الأربعاء، 26 أكتوبر 2011

مفهوم الأيقونوجرافية المصرية المسيحية فى العصرين الرومانى و البيزنطى-الجزء الأول

بسم الله الرحمن الرحيم

( مفهوم الأيقونوجرافية المصرية المسيحية فى العصرين الرومانى و البيزنطى-الجزء الأول )

.................. إعتاد المصرى القديم أن يعبر عن طموحات عصره باللغة الفنية النابعة من تراثه و المتفاعلة مع ثقافته و المتأثرة ببيئته ، و فى ظل إنهيار الفن المحلى القديم فى مصر - عندما كان للتأثيرات الهللينيستية قوة لايستهان بها فى الحركة الثقافية فنيا و موضوعيا - أطلت المسيحية بمظاهر جديدة تسيطر و تنمو و تتفاعل مع طموحات المواطن المصرى على المستوى الشعبى । و قد عمل هذا التفاعل إحياء العناصر المحلية فى الفن المصرى و عبر عن خصوصية تلك العقيدة . و من هنا نشير إلى أن الدراسات الحديثة أظهرت أن هناك قصورا شديدا فى إدراك حقيقة الرؤية المحلية الشعبية فى الثقافة المصرية خلال العصرين الرومانى و البيزنطى حيث إستمر تجاهل أهمية التقييم السيكولوجى أو بمعنى آخر فطرية المواطن المصرى فى التعامل مع الديانة الجديدة و مرادفاتها من معتقدات و طقوس .
و لاشك أن المسيحية أسهمت بإستقرارها على الأراضى المصرية فتح المجال أمام الثقافة الشعبية ، و هو الأمر الذى أعطى للمسيحية المصرية خصوبة و خصوصية محلية قوية ، و تميزت عن غيرها من الولايات الأخرى بل و تقودها أحيانا على المستوى العقائدى . و قد هيأ هذا الأمر - بطبيعة الحال - الساحة الفنية و الثقافية فى مصر لكى تتبوأ مقام الريادة الذاتية على الأقل فى وضع المقومات الفنية لعلم الصور المسيحية المعبرة عن ثقافة و تراث المصريين و المتفقة مع رغباتهم الدينية ، حيث كان الأمر - فى بعض الأحيان - يجتاز حدود الرؤية الدينية و يعبر عن مفهوم الوطنية او القومية .
إن مفهوم الإرتباط بين الصورة المسيحية مصرية الطابع و بين أهداف الشعب المصرى و طموحاته على المستويين الدينى و السياسى ، قد أعتنى به فى مصر منذ القرن الرابع الميلادى تقريبا ، حيث كان إستمرارا طبيعيا لأهمية الصورة صاحبة الأهداف السامية المعبرة عن طموحات الشعب و المنفذة بالأسلوب الشعبى فى حرية كاملة دون أن تحجبها أى قيود عن العامة ، تلك الخصوصية فى فن التصوير تعرف حديثا فى فن التصوير بمصطلح ( الأيقونوجرافيا ) . و بوصف الدارس ممن يعرفون جيدا هذه القضية العلمية حيث أمضى و قتا طويلا فى دراسته ، فهو سيحاول فى هذا المقال توضيح مقومات ظهور الصورة ظهور مفهوم الصورة صاحبة الأهداف السامية و المعبرة عن طموحات الشعب المصرى العظيم ، و ذلك فى ضوء المتغيرات التاريخية التى واكبت ظهورها . كما يلقى هذا المقال الضوء على مفهوم ( الأيقونوجرافيا ) من خلال المعايير التالية :
1 - إختيار الموضوع الدينى المراد تصويره
2 - تحديد اللقطة التصويرية المعبرة عن ذروة الحدث الدرامى للموضوع الدينى
3 - تحديد الخلفيات الإيمانية و الروحية المباشرة و الغير مباشرة
4 - تعيين ماهية الأسلوب الفنى
أولا : الأيقونوجرافيا المصرية و المتغيرات التاريخية :
إرتبط مصطلح الأيقونوجرافيا المصرية لدى العديد من الباحثين بفترة مابعد مجمع ( خلقدونيا ) فى منتصف القرن الخامس الميلادى ، حينما أصبح للصورة وظيفة مذهبية فى ظل الصراعات الدينية الحادثة . إلا أن مفهوم الصورة التى تعتمد على تكوين إنطباع شخصى أو دينى أو سياسى ، قد إرتبطت بالفن المصرى القديم قبل تلك الفترة حيث إحتلت جزءا كبيرا التراكيب الدينية و السياسية فى تماثيل الملوك المصريين و صور المعبودات . كما أنها شكلت عنصرا شعبيا و دينيا فى الصور ذات الطابع الجنائزى فى المقابر المصرية و المتمثلة فى صور التوابيت الشخصية و الأقنعة الجصية ، و التى كانت تمثل وظيفة دينية و عقائدية ثابتة عند المصريين قبل العصرين الرومانى و البيزنطى ، و لكنها أيضا كانت ظاهرة دينية إستمرت على المستوى الشعبى حتى ظهور المسيحية ، بل و إندمجت معها فى تطور للبورتريهات الشخصية الرومانية التى تعد مرحلة انتقالية بين الأيقونوجرافيا المصرية القديمة و بين الأيقونوجرافيا ذات الطابع المسيحى فى مصر .
لقد صارت الصورة رمزا مقدسا من الناحية العقائدية و الدينية ، و بالتالى فإن الأيقونة أو الصورة المنفذة بأية طريقة نحتا كانت أو تصويرا جداريا أو زخرفة نسيج تعد نموذجا للفن الهادف أولا و لها وظيفة مستقرة و ثابتة فى مصر . و بما أن تلك الأمور المقدسة فى الفترة المبكرة من دخول المسيحية الى مصر كانت تمارس بواسطة جماعات منعزلة - عرفت بإسم ( الجماعات الغنوصية ) - تمزج فى تعاليمها بين : 1 - الرمز و الفلسفة اليونانية . 2 - الموروث الحضارى المصرى و الهللينستى . 3 - تعاليم الكتاب المقدس
و لذلك أصبحت الأيقونة بمثابة و سيط دينى تمثل شخصا أو حدثا أو لقطة تعبيرية بعينها تحمل على عاتقها مهام تثبيت رؤية أخلاقية أو مذهبية ، أو ركنا مهما من أركان العقيدة ، تلقى الضوء حوله ، مثل صور ( السيد المسيح ، الأنبياء القدماء ، القديسيين الأوائل ، السيدة العذراء ، أسطورة قديمة لها دلالات تخدم العقيدة و توضحها من خلال تفسيرها الدينى ، أوضاع فنية مبتكرة تستخدم للتعبير الجنائزى على شواهد القبور و غيرها )
ثانيا : الموروث الدينى و العنصر الموضوعى :
يمكن القول إن الإبداع المصرى الحقيقى فى علم الأيقونوجرافيا قد تركز بصورة كبيرة فى تحديد العنصر الموضوعى للعمل الفنى ، بل أن إبداعه قد يتجلى فى اختياره لموضاعات ليست معبرة عن فترة محددة بل يستمر تأثيرها و بنفس القوة . و يمكن تقسيم العلاقة المسيحية و الأيقونوجرافيا المصرية الى ثلاث مراحل تاريخية :
المرحلة الأولى :
و هنا نحن أمام مرحلة صعبة فى الفترة المبكرة لظهور المسيحية فى مصر ( منذ القرن الأول و حتى بداية القرن الرابع الميلادى ) و ذلك لأننا لانستطيع الوقوف أرض ثابتة بالنسبة لهذا الفن و ارتباطه بالمسيحية فى تلك الفترة . و قدمت الدراسات الحديثة حول تطور المسيحية فى مصر خلال تلك الفترة تصورات دينية جديدة لتعاليم العقيدة المسيحية من خلال تبنى الجماعات الغنوصية لها ، و تجلت هذه التصورات فى سمات فنية محددة سيتناولها الدارس فى الجزء الثانى ( انتهى الجزء الأول )




الأحد، 23 أكتوبر 2011

لاهوت الشمس الجديد فى عصر العمارنة

بسم الله الرحمن الرحيم

( لاهوت الشمس الجديد فى عصر العمارنة )

...................................... هل كانت المفاهيم الدينية لعقيدة الشمس فى عصر العمارنة معروفة لدى المصرى القديم قبل ذلك العصر ؟ ............ لقد كان المسار الشمسى ذو أبعاد دينية و سياسية لدى المصرى القديم فى عصر الدولة الحديثة ( انظر مقال المعنى الأسطورى لرحلة الشمس فى عصر الدولة الحديثة ) ، فإستمرارية حركة الشمس فى الكون يعنى القضاء على أعدائها الكونيين الذين يعرقلون مسيرتها مما يؤدى إلى توقف دائرة الزمن و إنهيار الكون ، و لم يكن إله الشمس ( رع ) يشارك بمفرده فى تلك الرحلة ، بل كان يشاركه عدد آخر من المعبودات ذات الصلة بالديانة الشمسية حيث كانت تتولى مهام الدفاع عن قارب الشمس فى جولتيه النهارية و الليلية ، إلا أن التصور الدينى الجديد الذى أنشئه الملك ( إخناتون ) يشير إلى أن الشمس تسير وحدها فى السماء لذلك نقرأ فى أناشيده الشمسية :
( لقد ظهرت ياأتون فى السماء و كنت وحيدا ) .................. و فى الواقع أن ذلك التصور الشمسى الجديد لم يكن يألفه المصرى القديم من قبل ، فهنا نرى الملك ( إخناتون ) و هو يقوم بإبعاد جميع الآلهة عن الرحلة الشمسية ، و لم يكتفى بهذا الحد ، بل أزال كل الصور الأسطورية القديمة من النصوص و المناظر الشمسية الجديدة ، فلم تعد هناك أم تلد إله الشمس فى جوف السماء ، و لاوجود لمرضعة تقوم بتربيته و رعايته ، و لم تعد هناك مملكة للأموات تهبط إليها الشمس فى عالم سفلى ، و مما لاشك فيه أن هذه التصورات الجديدة كانت بمثابة تجديد عقائدى لم يعهده المصرى القديم قبل عصر العمارنة ، و كانت هذه الأفكار ترتكز على أن آتون يخلق العالم كل يوم بفضل شروق الشمس و نشر أشعتها على الأرض، فنقرأ فى أناشيد العمارنة : ( البشر يستيقظون صباحا فيغسلون أجسادهم و يرتدون ملابسهم و يذهبون إلى أعمالهم و الحيوانات تقفز هنا و هناك و تصعد الطيور محلقة فى الهواء هنا و هناك و يتحرك السمك فى الماء ) ...... و نجد هنا أن المعنى اللاهوتى الشمسى يكمن فى إعتبار الحياة ( نعمة من الإله - آتون - الذى يحافظ على إنسجام و توافق جميع المخلوقات التى تخضع لنور الشمس كل يوم ) فمن يسقط عليه ضياء الشمس فهو من خلق ( آتون ) ينعم بفضله فى الحياة .
عطفا على ماسبق ، يمكن القول بأن مفهوم الظلام فى اللاهوت الشمسى الجديد لم يعد له وجود ، فالظلام هو أصل الشر و الكوارث التى تقع فى عالم الدنيا ، ( فالأسود تخرج من عرينها ، و الثعابين تنتشر فى الحقول ، و يعبث اللصوص فى جنح الظلام ) و من هنا وجه الملك نقدا غير مباشر لعقيدة ( الإله آمون ) فى أناشيده ، فلم يكن ذلك المعبود سوى تجسيد لمفهوم ( الخفاء ) ، فإسمه الدينى المركب ( آمون رع ) يعنى حرفيا : خفاء الشمس ، و لم يكن هذا التصور يتناسب مع معطيات عصر العمارنة ، فخفاء الشمس فى الظلام يعنى وقوع المصائب و انتشار الجرائم و توقف مخلوقات آتون عن النشاط و الحركة ، كما تجاهل الملك دور ( المعبود أوزير ) فى العالم الآخر ، فلم نعد نرى المتوفى ماثلا أمام المحكمة الأوزيرية و لم يصبح أوزير مسيطرا على عالم سفلى ( دات ) و لا وجود ( لحقول إيارو ) يتنعم فيها المتوفى ، و من هنا نؤكد على إنكار الملك لمفهوم دينى قديم يرى أصحابه أن الشمس تتجدد فى ظلام عالم ( الدات ) السفلى بعد غروبها ، فلم يعد المظهر الليلى للشمس هو سبب نشاطها و تجديدها الباعث على شروقها فى صباح اليوم التالى ، و لكنها - طبقا لعقيدة العمارنة - تغيب حتى تستريح حيث تظل الشمس عند الأفق الغربى فى حالة ( راحة و إستقرار ) و لايعلن الملك أى شىء عن مصيرها و كيفية إنتقالها من الأفق الغربى و حتى شروقها من الأفق الشرقى ، و لكن ينبغى لنا أن نشير إلى تجدد دينى هام : ( إن الخطاب الملكى للعمارنة لم يتحدث عن بقاء الشمس فى عالم سفلى ، و لكنها تستقر فقط فى - آخت أتون - أى فى عاصمته الدينية و السياسية الجديدة ) فمن يدفن فى رحاب العمارنة فهو فى أفق آتون ينتظر شروقها حتى يستيقظ فى عالمه الآخر .
و لايجب أن نغفل التجديد الدينى الذى نادى به الملك فيما يتعلق بمصير الموتى فى العالم الآخر و فقا لرؤية المعتقدات الشمسية الجديدة ، لقد كانت مملكة الموتى تقع فى معبد ( آتون ) فى مدينة العمارنة ، فعندما يشرق ( آتون ) فى الصباح فهو يملأ المعبد بضوئه و وجوده الدائم و من هنا يتلقى القرابين من المقدمة من الملك و زوجته و يفى بإحتياجات كل من الأحياء و الأموات و لذلك نقرأ فى نقوش مقابر كبار رجال الدولة فى العمارنة أن أرواح الموتى تستدعى من مقابرها لكى تذهب إلى المعبد فتستقبل غذائها هناك ، بينما يستمر آتون فى إمدادها بأنفاس الحياة الضرورية و لاشك أن هذا الدور الجديد للروح التى تدخل المعبد فى حرية و تقدر على تلقى كل أنواع القرابين هو و ضع خاص لفترة العمارنة . إن المعتقدات الشمسية الجديدة لعالم الموتى يكمن لنا تلخيصها بمنتهى البساطة كالتالى :
1 - ينام الموتى أثناء الليل فى قبورهم .
2 - يستسقظ المتوفى بفضل أشعة آتون داخل مقبرته فيقف على قدميه و يتعبد له .
3- يخرج المتوفى من المقبرة و يصطحب العائلة الملكية و (آتون ) إلى معبد الشمس الكبير حيث كانت توجد كل المؤن
4 - ينعم المتوفى بغذاء كامل بفضل ( آتون و الملك ) .
5 - يظل المتوفى داخل المعبد إلى أن تخرج العائلة الملكية و تعود إلى القصر الملكى و هنا يتجه المتوفى إلى بيته ( مقبرته ) .
إن عالم الموتى فى العمارنة لم يعد متميزا عن عالم الأحياء ، فكان ( آتون ) النهار يشرق على كليهما ، فما كان يفعله المتوفى خلال حياته فى ( آخت آتون ) ، سيقوم بتأديته أيضا فى حياته الأخرى ، و أن حياة الإنسان فى دنياه و آخرته تعتمد فقط على ( الضياء ) ، فالنور الشمسى هو مبدأ النجاة و وسيلة الإنقاذ الوحيدة و كان ذلك هو إكتشاف الملك فى عصر العمارنة .





الجمعة، 21 أكتوبر 2011

المعنى الأسطورى لرحلة الشمس فى عصر الدولة الحديثة

بسم الله الرحمن الرحيم

( المعنى الأسطورى لرحلة الشمس فى عصر الدولة الحديثة )

............................... صاغ كهنة طيبة فى عصر الدولة الحديثة تصورات فكرية متعددة عن مسار الشمس الكونى و سجلوا تفاصيل هذا المسار على جدران مقابر وادى الملوك ، فاتجهوا نحو تصوير إله الشمس ( رع ) فى رحلتين على متن قاربين : الأولى نهارية تبحر فى عالم سماوى و الأخرى ليلية تجرى فى عالم سفلى . و إتجه أنصار الفكر الشمسى فى طيبة إلى تمييز كل مرحلة من مراحل مسار الشمس بمعنى دينى محدد ، فكانت ولادة رع من جوف السماء فى الصباح الباكر تعنى ولادته من رحم أمه الإلهة ( نوت ) حتى يضىء الدنيا بأكملها ثم صورته المتون الشمسية فى هيئة طفل وليد يحتاج للرضاعة من قبل الإلهات المرضعات و ماأن لبث شابا ، حتى إعتلى عرش مصر فأصبح حاكما عليها الأمر الذى إستوجب الإحتفالات فى البلاد بأكملها ، فهلل و صفق له البشر و الآلهة .
كما أشارت متون هذه الرحلة إلى مواجهة كونية تتم بين ( رع ) ذاته و عدو مجسد فى هيئة ثعبان يدعى ( عبب ) يعمل على إعاقة مركب الشمس فى رحلتيها النهارية و الليلية ، فيشترك كل من الآلهة و الآلهات المصاحبة لرع فى القضاء على ذلك الثعبان ، فهو يجسد عنصرين : 1 - خطر كونى يكمن فى توقف حركة الزمن مما يعنى القضاء على الكون . 2 - ( عبب ) هو أصل الشر و الأخطاء التى يقضى عليها ( رع ) بنفسه .
تنتهى هذه الرحلة النهارية بعودة ( رع ) مرة أخرى إلى رحم أمه الإلهة ( نوت ) فيستبدل قاربه النهارى ( معنجت ) بقارب أخرى ( مسكتت ) و يتم رحلته الليلية الأخروية فى عالم سفلى و صفته النصوص بأنه عالم ماقبل الخلق حيث يهيمن فيه عنصران : الظلام و المياه الأزلية الأولى ( نون ) . إن هبوط رع إلى ذلك العالم لا يعنى سوى موته المؤقت أو بمعنى أدق كمون و توقف فعاليات الشمس عن أداء دورها فى عالم النهار و لو إلى حين حتى صباح اليوم التالى . و عندما يقتحم عالم مملكة الموتى السفلى فإنه يباشر وظيفته هناك كحاكم تماما مثلما كان يؤديها فى دنياه النهارية . و ينبغى لنا أن نشير إلى حقيقة ثابتة : إن هبوط ( رع ) إلى تلك المملكة لم يكن أمرا إعتباطيا ، بل كان يهدف إلى تجديد هيئة و دورة الشمس ذاتها فى العالم السفلى ، فالموت هو جزء من الحياة طبقا لمقتضيات العقيدة المصرية القديمة ، و هناك يظهر ( رع ) ك ( با ) بمعنى روح و يتحد و يتحد بجسده الميت الذى لم يكن سوى الإله ( أوزير ) و من هنا يعود ( أوزير ) إلى الحياة من جديد فى عالمه السفلى ، و أخيرا تنتهى الرحلة الشمسية الليلية بإنتصار الشمس على جميع أعدائها و ولادتها من جديد فى الصباح . نستشف مما سبق أن و ظيفة معبود الشمس ( رع ) من خلال رحلتيه الكونيتين تعكس دور الملك سياسيا على أرض مصر ، فالأحداث الكونية للشمس تتطابقمع الأحداث الأرضية التى يقوم بها الملك على الأرض ، فإنتصار الشمس على أعدائها يعنى عدد من الأمور الهامة و هى : 1 - إنتصار ( النظام الملكى ) على ( الفوضى المدمرة ) التى يسببها أعداء مصر .
2 - تغلب ( الخير ) على ( الشر ) ، فتتم مقاضاة الشر من خلال محاكمة أخروية أوزيرية مما يؤدى إلى إنتصار الخير ، أو بمعنى أدق ينتصر ( رع ) فينتشر ( الضياء ) فى العالم و يقضى على ( الظلام ) ، فالضياء هو ( الخير ) و الظلام هو ( الشر ) ، فيصبح العالم بأكمله بعد أن كان له قيمتين هما ( الخير و الشر ) ، ذو قيمة واحدة سائدة و هى ( الخير ) و هذا يعنى أنه أصبح قابلا للإستقرار و السكن و المعيشة .
3 - إنتصار إله الشمس بصفته ملك مصر يعنى أن الحاكم لايقول و لايفعل إلا الحق ، فتستقر ملكيته الدنيوية و الأخروية إلى الأبد و يستقر معها النظام الكونى .
4 - انتظام المسار الشمسى يؤدى إلى تأدية الملك لدوره الأخطر على الإطلاق تجاه شعب مصر و هو : ضمان التموين الغذائى للجميع ، فلا تحدث أزمات أو مجاعات .
5 - إن سلامة المسار الشمسى تؤدى إلى تسيد و هيمنة حب البشر لبعضهم البعض مما يساعد على خلق علاقات إجتماعية طيبة بين شعب مصر فلا وجود للقتل أو الكذب أو البغض
6 - أما المعنى الدينى فيكمن فى تغلب الشمس على موتها المؤقت و إعادة ولادتها من جديد مما يجعل مسارها نموذجا و هدفا لجميع المصريين ، فيتمنون لو يتحدوا بها أو يشاركوها فى رحلتها على أقل تقدير .

الاثنين، 17 أكتوبر 2011

ماهية الطقس الدينى

بسم الله الرحمن الرحيم

( ماهية الطقس الدينى )

................................ يرسم المعتقد الدينى صورا ذهنية واضحة و قوية عن ( العالم القدسى ) ، و لكن الأفكار وحدها لا تصنع دينا حتى لو كانت واضحة و قوية التأثير ، بل تشكل فى أفضل الأحوال ( فلسفة ) ، رغم عنايتها الكلية بالمسألة الدينية . إن أى معتقد دينى إذا إفتقد إلى ( نظام طقسى كامل ) ، فهو يظل مجرد ( معتقد مثالى ) و يبقى ( العالم القدسى ) صورة ذهنية باردة تعيش فى عقول أتباع هذه الفسفة لا فى قلوبهم . إننا هنا لا نتحول من ( الفلسفة ) إلى ( الدين ) إلا عندما يدفعنا ( المعتقد الدينى ) إلى ( سلوك ) و ( فعل ) ، فننتقل من ( حالة التأمل ) إلى ( حالة الحركة ) ومن هنا تظهر أهمية ( الطقس الدينى ) .
فالطقس يحرك الإنسان من ( التفكير فى العالم المقدس ) إلى ( إتخاذ موقف عملى إيجابى ) تجاه ذلك العالم ، فيقترب من ( كائن ماورائى متعالى ) لكى يسترضيه أو يسخر قوى ذلك الكائن لمصلحته أو لكى يجعله يكف غضبه عنه . فإذا كان المعتقد الدينى ( حالة ذهنية ) ، فإن الطقس ( حالة فعل ) ، و إذا كان المعتقد مجموعة من الأفكار المتعلقة بعالم المقدسات ، فإن الطقس هو مجموعة من الأفعال المتعلقة بكيفية التعامل مع ذلك العالم . و يمكن القول بأن أى صورة ذهنية لا تخرج من عالم الفكر إلى عالم الفعل هى صورة معرضة للتحجر و التلاشى و الزوال .
و لايقام الطقس الدينى إلا فى ظروف خاصة ، فينعزل الإنسان عن ( العالم الدنيوى االغير مقدس ) و يقتحم عالم آخر يتسم بطبيعة ( شديدة القداسة ) ، و عندئذ يستطيع أن ( يفتح قنوات إتصال مع ذلك المقدس المتعالى ) فيتصور أنه فى معيته و فى حضرته . و لاشك أن الطقس يعبر عن المعتقد الدينى ، فهو يكشف عن ( مغزى المعتقد نفسه ) فيعمل على توضيحه و تفسيره بالنسبة للمؤمن به . و نرى أن الطقس لا يتم إلا فى ( إطار جمعى ) يعبر عن أهداف الجماعة و من هنا لابد أن يتفق جميع أعضائها على كيفية إقامته و لا يجوز أن يخالف فرد ما من الجماعة كيفية إقامة الطقس بالصيغة المتفق عليها ، فالطقس هو ( خبرة دينية جماعية ) فى المقام الأول و الأخير .
إستنادا إلى ماتقدم يمكن القول بأن الطقس و المعتقد يتبادلان الإعتماد على بعضهما البعض ، فرغم أن الطقس يأتى كناتج لمعتقد معين يعمل على خدمته ، إلا أن الطقس نفسه مايلبث حتى يعود إلى التأثير على المعتقد فيزيد من قوته و تماسكه ، بما له من طابع جمعى يعمل على ( تغيير الحالة الذهنية و النفسية للأفراد ) . و هذا الطابع هو الذى يجدد حماس الأفراد و يعطيهم الإحساس بوحدة إيمانهم و قوة معتقداتهم . فالطقس رغم قيامه على مجموعة من الحركات و التراتيل المرتبة و المنظمة مسبقا ، و التى تم القيام بها مرارا و تكرارا ، إلا أنه يبدو جديدا كلما أكدت الجماعة على الأداء المشترك له . و لهذه الأسباب يظهر الطقس لداسى الحضارات و الأديان بإعتباره أكثر عناصر الظاهرة الدينية بروزا ، لأن الدين ليس نظاما من الأفكار بل نظاما من الأفعال و السلوكيات و المؤمن بأى دين ليس إنسانا قد أضاف إلى معارفه مجموعة من الأفكار الجديدة ، بل هو إنسان يسلك و يعمل بتوجيه من هذه الأفكار .

ماهية المعتقد الدينى

بسم الله الرحمن الرحيم

( ماهية المعتقد الدينى )

........................................... إتجهت آراء علماء الأديان و الأنثروبولوجى فى الآونة الأخيرة نحو تحديد معنى المعتقد الدينى بعد دراسة عميقة فى تاريخ الأديان الإنسانية و أدركوا أن المعتقد الدينى يتكون بعد مواجهة بين ( الإنسان ) و ( كائن علوى مقدس ) يسكن فى ( عالم ماورائى غير منظور ) ، و تتمثل هذه المواجهة فى تأمل الإنسان لما يحدث حوله من ظواهر و أحداث طبيعية و كونية و تاريخية ، و ما أن يتم هذا التأمل و الإدراك لوجود ( كائن فائق متعالى ) فى أعماق النفس الإنسانية ، يتدخل عقل الإنسان من أجل صياغة و تكوين مفاهيم من شأنها أن تضع هذه ( التجربة الداخلية ) فى ( العالم الخارجى ) و يتم تشكيل ( المقدس المطلق ) فى ذلك العالم ، و عند ظهور ذلك المقدس فى عالمنا الخارجى ، يبدأ الإنسان فى الإتجاه نحوه و تتكون الصيغ الأولى للمعتقد الدينى حول ذلك المقدس ، و هنا ندخل نحو ذلك الهيكل الكبير الذى ندعوه بإسم ( الدين ) .
و المعتقد الدينى هو شأن جمعى بالضرورة ، فهو يتشكل من خلال ( عقول الجماعة ) ، فتعمل على صياغته الأولى ، كما تعمل الأجيال اللاحقة على صقله و تطويره ، إلا أن أهل الحضارات القديمة لم يشيروا أبدا إلى هوية الأشخاص الذين أخذوا منهم معتقداتهم ، فشعوب مصر و سومر و كنعان و اليونان لم تذكر لنا شيئا عن صدور معتقداتها الدينية عن كاهن أو عراف أو متنبىء من أى نوع . و لم يفكر أهل هذه الحضارات فى البحث عن مصدر هذه المعتقدات الدينية لأنها تعكس ( حقائق أزلية ) لا يجوز مناقشتها ، فإذا كان لابد من تصور وجود بداية لهذه المعتقدات ، فهنا يتدخل ( عقل الجماعة ) و يضع هذه البدايات فى ( زمن أسطورى أزلى ) سابق لظهور الإنسان نفسه . و كما أوضحنا ، إن المعتقد الدينى ينبغى أن يكون جمعى لسببين : 1 - من غير الممكن أن يقوم كل فرد من أفراد الجماعة بصياغة و تشكيل معتقد خاص به بما يستدعى ذلك من سلوك و أفعال سوف تتضارب حتما مع مايبادر به الآخرون . 2 - أن دوام و إستمرار أى معتقد يتطلب إيمان عدد كبير من الأفراد به و إلا إندثر و فقد تأثيره حتى فى نفس صاحبه ، ومن هنا نفهم لماذا يسعى مؤسسوا الأديان و أصحاب الفلسفات الكبرى إلى التبشير بأفكارهم بين الناس و حثهم على إعتناقها ، ذلك أنهم يجدون فى هذا السعى ضمانتهم الوحيدة لحياة معتقداتهم و إستمرارها .
و هذا مايقودنا إلى إقرار حقيقة ثابتة : و هى أن ( الآلهة ) التى تظهر فى ( المعتقدات الدينية ) للحضارات المختلفة هى فى حاجة إلى البشر تماما كحاجة البشر إليها ، فآلهة الإنسان القديم كانت تستمد حياتها من الناس الذين يحملون أفكارهم عنها ، كما كان الناس يستمدون منها طاقة روحية تعينهم على الإستمرار فى الحياة ، فما تحتاجه الآلهة أولا من الناس هو الأفكار ، أى أفكار البشر عنها ، ثم تأتى العبادات و الطقوس فى المرتبة الثانية لكى تؤكد كل الأفكار و المفاهيم التى تخص هذه الآلهة التى تظهر من خلالها .
يتألف المعتقد الدينى من عدد من الأفكار الواضحة المباشرة و تعمل هذه الأفكار على رسم ( صورة ذهنية لعالم المقدسات ) و توضح الصلة بينه و بين ( عالم الإنسان ) و غالبا ماتصاغ هذه الأفكار فى شكل تراتيل و صلوات و أناشيد تعكس الصورة الحقيقية لذلك ( المقدس ) و يعمل أصحابه على نشره و ذيوعه بين الجميع حتى يجتذب أكبر عدد ممكن الأتباع . ( المقال القادم عن ماهية الطقس الدينى )

الخميس، 13 أكتوبر 2011

الملكية فى العصر العتيق - مسئولية و إنجازات

بسم الله الرحمن الرحيم


( الملكية فى العصر العتيق - مسئولية و إنجازات )

.............................. حظيت الملكية فى مصر القديمة بإهتمام علماء المصريات و صدر العديد من المراجع و المقالات العلمية التى تناولت الجوانب المختلفة للشخصية الملكية من ألقاب و أعياد ( إلخ......) و ركزت معظم الدراسات على ( قداسة شخصية الملكية ) مدفوعين فى ذلك بما شاع تصويره على الآثار من مناظر توضح الملك فى علاقاته المختلفة مع الآلهة كذلك ماجاء فى النصوص من ( تبجيل و تعظيم مفرط لشخصية الملك ) و خلص الكثير من العلماء إلى ( غلبة الشكل المقدس ) و أنه يعد نواة الملكية و جوهرها . إلا أن الدارس يختلف مع النتائج السابقة و ينحو منحى آخر فى هذا المقال و من هنا يفضل الدارس أن بقصر دراسته الموجزة على نشأة الملكية فى العصر العتيق نظرا لأهمية تلك الفترة التى تبلورت فيها كل أو معظم الأساسيات الفكرية و العملية للحضارة المصرية و لذلك أطرح على القارىء الكريم التساؤلات التالية : هل قداسة الملك منذ بدايات العصر العتيق ناجمة عن كونه يتمتع بقدرات فائقة عن البشر ؟ أم أن هذه السمات الخارقة التى نسبها إليه أتباعه كانت بهدف تحقيق مسئولياته و واجباته تجاه الرعية ؟ و كيف إستطاع ملوك مصر منذ العصر العتيق إقناع الشعب بقداستهم المزعومة ؟
تشير أسماء ملوك الأسرة ( صفر ) و بداية الأسرات إلى أن ( القوة و الهيمنة ) هما النواة التى تبلور حولها مفهوم الملكية منذ العصر العتيق ، فقد تسمى عدد من زعماء الأسرة ( صفر ) و ملوك بداية الأسرات بأسماء تحمل معانى ( القوة و القتال و الهيمنة ) مثل ( التمساح ) و ( العقرب ) و ( المحارب ) و ( الثعبان ) و ( المرعب ) ...... إلخ . كما أن اللقب الحورى إرتبط منذ البداية بصفات أشارت للملك على أنه ( قوى الساعد ) و ( الفحل القوى ) ، مما يعنى ( الملكية فى العصر العتيق كان قوامها القوة و أن القداسة عنصر يكمل الشكل ) و إستقر منذ العصر العتيق أن الملك هو شخصية مسئولية مدركة لأبعاد المهام المكلفة بها عاملة بدأب و إصرار على الإيفاء بمتطلبات المنصب .
أما بالنسبة للقوة الملكية ، فينبغى أن نشير إلى حقيقة لا مراء فيها : أن الملكية منذ نشأتها الأولى خلال عصر الأسرة ( صفر ) كان جوهرها ( القوة القادرة على تحقيق الإنجاز المذهل ) ذلك أنها مصعدة من ( بعض الصراعات الإقليمية كانت الغلبة فيها للأقوى ) و أن الشكل المقدس و الذى حظى بإهتمام زائد لا يمثل إلا ( القشرة الخارجية ) التى غلفت الملكية لإستكمال المظهر كى يتلائم مع خطورة المنصب و مسئولياته و بمعنى آخر : إذا لم يستطع الملك القيام بأعباء المنصب و إظهار قوته المتمثلة فى تحقيق الإنجازات سقطت عنه قداسته الشكلية و فقد شرعيته .
و مما لاشك فيه أن أقدم واجبات المنصب الملكى سجلت على ( حجر بالرمو ) حيث دونت رحلة هامة تخص ملوك العصر العتيق تعرف برحلة ( الشمسو حور ) أى جولة أتباع حورس - حكام الأقاليم - ، وكانت تمثل حادثة ثابتة تتم مرة كل عامين و هى عبارة عن رحلة نيلية يقوم بها الملك بصفته ( حورس ) مع أتباعه من حكام الأقاليم يتفقد خلالها أقاليم مصر المختلفة تتعلق بجباية الضرائب و الإطمئنان على إستقرار الأحوال و دقة تنفيذ القوانين بل و تزويد و إعطاء كل إقليم بما يحتاجه من مستلزمات إقتصادية و مشاريع زراعية مما يعنى أن هناك حاجة إلى إقرار الأوضاع و أن هذا كان يتم بمشاركة شخصية من الملك بإعتباره المسئول الأول عن إرساء النظم و الأمور فى مصر .
إن أول الأعياد الملكية المعروفة منذ عصر ماقبيل الأسرات و بداية العصر العتيق هو ( الحب سد ) و يترجم إصطلاحا ( العيد الثلاثينى ) و يختص بإعادة تتويج الملك بعد أن يتم فترة ثلاثين عاما فى الحكم لكى يجدد شبابه و حيويته مرة أخرى و تتضمن طقوس هذا العيد طقسة ( يرى البعض أنها شكلية و ليست فعلية ) يصارع فيها الملك ثورا قويا ليدلل على ( لياقته البدنية ) و أنه لايزال يتمتع بالقوة التى تؤهله للإستمرار فى الحكم و تحمل أعبائه و ذلك أن شباب الدولة و حيويتها يرتبط بشباب الملك و سعيه و نشاطه مما يعنى أن مصلحة البلاد هى الأساس و تأتى فى المقدمة و أن الملك رغم ماتمتع به من ( قداسة ) و ( سلطة ) فإن تواجده فى الحكم مرهون بقدرته على ( تحمل مسئوليات هذا المنصب ) .

الأربعاء، 12 أكتوبر 2011

الفترة الإنتقالية مابين نهاية الأسرة الأولى و بداية الأسرة الثانية

بسم الله الرحمن الرحيم

( الفترة الإنتقالية مابين نهاية الأسرة الأولى و بداية الأسرة الثانية )


............................ لماذا حددت وفاة الملك ( قاعا ) - آخر ملوك الأسرة الأولى - بنهاية أسرة؟ و لماذا بدأت الأسرة الثانية عندما إعتلى عرش البلاد الملك ( حوتب سخموى ) أول ملوكها ؟ ...... كشفت النتائج الخاصة بتلك الفترة عن وجود حقيقتين جديدتين : 1 - يشير حجر بالرمو إلى حدوث هبوط كبير فى معدل إرتفاع معدل الفيضان السنوى بعد نهاية الأسرة الأولى لذلك يرى البعض أن ذلك كان سببا فى وجود توترات سياسية و إقتصادية واضحة عجلت بنهاية الأسرة . 2 - لا يوجد شك فى وجود ملكين حكما مصر بعد عصر الملك ( قاعا ) أحدهما يعرف بإسم ( با ) و الآخر هو ( سنفر كا ) ، و قد عثر على إسم هذا الأخير فى جبانة النخبة شمال سقارة فى نهايات الأسرة الأولى مما يؤكد أنه تولى مقاليد الحكم بعد ( قاعا ) ، و لكن لايظهر أى من ( با ) و ( سنفر كا ) فى قوائم الملوك اللاحقة ، حيث إعتبرهم خلفائهم غير شرعيين و حذفا من السجل التاريخى ، مما يعكس وجود صراع على السلطة فى نهايات عصر الأسرة الأولى فكان ذلك إيذانا بأفولها .
........................... هل كان ذلك السببان كافيان للإنتقال من الأسرة الأولى إلى الأسرة الثانية ؟ يبدو أن أول ملوك الأسرة الثانية ( حوتب سخموى ) حاول أن يضفى الشرعية الدينية و السياسية على مركزه بالإشراف على دفن سلفه أو على الأقل بتكريم شعيرته الجنائزية حيث كشف حديثا عن أختام ( حوتب سخموى ) فى حجرات القرابين الأقرب إلى مدخل مقبرة ( قاعا ) ، الأمر الذى يعكس أمر هام : أنه أراد أن يؤكد على قيامه بدفن سلفه فاستحق العرش و فقا للتقاليد الدينية المصرية القديمة ، و لكن ذلك أصبح الآن مخالفا للواقع الأثرى ، فوجود أختام ( حوتب سخموى ) فى مقبرة ( قاعا ) ليس دليل فعلى على أنه خلفه مباشرة على العرش و إنما يدل على رغبته فى تأكيد ذلك الأمر لإسباغ شرعية على حكمه و لاسيما بعد إكتشاف وجود ملكين حكما البلاد بعد ( قاعا ) .
......................... و إذا نظرنا إلى أعمال أول ملوك الأسرة الثانية ( حوتب سخموى ) سنجد أنه خرج على التقاليد و هجر جبانة الملوك الأسلاف فى ( أبيدوس ) و إتجه إلى سقارة ( التى ستصبح بدءا من ذلك العصر أقدم جبانة ملكية فى منف ) و لاشك أن ذلك الحدث يمثل تغيرا جوهريا فى السياسة الملكية مما كان أحد الدوافع التى تستوجب تغيير الأسرة و الأدهى من ذلك أن تصميم المقبرة الملكية ( لحوتب سخوى ) فى سقارة إختلف بشكل كامل عن تصميم المقابر الملكية لملوك الأسرة الأولى فى أبيدوس و هو مااستوجبته على الأقل طبيعة طبقة الصخر المختلفة فى سقارة مقارنة بأبيدوس . هل كان إنتقال موضع الجبانة الملكية من ( أبيدوس ) إلى ( سقارة ) يعنى إنتقال مقر الحكم الملكى من ( ثني ) فى الجنوب إلى ( منف ) فى الشمال ؟ تشير الدلائل الأثرية الحديثة إلى إستقرار ملوك الأسرة الأولى فى ( ثنى ) و ليس ( منف ) و أن أول ملوك ( الأسرة الثانية ) إنتقل إلى ( منف ) كمقر حكم جديد مما كان أحد الأسباب التى أدت إلى بداية أسرة جديدة .
......................... و لاشك أن إسم الملك ( حوتب سخموى ) يحمل دلالة دينية و سياسية هامة ، فإسمه يعنى : ( هدأت أو رضيت القوتان ) و هما قوة المعبود ( حورس ) و قوة المعبود ( ست ) ، فسياسة الملك ترمى إلى إرضاء الربين ( حورس ) و ( ست ) طوال فترة حكمه ، فهل الإسم الذى إختاره يعكس وجود صراعات دينية أو سياسية وقعت قبل أن يتولى مقاليد الحكم ؟ لا يستبعد ذلك الطرح و لاسيما بعد أن ظهر على مسرح الأحداث وجود صراعات ملكية سياسية محتملة بين ( حوتب سخموى ) و ( سنفر كا ) و ( با ) ..... فربما ساند أتباع أحد المعبودين ملكا دون الآخر مما نتج عنه صراع بين كهنة ( حورس ) و كهنة ( ست ) ، إلا أن الملك ( حوتب سخموى ) أراد أن يقول أن الربين و أتباعهما رضيا عنه كملك شرعى فاختار إسمه السابق مما كان أحد الأسباب لتغير الأسرة . نستشف مما سبق أن الإنتقال من الأسرة الأولى إلى الثانية لم يكن هادئا ، بل صاحبه نزاعات ذات طابع سياسى و دينى و لذلك نرى أن هذا الإنتقال قد تم بسبب جميع الدوافع التى ذكرت سابقا .