الجمعة، 15 يونيو 2012

الماضي و الحاضر فى الأسطورة المصرية


بسم الله الرحمن الرحيم 

( الماضي و الحاضر فى الأسطورة المصرية ) ........................................................................................................................... يؤمن الباحث بأهمية علم الميثولوجى لدراسة و فهم الأيقونة الفكرية و الحضارية للتاريخ المصري القديم و لذا و من خلال هذا المقال الموجز يسعى قدر الإمكان نحو تسليط الضوء حول التأثير الديناميكي و التمثيلي للأسطورة المصرية ذات الأبعاد السياسية و الإجتماعية . و لاريب أن الأسطورة المصرية هى إرتباط بالماضي و غالبا ما تأخذ فى هذا الإرتباط صفة الحكاية أو الرواية . و هنا يمكن التأكيد على وجود نوعين من الأساطير المصرية ذات المغزى السياسي و الإجتماعي ، النوع الأول : هو النوع التمثيلي ، و تقوم الأسطورة هنا بوضع الزمن الحاضر فى ضوء تاريخ ، مما يجعل الزمن الحاضر يظهر على أنه حامل لمعنى و مغزى و على أنه تنفيذ لرغبة أو إرادة إلهية ، و على أنه ضروري الوجود و لا يمكن تغييره . فالحاضر هو تمثيل للماضي ، فهو إمتداد طبيعي له . 
و لذلك السبب يظهر كل ملك مصري فى الحضارة المصرية القديمة على أنه تجسيد للمعبود حورس الذي تولى زمام الأمور فى مصر فى زمن أسطوري عتيق طبقا لما نادت به الميثولوجيا المصرية السياسية ، فالملك هو الحاضر الذي يجسد الماضي ( زمن حورس و توليه الملكية ) و لا يظهر هنا أى فارق بين الماضي و الحاضر ، فلا فارق بين الملك و حورس . و لم يصل العرش الملكي لحاكم مصر إلا بعد أن إنتصر حورس على ست الذي إغتصب العرش من أبيه أوزير ، فعادت الشرعية الإلهية لحاكم مصر الفعلي . و عى كل ملك أن يعيد شعائريا تمثيل هذه الأسطورة عند توليه العرش و فى كل مناسبة دينية هامة . فالأسطورة السياسية هنا تجعل الماضي مندمج و متحد بالحاضر بفضل إقامة شعيرة ذات معنى و مغزى . 
و هنا يمكن لنا أن نستنبط أن النوع الأول من الأساطير المصرية السياسية و ذات وظيفة مؤسسة و مؤصلة للذكرى الحضارية لمصر . فالذكرى الحضارية تتمثل فى الأسطورة الخاصة بحورس و كيفية توليه العرش و الإنتقام من مقتل أبيه أوزير ، أما الملك فهو يعمل على تأصيل و تأسيس هذه الذكرى مادام حيا و للأبد . 
أما النوع الثانى من الأساطير السياسية المصرية هو : الذكرى الحضارية المضادة للزمن الحاضر ، فهنا يتم إدراك أوجه النقص و القصور فى الزمن الحاضر ، و بناءا عليه يتم إستدعاء زمن ماضي يحمل سمات عصر بطولي ، فتظهر إنجازات خارقة لأبطال الماضي على عكس الأزمات و الكوارث التى تحيط بالزمن الحاضر . و هنا يبرز الفارق الجوهري بين ( ما كان موجودا فى الماضي الذهبي ) و ( ما هو موجود الآن فى العصر الحاضر ) و الهدف من ذلك هو قلب الحاضر رأسا على عقب و وضعه فى مقابلة مع ماض أعظم تفوقا و أكثر جمالا . 
و فى حالات إستشعار النقص الشديد فى الزمن الحاضر عند مقارنته بماض سابق ، تتحول هذه الذكرى الحضارية المضادة للحاضر إلى ديناميكية أسطورية ثورية ، و يحدث ذلك فى عهود الظلم و الإستبداد أو فى ظل ظروف السيادة و الإحتلال الأجنبي . فتظهر الأسطورة فى طابع ديناميكي يطالب بالتغيير الثوري السياسي و الإجتماعي من أجل غد أفضل . 
و قد ظهرت تلك النوعية من الأساطير فى مصر فى عصرها المتأخر ، و هو العصر الذي شهد زمن الأزمات السياسية و الإجتماعية و الغزوات المتعاقبة و إنهيار الأوضاع الإقتصادية . فكانت هناك حاجة لإبراز ماض يحمل فى ثناياه عصرا ذهبيا " لا تسقط فيه - كما تقول الأسطورة - الأسوار و لا تشوك فيه الأشواك " ، فهنا يبرز الماضي فى حالة ( قطيعة ) و ( إنفصال ) عن الحاضر الحامل للأزمات ، فالأسطورة تظهر لكى تؤكد على أن الماعت تعانقت مع كل ماهو فى الأرض - أى حل النظام و السلام فى زمن الأمجاد الأول - و فاض النهر بمائه على مصر و لم تكن هناك مجاعات فى الأرضين . و عند الوصول لهذه المرحلة تنادى الأسطورة بعد ذلك بثورية ديناميكية تتنبأ بقدوم ملك مصري منقذ و مخلص من الظلم و الإستبداد . فنص الأسطورة المصرية فى العصر المتأخر يتنبأ بقدوم الملك المخلص الذي يعتبر رمزا للأمل و الرجاء للجميع ، و لا يقوم حكمه إلا بإسقاط النظام السياسي القائم . و هنا يصبح ظهور ذلك الملك يعنى إعادة لإحياء زمن الآلهة الأوائل ، زمن الأمجاد و البطولات ، زمن الإنجازات الباهرة زمن العدل المطلق و المثالية المطلقة ، فالأسطورة تنادى ببعث الماضي الأول لمناهضة و مواجهة الحاضر المخزى . 
لقد كانت الديناميكية الأسطورية فى العصر المتأخر حركة بعث قومى تهدف للتحرر من الظلم الذي كان يقع على المجتمع المصري فى عهود الإستبداد و السيادة الأجنبية . فيعمل المجتمع على تأصيل هذه الفكرية عند تربية الأجيال اللاحقة ، مما يمهد لظهور الملك المخلص الذي يلتف حوله الجميع لتحقيق آمال الجماهير الكادحة و المغلوبة على أمرها

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق