور التي إتبعها هو إعادة بناء إمبراطورية تحتمس الثالث الخارجية و إعادة صورة الملك المصري الممثل لإله الشمس رع الخالق و المسيطر على جميع الشعوب الأجنبية .
3 – تمكن الملك سيتي الأول من إعادة كثير من الشعوب الأجنبية التي تمردت على الحكم المصري في نهاية الأسرة الثامنة عشرة إلى حظيرة السلطة الملكية المصرية مرة أخرى و من أهم المناطق التي أعاد إخضاعها لحكم مصر مرة أخرى هي مملكة آمورو في بلاد الشام و زعيمها حيث كانت مصر تستورد خشب الأرز من هذه المملكة .
4 – إتخذ الملك سيتي الأول لقبا ذو دلالة هامة و هو ( من ماعت رع ) بمعنى أن الذي أقام الماعت هو رع و لم يكن رع هنا في واقع الأمر سوى الملك نفسه ، فكان هذا اللقب يشير إلى إعادة وضع ماعت في مكانها التي كانت عليه في بدء الزمان ، و هي اللحظة الأولى التي خلق فيها رع العالم بالماعت فظهر كعالم منظم و مستقيم يمتاز بالعدالة و الحق و الخير بعدما كان يعيش في الفوضى ( إسفت ) و هي فوضى ما قبل الخلق التي تنطبق في هذه الحالة مع أحداث عصر العمارنة التي إتسمت بأحوال سياسية و دينية سيئة وفقا للأيدولوجيا الدعائية للملك سيتي الأول و لذا فينبغي على الملك صورة رع المقدسة ، أن يعيد خلق الكون من جديد بوضع الماعت في مكانها الصحيح بتشييد المعابد و إقامة الحروب العسكرية .
5 – نلاحظ أن إسم الملك هنا ( من ماعت رع ) يحتوي في ثناياه على إسمين لملكين قديمين من ملوك الأسرة الثامنة عشرة و هما ( تحتمس الثالث ) الذي كان يدعى ( من خبر رع ) و أمنحتب الثالث الذي كان يدعى ( نب ماعت رع ) ، فقد جمع سيتي الأول في إسمه بين أول كلمة من إسم تحتمس الثالث و هي ( من ) بمعنى مثبت أو مؤسس أو مقيم و ثاني كلمة من إسم أمنحتب الثالث و هي ( ماعت ) و التي تشير لحكم الإله الخالق في الزمن الأول مع بقاء مقطع رع في إسمي الملكين في إسم الملك سيتي الأول و من هنا نفهم أن الملك سيتي الأول إتخذ أمنحتب الثالث كقدوة في سياسية إنشاء معابد دينية متعددة و ضخمة حيث إشتهر هذا السلف بذلك العمل كما إتخذ تحتمس الثالث كقدوة في سياسة إقامة الحروب تجاه الأعداء و إخضاعهم للحكم المصري من جديد
6 – في واقع الأمر إن وضع ماعت من جديد من جانب الإله الخالق رع عن طريق ممثله على الأرض ( الملك ) كان يعني ما يلي :
أ – تشييد معابد ضخمة و متعددة لآلهة مصر ( إعادة خلق الكون )
ب – إقامة حروب جديدة ضد أعداء مصر الذين يعيشون في زمن فوضى ما قبل الخلق ( إسفت ) حتى يندمجوا في مصاف عالم مصر المنظم و يحل السلام من جديد .
ج – إعادة تقديس الأسلاف و ترميم آثارهم و إعادتها لحالتها الأولى بعد خرابها و تهدمها و هي الحالة التي خلق فيها الكون لأول مرة عندما كان الجميع في سعادة بالغة و عندما لم يكن للشر أي وجود و عندما كانت الخصوبة دائمة في البلاد .
د – إقامة أعياد الآلهة من جديد حتى يسعد شعب مصر و لا يعيش مرة أخرى زمن البؤس و الشقاء الذي كان موجودا في فوضى ما قبل الخلق ( زمن العمارنة ) و تقديم القرابين بوفرة و حتى لا تكون موائد الآلهة فارغة فترحل عن أرض مصر فتدخل مصر في زمن الفوضى و الكوارث من جديد كما حدث في عصر العمارنة . و من هنا ندرك لماذا إنتشر منظر تقدمة الماعت في عصر الرعامسة في المعابد المصرية من جانب الملوك تجاه كبرى الأرباب الخالقة و ذلك لكي يشير إلى برنامجهم الإصلاحي الديني و السياسي 
7 – قام الملك سيتي الأول بتخليد أعماله و إنجازاته ذات الطبيعة الدعائية بعمل صورة أيقونية فنية جديدة ، فقد صور نفسه فوق العربة الحربية و هو يهاجم القلاع الآسيوية في جنوب بلاد الشام مع تثبيت و تدوين تفاصيل المعركة و كل ما لحق بها من ملابسات على جدران المعبد بل و قدم بيانات طوبوغرافية أدت لظهور مناظرعسكرية تحتوي على خرائط لميدان القتال و لأول مرة و هو ما نشاهده فعليا على الجدار الشمالي الخارجي لصالة الأعمدة الكبرى في الكرنك فنلاحظ على سبيل المثال تصوير آبار المياه المجاورة للقلاع العسكرية الأجنبية فضلا عن تمثيل تفاصيل تتعلق بغابات أراضي الفنخو ( الفينيقيين ) مما يمكن إعتباره ( أقدم خريطة طوبوغرافية في العالم ) و هو ما يكشف عن رغبة دفينة لدى الملك و هي :
إدخال معلومات و بيانات ملموسة إلى هذه المناظر العسكرية لأول مرة و بقدر الإمكان ، و ذلك لتشخيص هذه الوقائع على أنها أحداث فريدة من نوعها ، أحداث تنتمي ( للزمن المستقيم ) و لا تنتمي ( للزمن الدوري ) و هنا نلمس نزعة جديدة وصلت إلى القمة التصويرية الفنية في عصر الملك رمسيس الثاني عند تمثيله للمناظر الخاصة بمعركته الشهيرة قادش و هي المعركة التي سيتناولها الدارس بإذن الله في المقال القادم في دراسة خاصة .