الأربعاء، 30 نوفمبر 2011

نشأة الخطاب الأثرى فى الحضارة المصرية القديمة و رسالة القبور

بسم الله الرحمن الرحيم

( نشأة الخطاب الأثرى فى الحضارة المصرية القديمة و رسالة القبور )

............................... نشأت الكتابة و ترعرعت فى ظل المؤسسة الملكية المصرية القديمة ، إذ كانت وظيفة الكتابة فى نشأتها الأولى تقتصر على تدوين الأحداث ذات المغزى ( السياسى ) ، فكانت بمثابة نشرات أو إعلانات سياسية تهدف لخدمة السلطة الملكية الناشئة . فأى حدث تتم كتابته فى الزمن ( الحاضر ) يهدف إلى أن يتجه لزمن ( المستقبل ) و هكذا يظل ( الحاضر ) حيا و ماثلا فى ( الذاكرة الحضارية للمجتمع ) . و لايمكن أن نتجاهل حقيقة أن إنجازات الملك السياسية فى العصر العتيق كانت تتجلى داخل ( المعابد المصرية ) ، التى لم تكن سوى إطار يتسم ( بالثبات ) و ( الدوام ) و ( الأبدية ) فلا تظهر إلا فى وسط دينى مقدس و هو ( عالم المعبودات ) فتظل مشاهدة لهذه الإنجازات فتباركها و تتذكرها إلى الأبد و من هنا تصبح ( نموذج حضارى ) يحتذى به فى المستقبل . و لذلك بدأ ملوك العصر العتيق فى تسجيل الحدث التاريخى الأهم الذى وقع فى كل عام و تسمية ذلك العام بإسم الحدث الرئيسى و كانت هذه الوقائع تدون فى ( الموقع المقدس لعالم الخلود و الأبدية ) حتى تبقى فى صورة مرئية و ظاهرة . و هنا يكمن أصل الكتابة الهيروغليفية عند ولادتها الأولى ، فالخط الهيروغليفى يعتبر ضربا من ضروب فن النقوش و التصوير و التمثيل و لذلك إستقر فى الأذهان منذ بدايات العصر العتيق أن هذا الخط هو ( الكتابة التى تدون فيها كلمات الآلهة ) .
يتبين لنا مما تقدم أن مصطلح ( الخطاب الأثرى ) يعنى ببساطة ( الأداة الكتابية ) التى تظهر فيها ( السلطة الملكية ) نفسها ، و التى تعبر عن ( نظام الخلود الدائم ) حيث تتضح لنا جيدا هذه العلاقة المزدوجة للكتابة و الفن : ( الدولة ممثلة فى السلطة الملكية ) من جانب و ( الخلود ) من جانب آخر . فالدولة بهذا المعنى ليست مجرد مؤسسة لضمان السلام و النظام و العدل فقط ، بل هى أيضا فى الوقت نفسه مؤسسة للتمكين من مبدأ ( الخلود ) أو على الأقل للتمكين من مواصلة الحياة من فوق حاجز الموت فيصبح كل أثر كتابى هيروغليفى و كل علامة تصويرية هيروغليفية تهدف إلى ( تخليد الإنسان الفرد ) ، و الفرد هنا يدين بالشكر و العرفان ( للسلطة الملكية ) على منحها ( الخلود ) له ، و لاريب أن حرفة ( الكتابة ) بدأت فى أحضان ( السلطة الملكية الناشئة ) فهى ملكا لها و تحتكر كل أدواتها ، فلا يستطيع الإنسان الفرد أن يمارسها إلا من خلال الخدمة فى الدولة .
إن مفهوم ( الخطاب الأثرى ) يتمثل فى السيطرة على الوسيلة الوحيدة الهادفة لمواصلة الحياة بعد الموت فى ( الذاكرة الإجتماعية ) . و ذلك الخطاب يقوم بتهيئة فرصة الإتصال مع ( عالم الموتى ) ، فالأحياء يتجهون لرؤية الموتى فى عالمهم من خلال ماتركوه على جدران مقابرهم و الموتى هنا يحرصون على إظهار فضائلهم و خصالهم الحميدة عندما كانوا بين الأحياء فتبقى سيرتهم العطرة قائمة فى ( الذاكرة الجماعية ) و كلما ظلت سيرتهم ماثلة أمام العيان كلما بقوا و داموا فى الذاكرة فنالوا ( طريق الخلاص ) .
و لذلك يرى العديد من علماء المصريات أن الخطاب الأثرى فى الحضارة المصرية القديمة هو بحق خطاب ( الفضيلة و الخصال الحميدة ) التى يتمتع بها الفرد و هو أيضا خطاب يهدف للخلود و الدوام و الإنتماء للسلطة الملكية . و بسبب هذا الخطاب نشأ فى مصر القديمة تراث ضخم للقبور ، فلايوجد فى العالم القديم بأكمله تراث إرتبط بالعالم الآخر و طقوس تقديس الأسلاف و إبراز السيرة الذاتية مثلما كان فى مصر ، فالقبر يتجه الى الأجيال القادمة أى انه يوجه خطابه لها حتى يخلد إسم صاحب القبر فى أذهان الأجيال القادمة ، فيظهر دائما صاحب القبر ( كمؤلف ) لقبره و كتابة و سيرته الذاتية . فالقبر هو الذى يعيش من أجله المصرى القديم ، و ينفق على إكماله كل مالديه من مال و فكر و إعتقاد و لذلك ظهرت صيغة كتابية محددة لكتابة السيرة الذاتية العطرة داخل القبور المصرية منذ البدايات الأولى لإبراز الأهداف السابقة فنقرأ سويا نص السيرة التالية :
أنا الذى عاش على هذه الأرض
لكى تكون مدينة الأموات لى ، فأنفذ فيها أمنيتى
لقد أعددت كل الأمور المتعلقة بقبرى
و كنت ممن يحب الخير و يكره الشر
فقضيت أيامى طبقا لما تستوجبه الأمور
و كنت مبجلا لدى الملك
فلا غرابة إذن عندما نرى المصرى القديم و هو يختار الموقع الملائم لقبره ، فيكون هذا الموقع هو المقر و النتيجة الذاتية لتحرياته ، فهو ينظر إلى قبره مثلما ينظر فى المرآة التى تعكس الشكل المثالى الذى يسعى إليه مما يعن أن القبر هنا يجعل للكتابة صوتا ، فيصبح الموتى فى إتصال كلامى دائم مع الأحياء ، فالقبر يربط صاحبه بشبكة الذاكرة الإجتماعية

الاثنين، 28 نوفمبر 2011

مفهوم تدوين التاريخ عند المصرى القديم ........... هل هو إضافة معنى للتاريخ أم تحكم فى معناه ؟

بسم الله الرحمن الرحيم


( مفهوم تدوين التاريخ عند المصرى القديم ........... هل هو إضافة معنى للتاريخ أم تحكم فى معناه ؟ )

............................... كان من المفترض أن يتكون لدى المصرى القديم وعى تاريخى مميز و واضح أكثر من بقية الشعوب الأخرى وذلك لما لديه من تراث تاريخى متصل و ممتد إلى أعماق الآلاف من السنين . كنا نتوقع أن تنشأ حكايات و قصص كثيرة حول الملوك القدامى الذين عاشوا فى العصور المبكرة لهذه الحضارة ، و الذين يتجسدون أمام أعيننا الآن فى آثارهم و تماثيلهم العظيمة ، كنا نتوقع أن تنشأ أشعار ملحمية كبرى عن الإنجازات القوية لمؤسسى الدولة ، و لكن لاتحدثنا المصادر التاريخية المصرية عن أى شىء من هذا القبيل ....... فكيف كان يرى المصري القديم تاريخه ؟ ........ إن المصادر المصرية الرسمية للتاريخ إستخدمت الماضى فى إتجاه مختلف تماما و نسوق هنا المثال التالى : أن كتب و حوليات التاريخ و قوائم الملوك تعتبر من قبيل ( المعوقات و المسكنات ) للوعى التاريخى و ليست من ( المنشطات ) له . فقوائم الملوك و حوليات التاريخ و الأعمال التدوينية لا تبرهن على أهمية و مغزى التاريخ فالمحصلة التى نخرج منها هى : ( أن شيئا لم يتغير على الإطلاق ) .
فقوائم الملوك تتحدث حقيقة عن الماضى و تقيس حدوده الزمنية و لكنها لاتدعو إلى الإشتغال بهذا الماضى و لا تنادى بإدراك ما وقع فيه من تغيرات عبر العصور فهى تعطى إنطباع بأن شيئا لم يحدث ، شيئا جديرا بأن يروى أو يحكى . فالتاريخ يكون مشوقا فقط فى اللحظة التى تدخل فيها ( الآلهة ) إلى ( مسرح الأحداث ) ، و لكنه عند هذه اللحظة أيضا ، ينتهى وجوده ( كتاريخ ) ، فلا يصبح تاريخا بالمعنى الحقيقى للكلمة ، بل يتحول إلى ( أسطورة ) و يصبح ( ميثولوجيا ) ، فعصر الآلهة هو ( عصر الأحداث الكبرى ) هو العصر الذى وقعت فيه ( التغيرات و التحولات و الإنقلابات الكبيرة ) ، فهذا هو العصر الذى يمكن أن نحكى عنه ، و نحن فى عرفنا نطلق على هذه الحكايات مصطلح ( أساطير ) ، فهذه الحكايات تروى لنا كيف نشأ العالم أول مرة و كيف نشأت الشعائر و الطقوس و من الذى قام بوضعها و ماهى المؤسسات الدينية التى يقع على عاتقها إقامتها و تأديتها من أجل الحفاظ على العالم من الزوال و من هنا فإن إقامة الطقوس تهدف إلى ( عمل الشىء كما كان فى المرة الأولى ) فلا يجوز أن نحيد عن هذه الشعائر و من الضرورى تأديتها بنفس الشكل الذى كانت تقام به من قبل الأسلاف و لذلك لابد من إستبعاد أى ( تغيرات ) يمكن أن تحدث و إلا أصبح ( العالم فى خطر ) .
إن كل شىء كان و لايزال كما هو عليه الآن ، طالما أنه لايدخل فى إطار ( عصر التأسيس ) العصر الذى كانت فيه الآلهة تشكل التاريخ بنفسها و ليس البشر ، فقوائم الملوك هى أداة تستخدم ( للتوجيه ) و ( التحكم ) فى ( التاريخ ) و لكنها ليست أداة لتأسيس ( المعنى الحضارى )
يتبين لنا مما تقدم أن كل هذا الإشتغال المكثف بالماضى سواء فى الأعمال التدوينية أو القوائم الملكية أو الحوليات التاريخية يخدم غرضا واحدا هو : ( شل حركة التاريخ و تجميد معانيه و جعله خاليا من الدلالات و الإشارات و الرموز ) .

سمات اللغة المصرية القديمة فى العصرين البطلمى و الرومانى و أسباب تعقيدها

بسم الله الرحمن الرحيم

سمات اللغة المصرية القديمة فى العصرين البطلمى و الرومانى و أسباب تعقيدها

......... و هنا يمكن القول أن المقصود بالكتابة البطلمية ( التسمية الشائعة ) هو أسلوب الكتابة فى المعابد المصرية فى العصرين البطلمى و الرومانى ويجب أن نضع فى الإعتبار مايلى :
1 - أن هذه اللغة المستخدمة فى ذلك الوقت كانت تعتبر لغة ميتة و ليست لغة الحديث اليومى بل إقتصر إستخدامها على الناحية الدينية .
2 - أنها ليست ظاهرة منعزلة عن أصل اللغة المصرية ، بل تطور منطقى لنوع من الكتابة أصبح شائعا فى العصر المتأخر و إن كانت له جذور سابقة فى الدولة الحديثة و الوسطى .
3 - أن نظام الكتابة و القواعد المستخدمة فى معابد العصرين البطلمى و الرومانى له فى الغالب أسلوب موحد و إن كانت لكل معبد خصائصه فى أسلوب الكتابة و شكل العلامات و القواعد و محتويات النصوص
4 - أن كتابة النصوص فى معابد ذلك العصر لم تكن على وتيرة واحدة من حيث الصعوبة فى نفس المعبد ، فالكتابة التزيينية لها استخدام محدد فى المعبد و توجد فى شريط الأساسات و الأفاريز و على الأبواب و الأعتاب و الأسقف و أحيانا على الأعمدة . أما غالبية النصوص الأخرى فى المعبد فإنها تكتب بأسلوب عادى و لاتشكل صعوبة فى قرائتها ، و تحتوى كل النصوص على على خليط من العلامات و القيم الصوتية المعروفة و الجديدة و ذلك جنبا الى جنب فى الجمل و العبارات .
و لدراسة سمات اللغة فى هذه الفترة يجب أن نعى أولا أن هذه الكتابة ليست نمطية و تشكل حسب طبيعة النصوص و مكانها فى المعبد ، درجات مختلفة من الصعوبة . فبدلا من ال760 علامة المعروفين فى قائمة ( جاردنر ) أصبح الأمر يتعلق بآلاف العلامات التى يقابلها القارىء ، و حتى تلك المألوفة ، إكتسبت قيما صوتية جديدة مما يزيد من صعوبة الأمر
لماذا أقدم المصريون على تعقيد كتابتهم فى ذلك العصر ؟
يجب البحث فى أسباب تاريخية و نفسية عند المحاولة الإجابة على هذا السؤال .
يرى عدد كبير من الدارسين أن أنه مع الإحتلال البطلمى للبلاد و بإستقدام نظام إدارى مختلف ، و تميز الكاتب الكاهن عن الكاتب الإدارى و بدأ إستخدام الهيروغليفية ينحصر فقط فى الكتابة على جدران المعابد . و من هنا بدأ الكهنة يلعبون دورهم فى تلغيز الكتابة الهيروغليفية و بدأ الإسهاب فى كتابة النصوص المصاحبة للمناظر الدينية و التى كان مجرد وجود المناظر يكفى لفهم مضامينها فى الماضى .
لقد وجدت الحضارة المصرية نفسها وجها لوجه أمام شعوب شابة كانت تنظر إليهم بإحتقار فى الماضى ، ثم فرضوا أنفسهم أولا كجنود و تجار ثم كسادة للبلاد بعد ذلك و انتشرت المستوطنات اليونانية فى الريف و استقطبت الإدارة المركزية لنفسها كل الأنشطة النافعة فى البلاد .
إذن ماذا يتبقى للمصرى بعد إحتلال أرضه و السلب التدريجى لكل المهام التى كان يمكن أن يقوم بها فى الماضى ؟
تيقى له عقيدته التى لايستطيع أن ينازعه فيها أحد . و من هنا بدأ الإهتمام الشديد بما كان يعتبره فى الماضى أمرا عاديا روتينيا . وظهرت الحاجة لأن يحفظ بالنقش على جدران المعابد الأساطير الأساسية و طقوس الخدمة اليومية و الأعياد الموسمية و تقدمات القرابين و الأناشيد الدينية و المواكب الجغرافية و الأدوات المقدسة ، كل ذلك على جدران المعابد و على الأعمدة و حتى داخل الأقبية .
أراد الكهة حفظ معتقداتهم بنقشها على الجدران أكثر من إثارة رغبة القارىء فى محاولة فهمها فالكثير من النصوص الموجودة على جدران المعابد لايمكن قرائتها لبعدها عن عين السائر على أرضية المعبد ، مما يجعلنا نعتقد بأن هذه النصوص لم تنقش لتقرأ ، أو أن المصرى تنبأ بخلو المعبد من كهنته فأراد له أن يؤدى وظيفته بنفسه ( المعبد ) كمنظم كونى . فكل النصوص موجودة على جدرانه و لها تأثيرها الفعال بنفسها دون أن تقرأها أى عين ، تماما كالنصوص الموجودة داخل المقابر المغلقة .
إذن من المستبعد أن تكون الرغبة فى التعمية و التلغيز هى مبعث هذه الكتابة الجديدة و ذلك لسببين رئيسيين :
1 - أن النصوص الأكثر صعوبة و التى نجدها فى شرائط الأساس ليست إلا نصوصا وصفية أما الوثائق العقائدية فنجدها مكتوبة بلغة سهلة .
2 - إن دراسة الوثائق التى ترجع للفترة من الأسرة 26 - 30 أى الألف الأول قبل الميلاد ، توضح إستخدام العلامات التى عرفت فيما بعد بإسم بطلمية و قبل أن تكتب هذه العلامات فى المعابد .
و على هذا فنجد أن أسلوب الكتابة ذلك كان نظاما موجودا من قبل و تم تعميمه فى العصر البطلمى .

مفهوم تفوق الخلف على إنجازات السلف فى الحضارة المصرية القديمة

بسم الله الرحمن الرحيم

مفهوم تفوق الخلف على إنجازات السلف فى الحضارة المصرية القديمة

................................ يتناول هذا المقال واحدة من أهم المفاهيم الفكرية و الدينية للحضارة المصرية القديمة فيما يتعلق برؤية المصرى القديم للأسلاف و إنجازاتهم و كيفية الكشف الدعائى عن ( تفوق الخلف ) على ماأتى به ( السلف ) من إنجازات حضارية . و أود أن أهدى هذا المقال للأخ و الصديق العزيز المحترم الأستاذ ( عادل عبد الظاهر - adel abdel zaher ) ، فقد كان دائما خير معين لزملائه من المرشدين و المرشدات فى تحصيل العلم و كسب المعرفة
يهدف هذا المقال إلى إبراز مفهوم فكرى هام لدى المصرى القديم وهو ( تصميم المصرى القديم على الإتيان بما لم يأتى به الأسلاف بل و إبراز التفوق على ماصنعته أيديهم ) ، و لاريب أن هذا المبدأ كان قد دخل حيز التنفيذ منذ ( عصر الدولة القديمة ) حتى وإن لم تنوه إليه النصوص صراحة و من هنا نرى أن ( المجموعة الجنزية للملك زوسر ) كانت هى أول تطبيق فعلى لذلك المبدأ فقد سعى ذلك الملك إلى تشييد مجموعة دينية حجرية بعناصر و أجزاء معمارية كانت هى الأولى فى التاريخ المصرى القديم و سار على نهجه ملوك النصف الأول من الأسرة الرابعة ( سنفرو و خوفو و خع إف رع ) عندما أقاموا أهرامات ضخمة تأوى أجسادهم الملكية و تؤمن لهم عالمهم الآخر و لم يشذ عن هذه القاعدة ملوك الأسرة الخامسة الذين كشفوا عن ولائهم التام لربهم ( رع ) فأقاموا له معابد شمسية فائقة الحجم فنقشوا فيها مناظر ( ظهرت لأول مرة ) تهدف إلى إبراز الصلات القوية و الحميمة بين الملك و مختلف المعبودات ثم شيدوا مسلات من الحجر الجيرى داخل تلك المعابد لم يسبق لها مثيل قبل ذلك العصر . فلما إرتقى الملك ( ونيس ) عرش البلاد أوجد تقليدا دينيا جديدا ، فنقش على الجدران الداخلية لمقبرته الملكية ( نصوص الأهرام ) ، فضمن لنفسه سعادة أبدية فى العالم الآخر مع أربابه دون الإعتماد بالضرورة - فيما يرى البعض - على الطقوس التى كان يؤديها الكهنة لصالح ملوكهم .
لم يختفى هذا المفهوم الفكرى الدينى خلال عصر الإنتقال الأول ، بل ظهر صراحة و لأول مرة فى مصادر و نصوص تلك الفترة فيكشف لنا الملك ( خيتى الثالث ) فى تعاليمه و هو يقول لولده ( مرى كا رع ) أنه ( يريد أن يأتى بملك من الأسلاف فيتوفق عليه و يزيد مما حققه هو ) و عندما عرفت مصر الإستقرار السياسى فى عصر الدولة الوسطى ، زادت من إنجازاتها الفكرية و الدينية و الحضارية ، فنجد الملك ( سنوسرت الأول ) يقول ( لقد صنعت أعمالا عظيمة و زدت ماورثته عن أسلافى ) . و شيد الملك ( سنوسرت الثالث ) مجموعة من القلاع العسكرية فى بلاد النوبة لحماية الحدود المصرية من الجنوب فعمل على ( توسعة رقعة الحدود المصرية ) و أقام ( لوحات الحدود الشهيرة ) عند هذه القلاع فكان بذلك أول الملوك الذين يقيمون هذا الإنجاز الحضارى متفوقا على أسلافه .
أما فى عصر الدولة الحديثة فقد أصبح هذا المبدأ أكثر وضوحا فى عصر الدولة الحديثة ، و لذلك بدأ الملوك يضيفون على أنفسهم ألقابا تؤكد مالم يأتى به الأسلاف و هكذا أصبح الملك ( هو الذى يوسع حدود مصر ) ، و هو بذلك لم يحافظ فقط على ماورثه من أسلافه ، بل سعى نحو زيادة هذا الميراث . كما نجد الملك ( تحتمس الثالث ) يقول ( إننى أفعل أكثر مما فعله الملوك من قبلى ) و لم لا ؟ ألم يكن ذلك الملك صاحب أعظم إنتصارات حربية فى بلاد الشرق القديم؟ ......... كما ينبغى لنا أن نذكر مسلتى الملكة حتشبسوت التى أقامهما المهندس المعمارى ( سن إن موت ) فى أضيق الأماكن لمعبد الإيبت سوت ( = الكرنك ) القديم ، و كانتا فى ذلك الوقت من أكبر المسلات المصرية حجما فكان ذلك أكبر ( تحدى حضارى معمارى ) للمهندس المصرى ، إلا أنه تفوق على نفسه و نجح فى ذلك المضمار فاستحق الخلود هو و مليكته مما يتبين لنا أن ( المصرى القديم كان لايؤمن بمبدأ القناعة كنز لايفنى ) أو ( مبدأ الرضاء بالقليل ) قالتفوق لا يأتى إلا بالسعى الدؤوب و التحدى و عدم الإكتفاء بما حققناه سابقا و التصميم و العزيمة الصلبة و الإرادة الفولاذية .
إلا أنه يجب أن نشير إلى حقيقتين هامتين و هما : 1 - أن هذا المبدأ ( تفوق الخلف على السلف ) لا يعنى أبدا ( أن المصرى القديم لايحترم الأسلاف ) بل على النقيض تماما فهو لايكتسب أى شرعية فى أعماله و إنجازاته إلا إذا كان مؤديا لطقوس عبادة الأسلاف مقلدا لما فعلوه من سلوك يقتدى به لكنه كان فقط يزيد ميراثه الحضارى فلا يقتنع بما تحقق فى زمن الأوائل . 2 - لاينبغى أن نأخذ بحرفية تاريخية لهذا المبدأ فى كل ماقاله الملوك عن أنفسهم ، فهذا المفهوم كان ساريا بينهم على الأقل من الناحية النظرية ، فالملك ( توت عنخ آمون ) يتحدث عن نفسه بأنه ( أتى بما لم يأت به الملوك الأسلاف !! ) و الملكة حتشبسوت ذكرت فى الدير البحرى ( أنها أرسلت رحلة إلى بلاد بونت التى لم يصل إليها المصرى القديم من قبل !! ) فالأمر فى هذه الحالة لايتعدى إطار الدعاية الملكية السياسية .

التطابق بين الحضارة و الكون

بسم الله الرحمن الرحيم

التطابق بين الحضارة و الكون

.................................... لاريب أن كل حضارة تميل إلى مساواة نظامها الحضارى بنظام العالم ككل ، و بمعنى أدق : أن الحضارة الواحدة تجنح غالبا إلى جعل نفسها بمثابة ( النظام الأوحد ) للعالم ككل و تقوم هذه النظرة على أساس هام : إدماج الصورة الذاتية للحضارة الواحدة و صورة العالم ككل ، و لكن لا ينبغى أن نتجاهل حقيقة جلية و هى أن هذه الرؤية تخف و طأتها فى معظم الأحيان عندما تتعامل الحضارات مع بعضها البعض ، و يتصل الأفراد ( بالآخر المختلف حضاريا ) و عندئذ تتجمع الخبرات المختلفة و يتم تحصيل المعارف الحضارية المتباينة و لذلك نرى أن التعرف على ( الآخر ) و التعامل مع ( الغير ) يؤدى إلى ( النظرة النسبية ) للحضارة الواحدة ، فتتحول حقائق الحضارة من ( مطلقة ) إلى ( نسبية ) و عند الوصول إلى هذه المرحلة تصبح الهوية الحضارية للمجتمع ليست هى الشىء المطابق لنظام العالم ككل ، بل يفهم هذا المجتمع نفسه على أنه جزء من كل ، فتصبح حضاراته واحدة من بين الحضارات ، و هويته واحدة من بين الهويات . و نقول أن ذلك هو مايحدث غالبا فى الأحوال العادية . لكن ماحدث فى مصر فى عصورها المتأخرة كان يمثل نوعا من الخروج عن هذه القاعدة ، فلدينا هنا إستثناءا فريدا فى ذاته ، فلقد تكون لدى مصريى العصور المتأخرة إقتناعا بالتواصل التام مع ( الماضى المجيد ) منذ ( بدايات الخليقة الأولى ) و حتى عصرهم ، فلما جاء ( زمن الإنكسارات الحضارية ) فى العصور المتأخرة و بالتحديد فى الألفية الأولى قبل الميلاد وقع مايسمى أنثروبولوجيا ( تثبيت و تصعيد الهوية الحضارية ) مما أفضى إلى تكون وعى خاص لدى مصريى العصور المتأخرة يتمثل فى ( التميز ) و ( التفرد ) و ( التفوق ) ، فقد عاش المصريون القدماء وهم على إقتناع يقينى أنه لو إنهارت حضارتهم ، فسوف ينهار معها العالم و النظام الكونى و يتبين لنا هنا أن ( الهوية الحضارية ) لمصر و ( بقاء الكون ) هما أمران كلاهما ملازم للآخر .
و فى واقع الأمر أن المصرى القديم بدأ ينظر فى العصور المتأخرة إلى المعابد على أنها أماكن لرعاية و إنقاذ تراث مصر و موسوعتها الحضارية التى تعود إلى ( عصور ماقبل التاريخ ) ، فكان الهدف من إنشاء هذه المعابد هو الحفاظ على ( ديمومة و إستمرارية الكون ) من خلال تأدية ( الطقوس ) التى تؤدى بدورها إلى الحفاظ على ( هوية مصر الحضارية ) ضد خطر ( ضياع الذاكرة الثقافية ) أمام ( التحديات ) التى فرضها ( المحتل ) على ( الثقافة المصرية ) و لكن أخطر ماأتت به هذه الرؤية من نتائج هو ( إنسحاب الحضارة المصرية ) فى عصورها المتأخرة من الحياة العامة و ( الإنزواء داخل المعابد ) فأصبح نموذج المعبد و كل مايحتويه هو ( العالم الحقيقى ) و ليس العالم الخارجى ( المزيف ) و من هنا أصبحت وظيفة المعبد هى ( إقامة الشعائر ) من أجل ( مطابقة العالم الخارجى بالعالم الداخلى ) فكانت هذه هى مهمة الكهنة ، فلم يكن لديهم سوى تصور واحد و هو ( أن مصر هى الكون بأكمله ) و هكذا أصبحت مصر ( مكان سكن الآلهة ) و ( معبد العالم ) و ( أقدس البلدان ) و لاريب أن هذه الرؤية تنطلق من ( الخوف ) من ( عدم إستمرارية الطقوس ) فى ( مناطق الهوية الحضارية = المعابد ) حيث تؤدى إلى ( قطيعة نهائية ) بين ( الآلهة و البشر ) و مايؤكد ذلك هو ذلك النص الذى دونه كهنة مصر فى العصر المتأخر فيقول مايلى :
( نعم سيأتى يوم لا تنفع فيه للمصريين أعمالهم و تضرعاتهم للآلهة . كل ذلك لأن الآلهة قد تركوا الأرض وصعدوا إلى السماء ثانية وتركوا مصر لحالها . فهذا البلد سيكون مجردا من حاضر الآلهة و سيقطن الأجانب فى مصر و سيمنع الدين و ستحرم العبادة للآلهة و سوف يبطل الإعجاب بالكون و لن يقدس بعد اليوم ... الويل لك يامصر ! ستنفصل الآلهة عنك و ماأقسى هذا الإنفصال و ستكون الأرض فى تلك الأيام غير صلدة و السماء لاترعى النجوم فى صحة مساراتها و هذه هى شيخوخة العالم : عالم دون أديان و دون نظام و دون تفاهم إنسانى ) .

الديناميكية الأسطورية لزمن الأمجاد

بسم الله الرحمن الرحيم

الديناميكية الأسطورية لزمن الأمجاد

........................................... تنشأ أسطورة الزمن الماضى الملىء بالأمجاد و الإنتصارات و الإنجازات الحضارية عندما يتم إدراك و لمس أوجه نقص و عيوب و قصور فى ( الزمن الحاضر ) ، و لذلك يستدعى ( الزمن الماضى ) فى ذكرى الثقافة الإنسانية ، و الذى يحمل سمات ( العصر البطولى ) و تنسج الحكايات البطولية التى يتضمنها هذا الزمن فيلقى الضوء عليها بهدف الكشف عن ( النقص ) و ( القصور ) فى ( الزمن الحاضر ) ، و من هنا يبرز الفارق بين ( ماكان موجودا ) و ( ماهو موجود الآن ) و هكذا لا تصبح المسألة معالجة ( الزمن الحاضر ) و تناوله بشكل تاريخى إجتماعى محايد بل قلب هذا ( الحاضر ) رأسا على عقب أو على الأقل وضعه فى مقابلة و مقارنة مع ماض أعظم و أكثر جمالا و يحدث ( إنقطاع ) تام بين ( الماضى ) و ( الحاضر ) فلا يصبح ( الحاضر ) نتيجة لما وقع فى ( الماضى ) ، بل يظل حاضرا غير مرغوب فيه لأنه إنفصل عن ( ماضى طوباوى مثالى نموذجى ) و هو فى حقيقته و جوهره ( ماضى مفارق لبنية الواقع و التاريخ ) .
و فى حالات إستشعار النقص الشديد فى ( الزمن الحاضر ) - عند مقارنته مع ( ماض سابق ) - يمكن أن تنشأ أسطورة ديناميكية لهذا الماضى تهدف إلى خلق ( شعلة ثورية ) ، و يحدث ذلك فى عصور تسود فيها السيادة الأجنبية ، أو فى عهود الظلم و الإستبداد ، أو فى حالات التى سيتشعر فيها المرء الهزيمة الحضارية أمام ثقافة أجنبية مهيمنة و سائدة ، ففى مثل مثل هذه الحالة تظهر على السطح ( موروثات الماضى ) لتضع ( الحاضر ) فى موضع تساؤلات و شك و نقض ، فيظهر ( الزمن الحاضر ) محملا بالآثام و الأوزار . و من هنا تتكون ( أسطورة الماضى ) التى تنادى بالتغيير و الإنقلاب و تتحول إلى ( أسطورة ديناميكية ) فتأخذ سمة ( يوتوبية مثالية ) على المستويين السياسى و الدينى و يصبح تحقيقها و الحياة من أجلها مطمح لكل فرد و تتحول ( الأسطورة ) إلى توقع و إنتظار لتحقيق التغيير من خلال التماثل أو التطابق التام بزمن ( الأمجاد ) الأول .
و يرى علماء ( الإثنولوجى ) أن الحركات الثورية ذات المنشأ الأسطورى وقعت فى كل مكان فى العالم تحت مسميات مختلفة ، فلا يخلو مجتمع من مفهوم ( البطل المخلص ) المحقق لآمال الجماهير الكادحة المظلومة فترى فيه كل آمالها و طموحاتها الدينية و السياسية و الإجتماعية ، و لعلنا هنا نتذكر ماوقع فى العصر المتأخر للحضارة المصرية القديمة عندما بدأت ( الماعت ) تكتسب معنى حضارى إختلف عما كان عليه فى الأزمان السابقة ، فقد أصبحت ( الماعت ) مفهوم مضاد و معاكس ( للزمن الحاضر ) فتحولت إلى ( عصر ذهبى ) لاتسقط فيه ( الأسوار و لاتشوك فيه الأشواك ) تماما مثل العصر البطولى ، الذى يظهر فيه ( الماضى ) فى حالة ( إنفصال تام ) عن ( الحاضر ) و لهذا أشارت نصوص تلك الفترة إلى مايلى :
لقد نزلت ( ماعت ) من السماء عندما حان و قتها
و تعانقت مع كل مافى الأرض
و فاض النهر بمائه على الأرض و إمتلأت البطون
و لم تكن الأسوار قد سقطت ، و لم تكن الأشواك قد وخزت فى عهود أسلاف الآلهة
و عند الوصول إلى هذه المرحلة ، يأتى دور ( الأسطورة الديناميكية ) فى العصر المتأخر فتنادى ( بالبطل المنقذ ) و الذى لم يكن سوى ( الملك حامى حمى مصر ) المرسل من ( الإله ) الذى يطرد الأجانب و يعاقب الظالمين و يعيد ( ماعت ) إلى الأرض مرة أخرى ، فيعيش الناس فى سلام و محبة و تصبح مصر فى عيد .

الجمعة، 18 نوفمبر 2011

بسم الله الرحمن الرحيم

الفيلم الوثائقى الرائع

كشف أسرار مصر القديمة

البحث عن قبر الاسكندر المقدونى


على اكثر من رابط

HotFile

http://hotfile.com/dl/94687211/65dff21/MyEgy.CoM.Search.for.the.tomb.of.Alexander.the.Macedonian.DraCoLa.rmvb.html