الأربعاء، 9 نوفمبر 2011

الدعوة الآتونية بين التجديد والإخفاق


بسم الله الرحمن الرحيم
( الدعوة الآتونية بين التجديد و الإخفاق )



.................................... بلغت الدعوة الآتونية ذروة التجديد حين خرجت عن الإقليمية إلى العالمية ، و كان أصحاب المذاهب الفكرية القديمة تصوروا ربهم معنيا بأرض مصر وحدها ، غير مبالى بما يحدث فى البلاد الأخرى ، فنادت هذه الدعوة بإله رحيم و محبوب ، لا أعداء له من الأرباب أو البشر ، و لاضرورة إلى تخويف عباده منه ، فهو لايبطش بأحد و لا يعذب أحد . فهو قام بخلق الكون عن حب و رغبة و إقتضت العدالة أن ينتفع القريب و البعيد بنور ( آتون ) دون تفرقة بين أبيض و أسود ، فهو رحيم هنا و رحيم هناك و كاد منطق هذا الوصف أن يتسائل : لم لا يجتمع الناس على عبادته كما إجتمعوا على النفع منه ؟ و لم لاتكون روابط الإيمان بهذا الرب بين الشعوب أقوى من روابط العنف و المصالح و علاقات النسب ؟
و لاريب أن الدعوة الجديدة كانت تحمل فى ثناياها خلاصا من كل ما أحاط بعصر الملك من إشكاليات فكرية تمثلت فى تعدد الأرباب و تناقض التفاسير الدينية و إختلاف الأساطير ، كما أنها تقضى على السلطان الواسع الذى ادعاه كهنة آمون لربهم فى السياسة و الدين ، إلا أن أخطر تجديد فكرى تناولته هذه العقيدة هو : الإيحاء إلى الناس بالتخلص من قيود التراث القديم طالما تبين لهم أن موروثاتهم لم تعد تلائم منطق التفكير لعصرهم . و على الرغم من ذلك كله أخفقت الدعوة اللآتونية لعدة أسباب :
1 - إطمأن الملك إلى عاصمته الجديدة ( آخت آتون ) ، فقرر أن يمكث فيها ، و على الرغم من أنه أنشأ معابد لربه خارج عاصمته ، إلا أنه لم يوطد فكريا و لم يثبت عقائديا لهذه المعتقدات الدينية بين السواد الأعظم لعامة الشعب ، فانحصرت دعوته بين جدران معابد آتون و مقابر أنصاره الذين إستفادوا بشكل أو بآخر من مؤازرته .
2 - إعتقاد الملك فى إخلاص أتباعه بشكل مطلق ، فأسرفوا فى تمجيده ، و اعلنوه إله متحكم فى رزقهم و مصائرهم كما يتضح ذلك من خلال ماسجلوه على جدران مقابرهم ، و انشغلوا بذلك عن الإخلاص لدعوته ، كما أن أكثرهم لم يكن يؤمن بما نادى به الملك فانقلب على عقبيه و عاد إلى موروثاته القديمة بعد وفاة مؤسس الدعوة .
3 - لم يعتاد المصرى القديم على حرمانه من أعياده الدينية ، فلما أغلق الملك معابد البلاد ، كانت ذلك صدمة كبرى لعامة الشعب ، فالمصرى يشتاق لرؤية ربه المحلى داخل مدينته عندما يخرج قاربه من معبده فى موكب مهيب بين أنصاره و ذلك حتى يناجيه و يستمد منه معنى لحياته فيتغلب على أزماته المعنوية و المادية ، فماذا قدم إله الملك فى المقابل للمواطن الشعبى البسيط ؟ إنه لايتدخل فى حياة البشر و لا ينطق و لا يمكن مناجاته من خلال وحى لإنقاذه من مصيبة ألمت به ، ألم تكن معبوداته القديمة تعرف لديه بلقب شائع و هو ( سميع الدعاء ) ، فأنى له أن يتجه لرب لا ينصر فقيرا و لاينقذ مظلوما و لايسمع دعاءا ؟
4 - ظن الملك أنه بدعوته إلى روح المسالمة و الإخاء التى دعا إليها ، أن شعوب الشرق ستؤمن بمفاهيم دينه ، و انهم سينجذبون إلى طاعته ، و لم يدرك أن الشرق القديم فى عهده كان لا يبالى بهذه الأفكار و لاتعنيه فى شىء ، بل كان منهم مخادعون ، ضللوه عن مصالحه الخارجية و عما ينبغى أن يفعله تجاه أعدائه ، فأخفوا عنه الحقائق الفعلية ، و لم يتحقق هو نفسه مما كان ينقل إليه ، فزاد إطمئنانه إلى أخبارهم و إنصرف إلى تسابيح و أناشيد دعوته .
5 - إعتقد الملك أن مدينة طيبة أسلمت له القياد بعد أن شن حربا ضد ربها و أنصاره ، فتناسى أن طيبة كانت لها شهرتها التى فاقت عما سواها ، فهى لم تكن مدينة آمون وحده و لكنها كانت عنوان المجد الدينى و مقر النصر السياسى و أن قصورها و معابدها كانت لا تزال قائمة فتحولت إلى أماكن صالحة لتدبير الدسائس و إقامة المكائد من أجل إفشال دعوته
6 - عدم وجود تصور واضح عن مفهوم العالم الآخر ، فالمصرى القديم كان يعد نفسه للقاء الرب ( أوزير ) فى محكمة أخروية ينال من خلالها الخلاص فيتحد به و يدخل مملكته فينعم بحقول خصبة عرفها بحقول ( الإيارو ) ، فإذا آمن برب الملك ، فما عساه أن يقدمه له عندما يرحل إلى العالم الآخر ؟
7 - لم ينجب الملك وريث شرعى من صلبه يحمل رسالته على عاتقه ، فيتكفل بتوطيدها و تأكيدها بين الناس ، بل أن الشواهد الأثرية ترجح أن الملك قد أشرك فى حكمه ( سمنخ كارع ) فى أواخر عهده ، و لانجزم بشىء يتعلق بروابط الدم أو النسب بينهما ، فلا يزال الأمر محل جدل بين الباحثين ، إلا أن الأمر المؤكد هو إتجاه ( سمنخ كارع ) لمهادنة كهنة ( آمون ) فى حياة الملك نفسه فشيد معبدا لتخليد ذكراه فى طيبة الغربية ، مما يعكس أن أفكار الملك كانت فى سبيلها لأن تذهب إلى أدراج الرياح .
8 - إصرار الملك على مفهوم الوساطة الملكية ، فهو يؤكد أنه الوسيط الوحيد بين عالم المعبود الأوحد و بين عالم البشر على نحو متميز و بطريقة ملحة ، و لاريب أن دور الملك كوسيط بين المعبودات و البشر ليس جديدا فى حد ذاته ، بل أنه كان الدور الأساسى الذى تتعلل به نظرية الحكم فى مصر القديمة ، و لكن إصرار الملك على تأكيد هذه الحقيقة بتكرارها لمرات عديدة كان هو بيت القصيد ، فقد أراد أن ينتقل من ( النظرية ) إلى ( التطبيق العملى الواقعى ) ، فقام و بشكل عملى بمحو و إلغاء أى وساطة أخرى دونه ، و كان ذلك لاشك أحد أسباب إخفاق دعوته ، فالمصرى القديم إعتاد على مفهوم الوسائط المتعددة عند إتجاهه لمعبوداته .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق