الجمعة، 18 مايو 2012

ثقافة مصر السياسية و الدينية خلال عصر نقادة الثانية


بسم الله الرحمن الرحيم 


ثقافة مصر السياسية و الدينية خلال عصر نقادة الثانية 
.............................................................................تعتبر حضارة مصر فى عصر نقادة الثانية واحدة من أهم المراحل الحضارية فى عصور ما قبل الأسرات فى مصر ، فهى تمثل المرحلة الحضارية الثانية لتلك العصور فتبدأ من 3600 ق . م و حتى 3200 ق . م تقريبا . و إتفق علماء ما قبل التاريخ فى مصر على تقسيم حضارة ذلك العصر الى أربع فترات متعاقبة و هى نقادة أ و نقادة ب و نقادة ج و نقادة د . و تميز ذلك العصر بوجود مراكز دينية و سياسية كبرى فى الشمال و الجنوب إعتبرها البعض أقاليم مصر فى عصر نقادة الثانية أو ممالك صغرى على أقل تقدير ، فترأس كل إقليم أو مملكة صغرى زعيم سياسي و روحى أشرف على جميع الأمور التجارية و الدينية فى مملكته فى ذلك العصر . و كانت أشهر مراكز ذلك العصر هى : عين شمس و بوتو و المعادي و سايس و نقادة و نخن و أبيدوس و العضايمة و الهو و الجبلين و أرمنت و إلفنتين و غيرها من المراكز الأخرى 
إن التساؤلات التى تحاول هذه الدراسة الموجزة أن تجيب عليها هى :
1 – ما هو الوضع الحضارى لمصر فى عصر نقادة الثانية ؟ 
2 – هل تميزت المراكز الشمالية و الجنوبية بوجود وحدة ثقافية أم كان كل مركز متميز و مستقل حضاريا و ثقافيا عن الآخر ؟
3 – هل كانت حضارة نقادة الثانية مرحلة ممهدة لوحدة مصر السياسية ؟
إستهلت مصر عهدا جديدا فى عصر نقادة الثانية ، فتفاعل المصري القديم مع بيئته بشكل أفضل مما سبق من العصور السالفة و لا سيما بعد أن تمكن من فهم و إستيعاب إمكانيات بيئته التى طال إستقراره فيها ، فقام بإستغلالها على نحو أفضل ، الأمر الذي تكشف عنه المنشآت المدنية فى ذلك العصر و لا سيما المساكن ، فتميزت بما يلي 1 – إزدادت القرى و المدن السكنية و تطورت خلال عصر نقادة الثانية حيث ظهر تطور ملحوظ فى طراز المساكن و ملحقاتها و مواد بنائها 
2 – تطورت مدينة نخن فى ذلك العصر و ظهرت بها المساكن المستطيلة التى شيدت جدرانها على أساسات حجرية ، و هى واحدة من أقدم المحاولات فى مصر لإستخدام الحجر كمادة بناء فى مساكن تلك الفترة 
3 – أمدتنا زخارف و رسومات فخار نقادة الثانية ببعض المعلومات عن أشكال المساكن و مواد بنائها ، و ذلك من خلال ما رسموه من كبائن المراكب على أوانى الفخار ، التى شابهت فى هيئتها و أسلوب تشييدها أكواخ السكن و هياكل المعبودات 
4 – أهم ما يمكن إستنباطه من تلك الكبائن المرسومة هو المواد المستخدمة فى البناء فى ذلك العصر و هى أفرع الأشجار و أغصان و فروع النخيل و النباتات المجدولة فى ألياف ، علاوة على طرز الأسقف المختلفة و منها السقف المسطح و السقف المقبي و السقف على شكل نصف قبة . ألم تكن هذه المواد البنائية و الأشكال السكنية هى ذات المواد المستخدمة و الهيئات العروفة للمساكن فى عصر الأسرات المبكر فى مصر ؟ 
5 – أفضل نماذج لشكل المساكن خلال تلك الفترة هو ما تعرفنا عليه من خلال نموذج بيت لأحد الزعماء ، كشف عنه فى أحد مقابر المحاسنة ، مصنوع من الطمى المحروق ، ظهر فيه شكل المسكن على هيئة مستطيلة ذو زوايا مربعة و جدران مائلة للداخل ، فضلا عن وجود قاعدة أضخم و أكبر مقارنة بالقمة ، مما يعنى زيادة سمك المداميك السفلية عن المداميك العلوية ، و لا نستبعد وجود مثل هذا الشكل السكنى الهام فى بعض المراكز الأخرى ، الأمر الذي يقودنا إلى حقيقة هامة و هى : وجود معرفة تهيدية بقواعد و مبادىء الهندسة البنائية فى مصر خلال عصر نقادة الثانية 
أما عن عادات الدفن و مقابر ذلك العصر نجد مجموعة من المعطيات الهامة تمثلت فيما يلي :
1 – تنوعت أساليب بناء المقابر ، كما تنوعت أساليب بناء المنازل ، ففي الوقت الذي إستمرت فيه المقابر البسيطة البيضاوية و المستطيلة زاد عليها المقابر الدائرية و إتخذت المقابر الأشكال المستطيلة عندما كانت تسوى جدرانها و تحدد جوانبها ، كما إنخفضت أرضية الحيز الذى تم وضع الجثة عليها 
2 – حفرت كوات صغيرة فى أحد جوانب المقبرة لوضع الأوانى فيها كما تم وضع الأوانى و القرابين فى الجزء الأعلى للمقبرة فى حالات أخرى ، فظهر هذا الجزء كأنه رف عريض ، و هى واحدة من المحاولات الأولى لفصل الأثاث الجنزى عن مكان الدفن 
3 – كسيت جدران المقبرة من الداخل بطمى سميك و فى بعض الأحيان بالطمى ثم البوص و الحصير ، فضلا عن وجود حالات ظهر فيها تكسية بألواح خشبية مما يكشف عن أولى المحاولات لعمل توابيت خشبية تحيط بالمتوفى من جميع الجهات 
4 – فى نهايات عصر نقادة الثانية ظهرت محاولات لتحديد جوانب المقبرة بالطوب اللبن من الداخل مما أفضى إلى تحويل الحفرة ذاتها إلى حجرة كاملة تم تسقيفها بعد ذلك 
5 – و فى نهايات ذلك العصر أيضا ، ترجع المقبرة الشهيرة ، رقم 100 ، فى نخن التى تعرف بمقبرة الزعيم ، حيث ظهرت فكرة الرسومات الجدارية للمقابر لأول مرة فيها ، فربما كان أحد الزعماء المحليين لمدينة نخن ، و يمكن إعتباره الجد الأكبر لزعماء العصر الذي يليه و هو عصر نقادة الثالثة – الأسرة صفر ، الذين خرجوا من منطقة نخن لتوحيد مصر خلال تلك الفترة ( 3200 ق . م و حتى 3000 ق . م تقريبا ) ، فظهر ضمن نقوشها و لأول مرة منظر قمع الأعداء بواسطة الزعيم ، فضلا عن أقدم مناظر معروفة لإحتفال الحب السد ، حيث تم تصوير الزعيم داخل جوسق مرتديا رداء حابك 
إن أهم المعطيات الحضارية لعصر نقادة الثانية هو رسومات و زخارف الفخار التى كشفت عن مجموعة من النتائج الهامة هى : 
1 – صورت المراكب ذات المجاديف و الكبائن على نطاق واسع ، فشكلت بعض مقدماتها و مؤخراتها هيئات حيوانية ، مما يدل على وجود معبودات ذات رموز و أشكال حيوانية كانت تجرى لها شعائر تقديس فى ذلك العصر ، مما يؤكد وجود هياكل و مقاصير صغرى فى تلك الفترة منتشرة بين الشمال و الجنوب 
2 – تعتبر صور المراكب هى القاسم المشترك فى معظم زخارف الفخار خلال هذه المرحلة . و يعكس ذلك بدوره على مدى ما تشير إليه تقدم صناعة المركب فى ذلك العصر 
3 – تدل هذه المراكب من خلال رسوم الفخار على إستخدام النيل منذ ذلك العصر كأهم طريق للنقل و المواصلات من الشمال الى الجنوب أو العكس مما يؤكد وجود تبادل المنتجات التجارية و الأفكار الدينية و الثقافية بين مراكز الشمال و مراكز الجنوب الأمر الذي ساعد على وجود تفاعل ثقافى هام بين هذه المراكز ، فكان ذلك التبادل خطوة أولى نحو خلق وحدة ثقافية تمهيدية فى عصر نقادة الثانية 
يتبين لنا مما تقدم أن البوتقة الثقافية و الحضارية لمصر خلال عصر نقادة الثانية هو أمر غير مستبعد من خلال تناول الشواهد الأثرية السابقة ، إلا أن ذلك لا يعنى على الإطلاق أن هذه المراكز السياسية الكبرى لم تتميز بوجود خصوصية ثقافية مستقلة فى كل منها ، فوحدة البلاد الثقافية لم تلغى التمايز و الإستقلال الحضاري لمراكز الجنوب و الشمال فى عصر نقادة الثانية ، فكانت هناك سمات مشتركة تجمع بينهم و سمات مميزة و مختلفة تميز كلا منهم عن الأخرى 
و مما لا ريب فيه أن ذلك التفاعل الثقافي كان خطوة أولى نحو تفاعل أكبر و أعمق فى العصر الذي تلاه و هو عصر نقادة الثالثة – الأسرة صفر مما يؤكد حقيقة هامة و هى : وجود وحدة ثقافية فى مصر ساعدت على إتمام الوحدة السياسية كنتيجة طبيعية للمعطيات السابقة 
و بذلك يمكن القول أن عصر نقادة الثانية هو عصر شهدت فيه البلاد تقدما سياسيا واضحا من خلال مفهوم الزعامة و السيادة على الإقليم أو المركز ، فظهرت الرسوم و الزخارف التى تروج سياسيا و دينيا لمفهوم الملكية الناشئة و التى برزت إرهاصاتها الأولى من خلال ذلك العصر إلى أن تبلورت فى عصر نقادة الثالثة – الأسرة صفر ، فجاءت على شكل ناضج و قوي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق